14 November,2018

كاتب فيلم ”يوم ببيروت“ ومخرجه نديم تابت: قصص فيلمي استقيتها من شخصيات واقعية تعاطت المخدرات والسلاح!

ياسمينا-(-يمنى-مروان-)-مع-فؤاد-(-نيكولا-قرداحيبين المدينة وناسها، شبابها بشكل خاص، اكثر من نقطة تقاطع. فهي مثلهم تغلي، تتحرك، تعرف النجاح والخيبات، تحاول ان تعالج نفسها، وتحمل الكثير من المفاجآت التي قد تغير سلوكا او مفهوما. <يوم ببيروت> للمخرج اللبناني نديم تابت وهو فيلمه الروائي الاول، شبابي بامتياز، حرّ كما ابطاله مايا (منال عيسى) وياسمينا (يمنى مروان) ورامي (وليد فغالي) وطارق (بانوس ابراهيميان) واميرة (رين سلامة) وفؤاد (نيكولا قرداحي) وميشو (جوليان فرحات) بعيد من القيود، وهو يحمل نبض المدينة وسكانها خاصة ما بين منطقتي الحمرا والاشرفية… فيلم فيه الجنون والحب والتجربة والخيبة والموسيقى والسياسة وفيه سعي الى خلاص قد يأتي وقد لا يأتي!

العرض الاول للصحافة كان حاشدا، والتعليقات الطيبة لم تخل، كذلك الانتقادات، ومنها القاسي. من الاخيرة توجهنا الى نديم، وحاورناه في قصته وشخصياته وفيلمه الذي يعرض في الصالات اللبنانية ابتداء من 12 نيسان/ أبريل الحالي.

مع الكاتب والمخرج كان لقاء <الافكار> وسألناه اولاً:

ــ كنت في الصالة ليلة العرض للصحافة ولا بد من انك سمعت التعليقات. كيف تلخص ردود الفعل حول فيلم <يوم ببيروت>؟

– ردود الفعل بغالبيتها ايجابية اذ ان الجمهور وجد في الفيلم طريقة معالجة جديدة بشكل خاص من ضمن مروحة الأعمار ما بين السابعة عشرة والثلاثين عاما. قالوا لي شكرا انك عبرت عنا، عن واقع يشبهنا. كذلك فانني سمعت كلاما ايجابيا عن الحرفة السينمائية التي عملت بها وطريقة التصوير التي استخدمتها مازجا النمطين الاوروبي والهوليوودي اللذين يستهوايانني على الرغم من الاختلاف بينهما. كذلك اثنى العديد من المتخصصين على المونتاج وطريقة اخذ اللقطات. أما بعض الجمهور من الفئة الاقل شبابا، فقد أحبوا الفيلم لكنهم تحفظوا، ومنهم من عبّر لي بصراحة بان الفيلم صادم له، حتى ان البعض منهم وجده متشائما، معتبرا انه يعكس الحالة التي يمر بها مجتمعنا وهي ميؤوس منها. بأي حال لا يحمل الفيلم وجهة نظر واحدة، وليس ذلك هدفي على الاطلاق.

ــ لكن لا يمكن نفي السوداوية التي تخيم على اجوائه. اليس كذلك؟

 – يحمل الفيلم ايجابية كبيرة اذا ما اخذناه من زاوية انها تجارب يمر بها الشبان في اول حياتهم من اختبار الحب والجنس الى المخدرات وغيرها، وهم على الرغم من مرارة ما يقاسونه، يتعلمون من تجاربهم ما يجعل حياتهم هذه افضل لاحقا. من هذا المنطلق اؤكد ان التشاؤم لا يطغى على الفيلم ولا الحزن بل ربما هي الـ<ميلانكوليا> المرافقة لسؤال كل واحد منا: هل يستطيع الانسان العودة الى الخفة التي عاشها وهو في عمر صغير؟ ان يسترجع البساطة و<الولدنة> حيث الحياة البسيطة الناعمة غير المثقلة بالتجارب الصعبة والبعيدة عن اي ابهام او تعقيد او فوضى؟ انه سؤال يساق على لسان اكثر من شخصية في الفيلم، فهل يمكن صورو-1-من-فيلم-يوم-ببيروت لياسمينا مثلا التي تتعالج من الادمان ان تعود الى ما كانت عليه قبلا و<كأنو ما صار شي>؟

ــ لكنك ابرزت نماذجك كلها تائهة وضائعة ولم <يفلت> منها واحد يشير الى شباب لبناني مبدع وخلاق او من شباب الجامعات الذين نراهم يحلقون في اكثر من مجال وانت مثلا نموذج عنهم اذ تعلمت واكملت علومك في <السوربون> وها انت اليوم تنجز سينمائيا. لماذا يغيب هذا النموذج؟

– أعود واسألكم :لماذا تعتبرونهم تائهين؟ انها تجارب يمرون بها في مثل سنهم. في السابعة عشرة من عمري كانت هواجسي تشبه هواجسهم… صحيح انني لم اتعاط المخدرات ولا الهيرويين لكنني تساءلت الاسئلة وعشت الهواجس نفسها التي يعيشونها في الفيلم. ثم انني لست من اولئك الذين يفتشون عن النماذج العادية السلوك والذين نشأوا كما أراد لهم آباؤهم ان يكونوا… احترمهم لكنهم لا يثيرون اهتمامي.

ويضيف نديم:

– لن اقوم باطروحة ابرر فيها لكل مشاهد بان الفيلم يحمل الامل ايضا <مش هلقد معتم>. من المؤكد ان النماذج التي قدمتها ليست في افضل احوالها، وهناك المحبط الذي يريد من غرفة نومه استرجاع الشعارات السياسية الكبيرة و التعرف على تاريخ لبنان والانخراط في مظاهرات شبابه لينسى حبيبة هجرته، وهناك المدمنة التي تتعالج في مركز متخصص، وهناك الصبية التي تنتظر اللقاء الاول برجل تعيش معه تجربة الجسد… لكن هناك ايضا الفرح والموسيقى والحياة الحرة. تصوروا ان المحبط الأكبر في الفيلم اي فؤاد (نيكولا قرداحي) هو <اهضم واحد فيه>، ولم يأت ذلك من باب المصادفة، بل انني ومن خلاله اقول بان استعادته لحياة عادية ممكنة.

 

لبناني… ونص!

صورة-كاتب-ومخرج-الفيلم-نديم-تابتــ طالتك انتقادات بأنك تعيش في فرنسا منذ فترة طويلة ولا تعرف الكثير عن الشباب اللبناني حتى تنقل واقعه عبر فيلمك. هل تجد التعليق محقا؟

– جيد بأنك توجهت الي بهذا الانتقاد وجها لوجه. صحيح انني اعيش في فرنسا الا انني قضيت حتى عامي السابع عشر في لبنان، وآتي اليه بشكل دوري فلم انقطع عنه يوما. سافرت الى فرنسا لاكمال دروسي ولكنني ولدت هنا واعرف هذا المجتمع جيدا وقد صورت فيلما في العام 2001 هنا أيضا، لكن ربما شكلي الاشقر وعيناي الزرقاوان جعلا الامر يختلط على البعض فاعتقدوني فرنسياً. الى ذلك، هل يمكن اليوم، ومع وسائل التواصل التي بلغناها، إقامة اي اعتبار لقول <هيدا عايش برا وهيدا جوا>؟ مع الانترنت والتواصل باتت العولمة حاصلة وما يجري في اوروبا واليابان نعرفه، كما انهم يعرفون ماذا يعني لبنان وكيف هو بلد عربي وما هي احواله واحوال مجتمعه… لم يعد هناك من بلد مقفل على نفسه وتصلنا الافلام من زيمبابوي فنعرف عنها. بالمقابل، يمكن ان يعيش الناس في قلب البلد الواحد ولا يعرفون بعضهم البعض ولا مناطقهم. في الفيلم مثلا سمعتم الشخصيات بأية طريقة تتحدث عن منطقة الهرمل البقاعية حيث دوى انفجار، فمنهم من اعتقدها في شمال البلد وآخرون نسبوها الى منطقة الجنوب إذ لم يزوروها يوما. انه الواقع، سلمنا به ام لمنسلم. فيلم نادين لبكي <هلق لوين> يجسد تماماً ما انا بصدد التعبير عنه الآن.

ــ هل من قصص واقعية نقلتها الى فيلمك؟

 – كثير من حكايا الفيلم ونماذجه واقعية… فالمدمنة التي تجسدها يمنى والتي تهرب من مركز اعادة التأهيل من المخدرات نقلتها الى الفيلم عن شاب صديق اعرفه وقد هرب لليلة واحدة من المركز، فلعبنا كرة القدم مع عدد من الاصدقاء وتعشينا سويا ومن ثم عاد بارادته اليه. الامر عينه بالنسبة لميشو الذي يجسد دور الشاب السوري في الفيلم، وهذا النموذج استقيته ايضا من حالة معاشة لاحدى صديقاتي اذ دخلت بعلاقة مع شاب سوري لتكتشف في احدى المرات ان قوى الأمن <طبوا عليه> لنقله السلاح.

ــ لقد اثارالنموذج السوري في الفيلم لغطا حوله، فلم نعرف تماما من هو؟

– انه شاب سوري <جغل> ويلبس جاكيت الجلد والجينز وشكله حلو على نسق <الكاوبوي> وليس الارهابي. يريد الثورة في سوريا لجعلها أفضل من وجهة نظره. لم اكتب الشخصية بالشكل الذي هي عليه لاي اعتبار سوى انها كذلك، وليس بسبب الحساسية التي باتت مفرطة تجاه السوريين والفلسطينيين ولكونه تجدر مراعاة شعورهم في النماذج التي نقدمها على الشاشة والا اتهمنا بالعنصرية… جوليان فرحات كان الخيار الانسب لهذا الدور… لم اكن اعرفه شخصيا لكنني وجدت فيه شخصية تحمل اللغز <انيغماتيك>…

 ــ ماذا عن الممثلين الآخرين، كيف اخترتهم؟

– منال عيسى اعرفها حتى قبل ان تمثل فيلم <باريزيين> مع دانيال عربيد الصديقة… المرة الاولى التي التقيت فيها بمنال تيقنت بأنني سأعمل معها يوما. يمنى مروان اعرفها ايضا واعرف اداءها المتقن. جوليان لم ميشو-(جوليان-فرحات-)-مع-مايا-(-منال-عيسى)اكن اعرفه شخصيا ولما رأيته قلت: سيجسد دور ميشو جيدا. اداء الممثلين كان ممتازا ونحن تدربنا لشهرين قبل بدء التصوير فلم يكن في الفيلم اي ارتجال.

ــ ما سبب الغياب التام لصورة الاهل في الفيلم فلا وجود لهـــم الا من خلال اصواتهم عبر الهاتف او من خلف الجدار. لماذا تقصدت الامر وهل هي رسالة <توعية> حول غياب الاهل في حياة اولادهم مع ما يترتب عن ذلك من نتائج؟

– في النسخات الاولى من الورق التي كتبتها للفيلم كان الاهل موجودين، حتى اننا في احداها نشاهد والد مايا وفؤاد في ايامه الأخيرة واستعيد من خلاله قصته والحرب اللبنانية الاليمة، وطريقة التواصل بين الاهل والابناء من خلال علاقته بولديه، اذ انهما من جيلين وعالمين مختلفين وبشكل خاص مع دخول وسائل التواصل على واقعهما، فكيف سيفهمان على بعضهما البعض؟ لكن مع تطور كتابة السيناريو في النسخات الاخرى ابتعدت عن تجسيد الاهل عبر شخصيات نراها على الشاشة. اردت فيلما فيه نسبة <الانتروبولوجيا> اكبر من <السوسيولوجيا> والمفاهيم الاجتماعية او الدينية او البيئية لتلك الشخصيات. بهذا الشكل، وجدت الفيلم <يتنفس> بشكل اكبر بعيدا عن ضغط وجود الأهل. أما بالنسبة الى الرسالة من ان غياب الاهل عن حياة ابنائهم قد يودي الى عواقب كالتي رأيناها فانني سعيد بان الجمهور اخذها على هذا الشكل، وانها رسالةلبقاء العائلة اللبنانية متماسكة وحاضرة من خلال افضلية وجود الاهل في حياة ابنائهم.

ــ هل كان صعبا جعل احداث الفيلم تجري كلها في يوم واحد؟

– في النسخ الاولى التي كتبتها كنت اعتزم جعل الاحداث تدور في ظرف أسبوع واحد من الاحد للاحد، لكنني عدت واعتمدت الـ24 ساعة وهو نوع سينمائي معروف من حول العالم.

ــ نعرف انك تحضر حاليا لفيلمين مختلفين وأحدهما يتناول موضوع الفوارق الطبقية؟

– اولا اسمحوا لي ان اعبّر عن سعادتي بالعمل مع شركة <ابوط> للانتاج والسيد جورج شقير، لانه لانجاز افلام مجنونة عليك ان تلتقي بمنتج يحب جنونك ويأخذه عاليا، ونحن نفهم على بعضنا البعض… وصحيح انني احضر لفيلمين الآن احدهما من نوع <الرعب>، وآخر يدور حول قصة حب بين ثلاثة اشخاص من طبقات مختلفة على منوال فيلم <Match Point>  للممثل والمخرج وودي آلان انما <عاللبناني> هذه المرة!