24 May,2017

قوة أميركا من الورقة الخضراء وليس من البيت الأبيض!

 

بقلم خالد عوض

جانيت-يلين

الأنظار متجهة بقوة اليوم إلى نائب الرئيس الأميركي <مايك بينس> لأنه يمكن أن يصبح بين ليلة وضحاها الرئيس الأميركي السادس والأربعين، وهذا قبل أن تنتهي ولاية الرئيس الأميركي الحالي <دونالد ترامب>. <بينس> هو جمهوري تقليدي يمكن أن يعيد بعض العقل إلى البيت الأبيض خاصة بعد تأكد وجود <علاقة ما> بين <ترامب> وروسيا وإمكانية اتهام الرئيس الأميركي الحالي بتضارب المصالح بين وجوده في سدة الرئاسة الأولى وارتباطه مع الروس بشكل أو بآخر. فاعتراف مستشار الأمن القومي <مايكل فلين> أنه كذب أمام <بينس> بشأن اتصاله مع السفير الروسي في الولايات المتحدة والتحدث معه حول العقوبات على روسيا، ثم تبين أن الرئيس <ترامب> كان على علم بذلك، أقام الصحافة الأميركية ولم يقعدها، حتى أن مجلسي النواب والشيوخ ورغم الأغلبية الجمهورية المؤيدة للرئيس الأميركي فيهما، أصبحا في وضع يلزم عليهما تسريع التحقيق في ما أصبح يسمى <كرملين غايت>، أي فضيحة شبيهة بـ<وواتر غايت> التي أطاحت بالرئيس الأميركي <ريتشارد نيكسون> عام ١٩٧٤ وجاءت بنائب الرئيس حينذاك <جيرالد فورد>.

الكلام في الولايات المتحدة حالياً أن الصحافة تضرب مجدداً، فتصريح <فلين> الذي كذب فيه كان إلى صحيفة <الواشنطن بوست>، الجريدة نفسها التي تمكن صحافياها <وودوارد> و<برنشتاين> من فضح <نيكسون> في السبعينات.

ولكن هذه المرة هناك تدخل واضح للأجهزة الأمنية الأميركية التي تكشف بالتدريج وجود يد روسية في الإنتخابات الأميركية الأخيرة ووصول <ترامب> إلى البيت الأبيض، كما وتكشف علاقة عدة أعضاء من فريق الرئيس بالاجهزة الروسية. إذا نحن أمام مشهد مختلف تماماً اليوم في الولايات المتحدة، فبعد أن ضرب القضاء وأوقف <ترامب> عند حده في مسألة منع رعايا سبع دول من الدخول إلى الولايات المتحدة، ها هي مايك-بينسالصحافة تضرب هي أيضاً وتتجه إلى أن تجعل نائب الرئيس الأميركي <مايك بينس> في سدة الرئاسة الأولى.

ماذا يعني كل ذلك، هذا إن حصل؟ ببساطة، صحيح أن <السيستم> الأميركي قد يكون تعرض لاختراق كبير ولكنه متين إلى درجة أنه يصلح نفسه بنفسه، فبين الاجهزة الأمنية المتعددة والقضاء والصحافة ومجلسي النواب والشيوخ هناك شبكة حماية متكاملة تحفظ نظام أعظم دولة في العالم اليوم.

رغم كل ذلك، والذي لو كان حصل في أي بلد آخر لكان الوضع المالي فيه أصبح في خطر، فإن الاقتصاد الأميركي يحافظ على وتيرة نموه، فكل ما يحصل اليوم يؤكد أن الثقة به لا تأتي من البيت الأبيض، بل من شبكة الحماية الموجودة في النظام، هذا النظام الذي يصلح نفسه بنفسه ومن مصدر آخر بالأهمية نفسها.

ففي خضم كل الاهتزاز في البيت الأبيض تحول الجميع عن كل أخبار <ترامب> ومشاكله الروسية ليستمعوا إلى ما ستقوله رئيسة الاحتياطي الأميركي <جانيت يلين> التي أكدت مسار رفع الفوائد، ولو بتأنٍ، وان التأخير في ذلك يمكن أن يضر الاقتصاد. الحدث الوحيد الذي تمكن من استقطاب إهتمام العالم أكثر من بوادر فضيحة البيت الأبيض كان كلام <يلين>. في فمها ما يؤثر فعلاً على الأسواق وليس من منبر <الوايت هاوس>. بقي <ترامب> أم أتى <بينس> النتيجة واحدة: الدولار يحكم العالم، وقبل أن يتغير ذلك سيأتي ويذهب رؤساء كثيرون ويتركون بصماتهم بشكل أو بآخر، ولكن الثابت هو الدولار. الولايات المتحدة تستلهم قوتها منه قبل أي أمر آخر.

يمكن تلخيص كل ذلك في كلام خبير اقتصادي أميركي اسمه <بيتر شيف> الذي انتقد <دونالد ترامب> لأنه يريد من الشركات الأميركية إعادة المصانع إلى الولايات المتحدة وينوي فرض ضرائب على الاستيراد وتقييد حرية التبادل التجاري فقال: <لماذا نفعل ذلك؟ نحن نستورد كل هذه البضائع مقابل ورق نطبعه لا يساوي شيئاً، وهم يعملون ويكدون ليلاً نهاراً ويرسلون لنا أفضل ما عندهم ليحصلوا على هذا الورق الذي لا يكلفنا أي شيء>…

إذا كان المستر <بوتين> وهذا لا يزال افتراضاً، قد حاول اضعاف الولايات المتحدة من خلال السيطرة على البيت الأبيض، فإنه بالتأكيد أخطاً في العنوان.