22 September,2018

قهر ولفّ ودوران... ولا اعتراف بلبـــنان فـي سجــون النظــــام!

 

بقلم علي الحسيني

الوجع أن تنتظر من البعيد <القريب> معلومة عن شقيقك أو والدك أو ولدك أو حتى صديقك تقول إنه ما زال على قيد الحياة يتنفس وتمني النفس بيوم تلتقي به بعد غياب امتد لفترة جيل أو جيلين ربما، لكن قمة الوجع أن لا تأتيك هذه المعلومة فتظل آمالك معلقة على ذاك اليوم البعيد وتظل الذكريات هائجة والحنين يضج بداخلك إلى حين يذكرك الموت فترحل عن دنيا لا تعلم إن كان المظلوم فيها سينال حقه، أم ان الحق سيُترك إلى يوم حساب الآخرة، وعند ذلك لا بد للحق أن ينتصر ولا بد للمظلوم ان يكسر الأغلال ويخرج من سجن الظالم ليُحيله إلى محكمة السماء حيث العدالة الإلهية لن تُضيّع حقاً وراءه مطالب.

المسجونون اللبنانيون في سوريا… عود على بدء!

ثلاثة عشر عاماً هي المدّة الزمنية التي تفصلنا اليوم عن تاريخ انسحاب الجيش السوري من لبنان. وبعدما أمِلَ كثيرون، منذ المرحلة التي سبقت انسحابه بقليل، بأن تُسفِر تلك الخطوة عن خواتيم سعيدة لملف المعتقلين اللبنانيين والمفقودين في السجون السورية، نرى أن هذا الملف لا يزال كالسفينة في عرض البحر وسط عاصفة شديدة ولا مجال لربّانها إلا الوصول بها الى الشاطئ، ولكن في ظل غياب أية بوصلة يُمكنها ان تحدّد له أي شاطئ.

اذا كانوا أحياء، نريدهم. وإذا قتلوا، نريد جثثهم… هذا هو المشهد في لبنان تحديداً مع أهالي المعتقلين أو <المفقودين> في السجون السورية. الأهالي حتى اليوم ينتظرون تَحمل الدولة لمسؤوليتها تجاههم على الرغم من أن كل العالم بات يعلم بمأساتهم ويتفهم قضيتهم. لكن اليوم لم يعد ينفعهم الشعر وعبارات التضامن والتعهدات الكثيرة التي يطلقها أمامهم المسؤولون السياسيون عند كل استحقاق وآخرها الإنتخابات النيابية الأخيرة حيث ظنها الأهالي حينها، فرصة ربما تكون الاخيرة لتعويض الشقاء والعذاب والإذلال الذي تعرضوا له سواء على أبواب المسؤولين، أو من خلال تواصلهم مع عدد من النافذين من الداخل السوري. البعض كان يعد بأخبار مفرحة <قريباً>، والبعض الآخر كان يدعو إلى الرحمة على أرواح المفقودين، لكن صبر الأهالي لم ينفد يوماً بل ظلوا على إيمانهم المطلق بأن للقضية نهاية ولا بد أن تسلك طريقها من دمشق إلى بيروت عاجلاً أم آجلاً، ويا ليتها تكون على النحو الذي يرجونه.

وفي نيسان/ ابريل الماضي تم الاعلان عن وفاة المعتقل السوري (من أم لبنانية) حسن حديفة الذي قضى أكثر من 30 عاماً في السجون السورية، كما هو حال  27 شخصاً من اللبنانيين. وقد تم تسليم جثة المعتقل الى عائلته. وحديفة كان قد اعتقل عام 1987، ومن هنا كان تشديد من جميع الأهالي بأن تكون وفاة حديفة إخباراً للدولة اللبنانية للتحرك، والسؤال عن مواطنيها حيث تؤكد المعلومات بوجود المئات منهم في السجون السورية، وكان خروج جورج شمعون في العام 2011 من السجون السورية دليلاً إضافياً على وجود العديد من المعتقلين في هذه السجون والذين يُقدر عددهم بـ661 معتقلاً لبنانياً.

حنكش: أطلبوا المفقودين

ولو من روسيا!

اللافت في ملف المفقودين اللبنانيين في سجون النظام السوري الذي بدأ بدوره يسعى لاستعادة النازحين من لبنان، أنه وسط كثرة المبادرات الدولية، ولا سيما الروسية منها، حول ملف النازحين في لبنان والأردن وتركيا، وانسجاماً مع <التلزيم الدولي> لروسيا، كما يبدو بالملفات السورية كافة، وفي ظل إبطال كل المحاولات اللبنانية السابقة لإحداث النهاية السعيدة لهذا الملف، يظهر سؤال أكثر من واقعي وهو: ماذا لو تمّ الطلب لبنانياً من روسيا بالعمل فعلياً على هذا الملف لإنجاحه وإرفاق ملف المفقودين به. فرغم العلاقات الجيدة التي اتّسمت بها علاقة التيار الوطني الحر وسوريا بعد عودة العماد ميشال عون من فرنسا ولاحقاً عندما أصبح رئيساً للبلاد، ورغم ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله، ورغم قدرة الأخير على جَلب النتيجة الفعالة وختم هذا الملف، لو أراد ذلك على حد قول بعض المطلعين على ملف المفقودين، فلا يزال الملف قيد التكهنات والتوقّعات وبازارات الانتظارات والتطمينات.

عضو كتلة الكتائب النائب الياس حنكش يعتبر أن المبادرة الروسية المباركة حول ملف النزوح السوري تُظهر أن الروس يستطيعون ان يلعبوا ايضاً دوراً مهماً في ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. كما وأن رئيس حزب الكتائب الشيخ سامي الجميل اجتمع في تشرين الأول/ اكتوبر الفائت مع مسؤولين روس في روسيا، وطلب منهم ان يقوموا بدور في ملف النزوح السوري نسبة الى علاقتهم الممتازة مع السوريين، ولكونهم شركاء للنظام السوري في معركته. إضافة إلى أن الروس يتمتعون بعلاقات ديبلوماسية ممتازة مع لبنان، وبالتالي هم يستطيعون ان يلعبوا دوراً في ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، خصوصاً أن نتائج العمل الروسي تظهر بسرعة كما يبدو، بالإضافة الى أدائهم الجيد في كل الوساطات التي يقومون بها.

ويقول حنكش: كنت أقوم بعملية مقارنة لمشهد إطلاق عهد التميمي من سجون الإحتلال الإسرائيلي مع شهادة بكالوريا وبصحّة جيدة، في وقت لا نعرف نحن اي شيء عن ابنائنا المفقودين منذ سنوات طويلة، ولا نعرف ما هو مصيرهم، ولا إن كانوا سيعودون فعلاً، فيما بعض القوى تذهب الى سوريا دون ان تتحدث مع السوريين في هذا الملف، مشدداً على أنه لم يُحكَ في هذا الملف حتى خلال الزيارات اللبنانية لسوريا التي تمّت على مستوى عال، مؤكداً أنه حتى المتوفّين منهم، يجب ان نعرف مصيرهم. ولا تجوز المناداة بالتطبيع مع النظام السوري، وبإقامة علاقات ديبلوماسية أخوية، فيما نحن لا نعرف مصير شبابنا الذين اعتُقلوا واختفوا لديهم.

أبو دهن: سجن تدمر يعني جهنم

 

علي أبو دهن سجين لبناني سابق تم اعتقاله 13 عاماً في السجون السورية. بدأت رحلة اعتقاله من سجون فروع المخابرات السورية، حتى وصل إلى <جهنم> كما يسمي سجن تدمر في كتابه <عائد من جهنم… ذكريات من تدمر وأخواته>، بعد إطلاق سراحه عام 2000. أراد علي أبو دهن أن يشعر بحريته وبأنه يستطيع الكلام فعلاً، فألف هذا الكتاب الذي يسرد فيه ذكرياته ويومياته التي عاشها خلال <رحلة الموت> التي لم يصدق في البداية أنه نجا منها فعلاً، حتى وصل إلى بيته والتقى عائلته في لبنان. لكنه لم يكتف بنجاته واسترجاعه لحريته، فأسس مع رفاق <جهنم> السابقين <جمعية المعتقلين اللبنانين في السجون السورية>، التي تعمل وتسعى إلى إطلاق سراح باقي المعتقلين في السجون السورية.

يقول علي لـ<الأفكار>: <لقد تم اعتقالي في السجون السورية بتهمة مناهضة النظام السوري، والأصح الاحتلال السوري لبلدي لبنان. تم اعتقالي من لبنان وترحيلي إلى سوريا، وكان حينذاك يتم ترحيل المعتقلين اللبنانيين في سيارات مغلقة لا يعلم أحد إلى أين ولا مصيرهم، وذلك بتهمة التعامل مع إسرائيل مباشرة وليس مع جيش لبنان الجنوبي، حيث كانت إسرائيل تحتل أجزاء من لبنان. أحياناً كنت أقول بيني وبين نفسي، ليتني كنت قد تعاملت مع إسرائيل فعلاً لأستطيع تبرير اعتقالي، وطبعاً هذا أمر خاطئ جداً وغلط كبير. ويُضيف: تدمر هي جهنم، وإذا كنت تسأل ما هي جهنم؟ سأخبرك ما هي جهنم التي عدت منها. في الأديان السماوية يقال إن الله سيحاسب في الآخرة وسيرسلك إلى الجنة أو إلى جهنم، لكن أنا أقول لك احذر أن تفعل شيئاً فسيرسلونك إلى تدمر حيث هناك جهنم الحقيقية. كنا 45 معتقلاً في غرفة لا يتجاوز طولها وعرضها

4 أمتار، كان يتم حشرنا وضغطنا بشدة، كنا ننام <تسييف> على جنبنا بشكل معاكس أي قدمي أمام وجه أحدهم وقدمه أمام وجهي وهكذا كل من في الغرفة>.

ويؤكد قائلاً: <كنا نحسد سمك السردين الذي له مكان أوسع في العلبة وأقل ضغطاً مما في غرفتنا. كان يمنع علينا الذهاب إلى المرحاض الذي كان في الغرفة، فكنا <نبوّل> على بعضنا البعض ولم يكن أحد ينزعج من زميله لأنه هو أيضاً سيفعل ذلك وكنا متفاهمين ومقتنعين بأن علينا أن نتحمل بعضنا البعض ونتعايش في هذا الجحيم. وكان بيننا اتفاق على ما يمكن القول إنه أدب وسلوك السجون في الحياة اليومية، مثلاً عليك أن تتعلم كيف يمكن لخمسة أشخاص أن يتقاسموا بيضة مسلوقة واحدة بين بعضهم البعض ولسنوات.

ويضيف: بعد خروجنا نحن المعتقلين اللبنانيين من السجن عام 2000، كنا نتواصل ونلتقي مع بعضنا البعض في مجموعات صغيرة، ثم قررنا تأسيس جمعية تضم المعتقلين السابقين في السجون السورية لنتواصل مع الدولة اللبنانية كي تطلعنا على الجديد بشأن المعتقلين والاجتماعات المحلية والدولية حول المعتقلين لنحضرها ونشارك فيها. والجمعية فقط للذين كانوا معتقلين في السجون السورية، وعدد أعضائها الآن حوالى 370 عضواً وأنا أتشرف برئاستها وطبعاً، هدفنا الرئيسي هو تحرير باقي المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية والذين يصل عددهم إلى 628 معتقلاً أسماؤهم موثقة، من خلال تأكيد زيارة أهاليهم لهم أو أن أحداً كان معتقلاً معهم أو أن شرطياً لبنانياً سلم أحدهم للسلطات السورية وأكد ذلك وذكر اسمه لنا. وهناك اليوم أكثر من 350 ألف معتقل في سوريا ويموت كثيرون منهم في السجون، ولدينا خوف كبير على المعتقلين اللبنانيين أيضاً. ونحن نطالب في كل المناسبات والمحافل المحلية والدولية بإطلاق سراح جميع المعتقلين اللبنانيين والسوريين، فنحن نعرف ماذا يعني الاعتقال في السجون السورية وأي وحشية تواجه السجين وتحديداً السجين اللبناني.

 

النظام يبدأ بتلميع صورته من داخل زنازينه!

 

سنوات طويلة من القتل والتعذيب والاعتقالات التعسفية الظالمة، تمتد الى زمن حكم حافظ الأسد، يُريد النظام الحالي برئاسة الأسد الإبن التخلص منها والتنصّل من مخلفاتها بطريقة لا تقل إجراماً عن كل ما ارتكبه وما زال يرتكبه حتى اليوم. فهذا النظام الذي سلك طريق الابتكارات في صناعة الموت، سعى خلال الأيام القليلة الماضية إلى طي ملف المعتقلين في سجونه مستبقاً مباحثات <جنيف> و<آستانة>، وذلك على طريقة إخبار أهالي المساجين أن بإمكانهم التوجه إلى مكاتب السجل المدني للتأكد من مصير أبنائهم في حال كانوا أحياء أو أمواتاً مع أرجحية موت اكثرهم في أقبية سجون النظام.

قائمة بأسماء ثلاثية هي فقط ما تبقّى لعائلات المعتقلين الذين انتظروا لسنوات طويلة أخباراً عن أبنائهم المسجونين ظلماً في سجون النظام السوري، الذي سلّم هذه المعلومات إلى دوائر النفوس بحسب توزيع مناطق المساجين القتلى. ويُضاف إلى الأسماء معلومات تتعلّق بتاريخ وأسباب الوفاة. وتُعتبر القائمة الأكبر منذ بدء نشر النظام السوري أسماء المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب. اما في ما يتعلق بالعائلات التي لم تصلها أسماء أبنائها وذويها، فقد طُلب منها التقدم ببيان قيد عائلي ليتم التأكيد مما إذا كان الابن أو الوالد من بين القتلى أم لا. واللافت في إجرام نظام الأسد، أن حصّة بلدة <داريّا> وحدها في قائمة الموت قد تخطت الألف اسم، لكن من دون تسليم جثامين الضحايا الى ذويهم ولا حتى معلومات حول أماكن دفنهم، بل كل ما حصل عليه الاهالي مجرد ورقة طُلب منهم التوقيع عليها تقول <إن المتوفي قضى بشكل طبيعي في السجن>. وهو ما أدخل الأهالي والأقارب في دوامة جديدة من العذاب والقهر، على الرغم من تأكيد المصير.

يسعى النظام السوري إلى إخفاء الحقائق التي تُرتكب في سجونه من عمليات قتل واغتصاب وتعذيب بكل الوسائل، فتبيان الحقائق في الفترة الحالية سيؤدي تلقائياً إلى وضع النظام في زاوية الإجرام المبني على حقائق وأدلّة دامغة، وأنها تأتي في وقت تقوم فيه منظمات حقوقية دولية بالكشف عن جرائم نظام الأسد وضلوعه في عمليات تعذيب وحشية على رأسها ما وُصفت بمحرقة سجن صدينايا. وفي هذا السجن تحديداً أخرج النظام اكثر من 400 شهادة وفاة للأهالي تفيد بأن الضحايا ماتوا جراء أزمات قلبية أو جلطات، لكن الأهالي يؤكدون بأن حالات الموت ناجمة عن التعذيب أو الإعدام دون محاكمة. وتكشف المعلومات أن غالبية المتوفين هم من بلدة داريا وكانوا من الناشطين المشاركين في الاعتصامات والتظاهرات خلال بداية الثورة بين عامي 2011 و2012 وقد بلغ عددهم يومذاك 2809، وهذا يعني أن النظام قام بقتل ما يزيد عن ثلثهم.

في فترة سابقة، وثّق شبان وشابات سوريون 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل توفوا جراء التعذيب في سجون النظام، بعد تعرضهم لانتهاكات جسيمة وتعذيب ممنهج. وقد نشرت الصور على يد شاب منشق عن النظام، كان يعمل في مركز التوثيق للشرطة العسكرية قبل أن يتمكن من تهريب الصور للخارج. يقول الشاب: <كانت أجهزة مخابرات نظام الأسد ترسل قوائم بأسماء مئات المعتقلين الذين قضوا بالتعذيب إلى إدارة السجل المدني لتثبيت وفاتهم، في وقت كان لا يزال فيه مصير عشرات الآلاف مجهولاً، والمُبكي أن النظام كان يُخبر عائلات الضحايا بأن المعتقلين توفوا بنوبات قلبية من دون إيضاح مزيد من التفاصيل ولا حتى اماكن دفنهم، وكان الاهالي يتعرضون لعمليات ابتزاز متنوعة من قبل عناصر الأمن والمخابرات، لقاء حصولهم على معلومات إضافية حول أبنائهم.

لا عزاء للموتى!

الأخبار الواردة من الداخل السوري اليوم، تُفيد بأن الأهالي يقومون بعد اكتشاف مقتل أبنائهم بتقبل التعزية والمضي بالإجراءات اللازمة، إلا أنهم رغم مأساتهم بوفاة أبنائهم يصطدمون بممارسات النظام ضدهم، ويفاجأون بإجراءات قمعية ولا سيما إذا حاولوا أن يثبتوا ما تعرض له أبناؤهم من تعذيب في السجون أدى إلى مقتلهم. أحدهم روى أن مقتل شقيقه نزل عليه وعلى أهله كالصاعقة، إذ إنه بعد سنوات من التغييب القسري لشقيقه، ينتهي الأمر بمكالمة هاتفية من النظام تقول: <ابنكم مات>. ويقول: <شقيقي مختف قسرياً منذ ثلاث سنوات وأمضيت نحو عامين في البحث عنه أو عن أي معلومة تدل على مكانه إلى أن اصطدمت بمطلب يدعونني الى دفع ألف دولار للإفراج عنه، ودون ضمانات. منذ اسبوع اتصل بي أحد أزلام النظام عبر الهاتف ليُخبرني بموت شقيقي، دون أن يوضح النظام سبب الوفاة>.

من جهتها، اتهمت <الهيئة السورية لفك الأسرى والمعتقلين> في تقرير صادر عنها، النظام بأنه <يسعى إلى إخفاء جرائم الإبادة الجماعية بحق المعتقلين بشكل قانوني، بعد إخفائه جثث عشرات آلاف المعتقلين السوريين، فغالباً ما كان يتم التخلص من جثامين المعتقلين الذين قضوا بالتعذيب عن طريق الحرق في محارق خاصة داخل سجنَي صيدنايا وحرستا، دون أن تسلّم جثامين الضحايا إلى ذويها بحسب القانون والأصول. والمُلاحظ في هذا السياق، أن عدم جرأة الأهالي على سؤال النظام ومناقشته بالمعلومات الواردة في الضبوط، يقوّي من موقف الأخير ويُحصنه أمام المجتمع الدولي. والجريمة الأفظع، أن النظام يستكمل جريمة إخفاء الضحايا بتبليغ أهالي المعتقلين وذويهم عن طريق المخابرات العسكرية، ومديري المناطق والنواحي لمراجعة القاضي العسكري في منطقتهم، فيقوم أهل المعتقل بمراجعته بدون محام. وهؤلاء يبصمون بدورهم على الأوراق عند القاضي من دون أن يجرأوا على سؤاله أو الاستفسار منه حول طريقة مقتل أبنائهم.

 

وجع لبنان… كل لبنان!

سنوات طويلة وصوت أهالي المخفيّين قسراً في السجون السورية كان يرتفع مع آذان الجوامع وأصوات أجراس الكنائس. لكن منذ سنوات قليلة، بدأ هذا الصوت ينحسر حتى انتهى بشكل كامل. الأمهات أفرغن الخيمة الوحيدة التي كانت منصوبة أمام مبنى الإسكوا في بيروت. والخيمة التي أصبحت اليوم مُجرد ذكرى، ظلت لسنوات رمزاً لقضيّة المعتقلين وهي على حالها اليوم لكن من دون الأمهات اللواتي رحلت منهن الكثيرات الى الآخرة قبل أن تطمئن قلوبهن على أبنائهن أو أزواجهن أو أشقائهن. والأبرز، أنه مع رحيل الأسير المحرر من السجون السورية غاي عاد، تراجعت هذه القضية لكن بقيت الأسماء محفوظة في التاريخ والوجدان، بانتظار من يُعيد فتح ملفاتها ويُطالب النظام السوري بأصحابها سواء أكانوا أحياء أو امواتاً، أو حتى رفاة.