19 November,2018

قمة ”نواكشوط“ لم تبدِ حماسة لاقتراح سلام إنشاء مناطق إقامة للنازحين السوريين داخل بلادهم!  

باسيل-بري قد لا يبقى من مشاركة لبنان في القمة العربية التي انعقدت في مدينة <نواكشوط> عاصمة موريتانيا خلال الأسبوع الماضي، إلا عناوين ثلاثة ميزت الحضور اللبناني في القمة: العنوان الأول ان الوفد اللبناني الى المؤتمر غاب عنه رئيس الجمهورية للمرة الثالثة على التوالي ورئسه رئيس مجلس الوزراء تمام سلام مع ما يعني ذلك من أبعاد تتصل بالواقع الذي وصلت إليه البلاد في ظل استمرار الشغور الرئاسي. أما العنوان الثاني فيختصر واقع التحلل الذي يصيب المؤسسات نتيجة ممارسة عدد من القيمين عليها، بدليل غياب ثلاثة وزراء كان من المفترض أن يرافقوا رئيس الحكومة لمتابعة القمة كل من اختصاصه، وهم: وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل الذي لم يبرر سبب غيابه في قمة <نواكشوط>، وزير المال علي حسن خليل التي تعددت الروايات حول أسباب اعتذاره عن عدم السفر، ووزير الصحة وائل أبو فاعور الذي كان سيواجه ــ لو ذهب مع الوفد ــ عاصفة من الاعتراضات على ما قيل انه صدر عنه من عبارات حول نظافة نواكشوط وسلامة الاقامة فيها، والتي مهد لها الموريتانيون بحملات نقد لاذعة لم تخلُ من الحدة أحياناً، من خلال ما نشر على مواقع التواصل الاجتماعي من تعليقات سمعها عدد من أعضاء الوفد بصورة حيّة لدى وصولهم الى <نواكشوط>، علماً ان الوزير أبو فاعور، الذي التحق بالنائب وليد جنبلاط في باريس بدلاً من السفر مع الرئيس سلام، حرص على توضيح موقفه مما نُسب إليه نافياً أن يكون أدلى بأي تصريح تضمن كلمات أساءت بحق موريتانيا وشعبها.

أما العنوان الثالث فهو الاقتراح الذي قدمه الرئيس سلام باسم لبنان لمعالجة قضية النازحين السوريين من خلال تشكيل هيئة تعمل على فكرة إنشاء مناطق إقامة للنازحين داخل الأراضي السورية واستحداث صندوق عربي لتحسين شروط إقامة النازحين المؤقتة، وأتى هذا الاقتراح بعد معاناة لبنانية مستمرة مع ملف النازحين السوريين الذين تزداد أعدادهم شهراً بعد شهر وإن كان الرقم المستقر لدى الأمم المتحدة يصل الى مليون و250 ألف نازح، فيما الواقع على الأرض يؤكد ان عدد النازحين قارب من مليون و650 ألف نازح يتوزعون على مختلف المناطق اللبنانية.

 

<عقاب> عربي للشقيق الأصغر

 

وإذا كان لبنان قد نجح في تفادي الاحراج الذي تكرر خلال مؤتمرات سابقة نتيجة الموقف العربي المناهض لحزب الله الذي تتهمه دولاً عربية بأنه <حزب ارهابي> وتدعو الى مقاطعته متمسكاً بتكرار مواقف مماثلة متحفظة على تعميم هذا الاتهام على حزب الله وقاعدته الشعبية، فإنه في المقابل لم يحصل على تأييد للاقتراح الذي تقدم به الرئيس سلام لأن غالبية الدول المشاركة في القمة لم تعِر الاقتراح اللبناني أي اهتمام، لا بل <عاقبت> الشقيق الأصغر عندما نأى بيان القمة عن بند التضامن مع لبنان على رغم انه بند دائم وقد درجت القمم على تبنيه منذ إنشاء الجامعة العربية. وعلى رغم التمييز الذي حصل في مواقف دول الخليج حيال البند اللبناني، لاسيما بين البحرين (المتحفظة بقوة) والسعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر (نأي عن البند)، إلا انه بدا واضحاً ان دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء سلطنة عمان والكويت، ماضية في <معاقبتها> للبنان على رغم ادراكها بخصوصية الوضع اللبناني التي تملي عليه اتخاذ بعض المواقف التي قد لا ترضي المعترضين من أهل الخليج لكنها تأخذ في الاعتبار حتماً دقة الوضع اللبناني وحساسيته، وهذا ما فعلته سلطنة عمان والكويت من خلال تأييد بند التضامن مع لبنان، ما يعني عملياً كسر للاجماع العربي ضد هذا البند. وقد سجلت مصادر الوفد اللبناني في هذا الإطار، حركة مهمة قام بها الوفد الكويتي برئاسة الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح للتقريب بين وجهات النظر لاسيما في الشأن اللبناني>.

وتقول مصادر معنية في الوفد اللبناني الى <نواكشوط> ان الرئيس سلام أراد من خلال تقديم اقتراحه في قمة عربية لها وزنها، وضع جميع المسؤولين العرب أمام مسؤولياتهم في مقاربة ملف النازحين السوريين على نحو مختلف عن السابق، وهو ــ أي الرئيس سلام ــ أسقط من اقتراحه عبارة <آمنة> مكتفياً بطلب إقامة مناطق للسوريين، تجاوباً مع سعي لعدم تحميل عبارة <آمنة> أكثر مما تحتمل خصوصاً انها ترتب تعقيدات في التنفيذ من أولوياته تحديد مفهوم <الوضع الآمن> أمام جميع المشاركين في الحرب على لبنان. وتؤكد هذه المصادر ان لبنان لم يكن يراهن على الدول العربية للتجاوب مع هذا الطرح الذي يحتاج الى درس معمق وتنسيق واضح نظراً لتداخل مندرجات هذا الاقتراح، لكنه أراد <اختبار> الموقف العربي حيال مسألة النازحين حتى يبني هو الآخر، لاحقاً، مواقف تأخذ في الاعتبار المصلحة اللبنانية العليا، خصوصاً ان مثل هذا الموقف، على أهميته، يفرض تواصلاً مسبقاً مع الدول القادرة على توفير الدعم لهذا الاقتراح، وهو أمر كان بدأه الرئيس سلام من خلال اللقاءات الاقليمية والدولية التي يعقدها سواء في بيروت أم خلال وجوده في الخارج.

بري-سلام-2ماذا عن التنسيق مع سوريا؟

إلا ان ثمة من يرى في المقابل، ان أي بحث جدي في موضوع معالجة وضع النازحين السوريين، لا يمكن أن يصل الى خواتيم سعيدة ما لم ينسق مع الحكومة السورية، وهو ما يتفادى لبنان الدخول فيه على رغم ان العلاقات الديبلوماسية مستمرة بين البلدين وهي توفّر إطاراً صالحاً لاستكمال الاتصالات وصولاً الى النتيجة المبتغاة. لكن الواقع السياسي الداخلي يجعل من الصعب الشروع بمفاوضات مع الحكومة السورية حتى ولو كان الموضوع الأبرز عودة النازحين السوريين، وذلك تفادياً للمزايدات التي قد تنطلق من هنا وهناك من الأصوات اللبنانية <الجاهزة وغب الطلب>، وكذلك تجنباً لمزيد من الانزعاج السعودي من الأداء اللبناني الرسمي الذي لم يكن على المستوى المطلوب سعودياً، خصوصاً ان التوتر عاد وبقوة الى العلاقات بين السعودية وإيران وتعثرت المساعي التي بذلتها فرنسا لإعادة وصل ما انقطع بين البلدين على أمل أن يشكل ذلك <اختراقاً> ولو محدوداً في ملف الأزمة اللبنانية.

في أي حال سيبقى ملف النازحين السوريين الجرح النازف في جسم الدولة اللبنانية، والاقتراح الذي تقدم به الرئيس سلام سيبقى اقتراحاً مسجلاً في وقوعات قمة <نواكشوط> وليس أكثر، وذلك في غياب أي قرار جدي في معالجة الوضع السوري بشقه الانساني والمتمثل بآلاف النازحين الذين يتحينون الفرص للهجرة الى أوروبا على رغم الاجراءات الأمنية المتخذة على طول الحدود، وكل ما يمكن للدول العربية القادرة أن تفعله هو ارسال مساعدات مالية أو غذائية الى النازحين، سواء تم ذلك مباشرة، أو من خلال الجمعيات الانسانية والخيرية الموجودة في البلدات اللبنانية. إلا ان تلك المساعدات سواء أتت بانتظام أو موسمية، لا يمكن أن تحل المشاكل التي تواجه النازحين من جهة، ولبنان من جهة أخرى، خصوصاً ان التقارير التي تُرفع في هذا المجال تورد أرقاماً صادمة كان آخرها استحالة تسجيل 250 ألف طفل سوري في المدارس الرسمية اللبنانية ما يعني ان نصف الأطفال السوريين الموجودين في لبنان لا يحصلون على أي نوع من أنواع التعليم وفق تقرير منظمة <هيومن رايتس أند ووتش> التي وصفت هؤلاء الأطفال بأنهم <قنبلة موقوتة> يخشى أن تنفجر في أي لحظة.

تجدر الإشارة الى ان مكتب المنسّق المقيم للأمم المتحدة في لبنان <فيليب لازاريني> أطلق قبل أيام أحدث الأرقام المتعلقة بدعم الجهات المانحة للبنان منذ بداية 2016. وجاء في هذه الأرقام انه حتى نهاية شهر حزيران (يونيو) الماضي بلغت قيمة الموارد المتاحة 1,17 مليار دولار منها 828 مليون دولار مخصصة لسنة 2016، و344 مليون دولار متبقية من العام الماضي. وفي التقرير أيضاً ان 865 ألف شخص نالوا مساعدات غذائية بانتظام، وتمكّن 150 الف طفل سوري لاجئ من الالتحاق بالمدارس في العام الدراسي 2015 ــ 2016، وتوسيع حوالى 86 كيلومتراً من شبكات امدادات المياه العامة لتغطي 30 بلدية وتؤمن مياه الشفة لحوالى 670 ألف شخص، واستفاد أكثر من 350 ألف شخص من التطوير في أنظمة إدارة النفايات الصلبة.