15 November,2018

قمة البحر الميت تنظم مستقبل لبنان و... العرب!

 

بقلم وليد عوض

الحريري-عبد-الله-الثاغني----2

من جمهورية مصر العربية عاد الرئيس سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان، بقطوف اقتصادية يانعة، خصوصاً في المجال الصناعي، وأصبحت مصر مرتعاً للصناعة اللبنانية، بدعم من رجال الأعمال اللبنانيين المقيمين في القاهرة منذ عشرات السنين. ومصر بلد ولاّد، إذ أصبح عدد سكانها خمسين بالمئة أكثر في مدى خمسة عشر عاماً. ولن تمر أعوام حتى يكون عدد سكان مصر مئة مليون نسمة ومعدل الدخل السنوي للمواطن المصري 760 دولار!

ولو أنعمنا النظر في الوضع الاقتصادي اللبناني لاستحق الحصول على خرزة زرقاء. وبحسب احصاءات الأمم المتحدة يعيش مليار و200 مليون نسمة من سكان العالم بدون كهرباء، نعمة الله على البشر بواسطة <توماس اديسون>، ونصف هؤلاء يعيشون في القارة الافريقية، فأين لبنان من هذا الواقع الكوارثي؟ أين هو يكافح ضد <الملاريا> كما يفعل أهل افريقيا المئتا مليون ويسقط منهم قتلى كل سنة بعدد مئة ألف انسان؟

من حق الانسان اللبناني ألا يجوع، ومن حقه أن يحصل على الاستشفاء من كل مرض، ومن حقه أن يعيش سعيداً بلا هموم. وحسناً فعل الرئيس سعد الحريري حين نزل من السراي الى المتظاهرين من أجل سلسلة الرتب والرواتب، وشرح لهم بأن الأرقام التي أوردتها بعض وسائل الإعلام عن محتوى هذه السلسلة بعيدة عن الواقع، ومحاولة للإيقاع بين الدولة والمواطنين.

كل ما يريده المواطن اللبناني أن يتساوى دخله مع الضرائب التي يدفعها لصندوق الدولة، فلا يكون ضحية تهريب لأموال شواطئ بحرية، ولا أسير صفقات للأغنياء على حساب الفقراء، ولا يكون بلا مسكن يأويه مع عائلته أو مستقبل مجهول لأولاده المتخرجين من الجامعات والكليات.

فهل حصل اللبناني على هذا الحق؟!

منذ قديم الزمان ولبنان الغني بموارده الطبيعية لم يتعود على استثمار الغنى الذي أنعم الله به عليه، بل كان دائماً يحتاج الى يد خارجية تعزز نهوضه وتكرس قوة انتشاره في العالم. فالرئيس الشيخ بشارة الخوري كان يعتمد بين الحين والآخر على مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء المصري ورئيس حزب <الوفد> وكان سبيله الى السلطة المصرية المستشار الملكي اللبناني الأصل كريم تابت. وكانت الصحافة تتحرك بأنامل لبنانية، مثل فؤاد صروف، واميل وبشارة تقلا وأنطون الجميل، وداود بركات، وروز اليوسف ابنة قضاء زغرتا، وكان بشارة الخوري واميل اده لاجئين في الاسكندرية الى حين زال الانتداب الفرنسي.ولم يكن الشيخ بيار الجميّل مؤسس حزب الكتائب ببعيد، وحسبه أن يكون من مواليد مدينة المنصورة.

 

الشيخ أبو علي

ومن عطايا مصر للبنان زمان الخمسينات شيخ من الأزهر اسمه الشيخ صلاح الدين أبو علي الذي أقام في طرابلس وكان قطباً من أقطاب منتدياتها، وهمزة الوصل الحقيقية بين المجتمع اللبناني والمجتمع المصري. وكانت منصته كلية المقاصد الاسلامية في منطقة الحرج مضافة لكبار الأدباء والشعراء في مصر مثل ابراهيم عبد القادر المازني صاحب الريشة المرحة والخيال الجذاب. ومن مآثره، ودائماً زمن الخمسينات، انه نزل ضيفاً على منبر جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية واستهل كلمته بقوله: <أنا حمار>. ووسط دهشة الحضور أمام هذه الكلمة تابع يقول: <أنا حمار لأنني لم أزر بلدكم لبنان حتى الآن>؟.

وعلا التصفيق حتى كاد يشق عنان السماء.

حتى جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية لا تخلو من الأنامل المصرية، فقد ساهم في تأسيسها مع أواخر عام 1800 سيد الأزهر الإمام محمد عبده الذي طارده الخديوي توفيق فاستقر به المقام في بيروت عند آل حمادة في مطلع البسطة قبل أن يصبح اسمها ساحة رياض الصلح!

ومن عائلة حمادة تزوج الشيخ محمد عبده ونقل معه عروسه بعد ذلك الى مصر، حيث أنشأ مثلث محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني والشيخ رشيد رضا ابن بلدة القلمون في ساحل طرابلس. وحتى الآن، ورغم اسهامه مع الشيخ عبد القادر قباني في بناء جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية، فإن اسم هذا الرجل لم يعط حتى الآن لساحة أو حي أو بوليفار.

والبلد العربي التوأم الذي وقف ولا يزال نصيراً للبنان هو المملكة العربية السعودية. وأول مآثره العمرانية ناد ثقافي في محلة النويري باسم الملك سعود بن عبد العزيز بن سعود.

اتفاق الطائف درة الاتفاقات

عون-و-سيسي---1

لكن الدور السعودي في لبنان لم يقف عند العطاءات والتبرعات وقروض الأمانة في مصرف لبنان، بل تعداه الى صفحات مشرقة من علاقات لبنان بالمملكة العربية السعودية. وأول حضور لبناني في مجلس الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، كان استخارة العاهل السعودي للمفكر اللبناني أمين الريحاني ابن بلدة الفريكة في كسروان وصاحب شعار <ان الحياة عقيدة وجهاد> الذي اختاره مؤسس جريدة <الحياة> الراحل كامل مروة ليكون شعار الصفحة الأولى لجريدته.

هذا في نطاق الاستشارات وتبادل الرأي. أما في النطاق الاقتصادي فالمملكة العربية السعودية ذات فضل على اثنين من رجال الأعمال هما الحاج حسين العويني الذي صار رئيساً للوزراء زمان الستينات، وأنشأ من الثروة التي بناها في السعودية بنك لبنان والمهجر قرب بلدية بيروت، قبل أن تنتقل ادارته ومرجعيته الى الدكتور نعمان أزهري ونجله سعد الدين، والثاني نجيب صالحة ابن رأس المتن ومنشئ فندق <فينيسيا>.

إلا ان اتفاق الطائف عام 1989 يبقى درة العطاء السعودي للبنان، إذ أوقف حمام الدم، وفتح باب المصالحات، وهيأ انتخاب النائب رينيه معوّض رئيساً للجمهورية، وبعد اغتياله في يوم استقبال المهنئين، انعقد مجلس النواب في شتورة وانتخب نائب زحلة الياس الهراوي رئيساً للجمهورية.

وحتى الآن يعيش لبنان تحت غطاء اتفاق الطائف وينهي فترة شغور رئاسي تجاوزت الثمانية عشر شهراً. وبسلاح اتفاق الطائف ذهب الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري يوم أمس الى ساحل البحر الميت للمشاركة في القمة العربية، حاملين التمنيات بأن تبقى الجامعة خارج الخلافات.

وفي سبيل أن تكون قمة البحر الميت سيدة القمم العربية وجه أمين عام الجامعة أحمد أبو الغيط الدعوة لحضور هذه القمة الى كل من الرئيس الأميركي الجديد <دونالد ترامب> والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، لكن الرجلين مع ترحيبهما بالدعوة التي يراد منها تكوين جبهة عالمية ضد الارهاب المستشري في كل بلدان العالم، غابا عن القمة وحضر عنهما مندوبان انضما الى سرب أمين عام الأمم المتحدة <أنطونيو غوتيريس> والمبعوث الأممي الى سوريا <ستيفان ديمستورا> لأن الملف السوري موصول بالوضع اللبناني.

ولأن لبنان حاضر في كل مكان، فمن المنتظر أن تركز هذه القمة على المبادرة العربية للسلام التي أطلقها من بيروت عام 2001 ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، طيب الله ثراه، خصوصاً وأن في البيت الأبيض الآن شخصية رئاسية جديدة لا يمكن تصنيفها بأنها ذات توجه اسرائيلي هي <دونالد ترامب>.

والموضوع الثاني الذي سوف تعتمده القمة العربية في الأردن هو مسألة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس، لأن هذا الانتقال سيحرض باقي السفارات الأجنبية على اعتماد النهج نفسه، ويكون العالم قد اعترف بمدينة القدس عاصمة لدولة اسرائيل.

من هنا تطل القمة العربية عند ساحل البحر الميت كمفترق تاريخي في حياة الجامعة، وعلى أدائها حيال المبادرة العربية للسلام في بيروت، ونقل السفارة الأميركية الى القدس من تل أبيب، وموقف المجتمع الدولي منه وتدفق النازحين السوريين الى لبنان والأردن. يكون الحكم عليها.

وبذلك لا يسري علينا قول الشاعر: رب يوم بكيت منه/ فلما صرت في غيره بكيت عليه!

ويالعازر البحر الميت قم للحياة مرة أخرى حتى لا تموت الجامعة وتبقى قلباً ينبض بالحياة كما تعبير أمين عام الجامعة أحمد أبو الغيط!