19 September,2018

قـيــــادات الـقـضـــاء والـقـــدر

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

الزمن يتغيّر، العالم يضطرب، الغرب يعيش جدلية الأمن والحرية، والناس على مستوى الكوكب لم تعد تتواصل إلا تكنولوجياً، بعدما فقدت حسّها.

الحبر يجفّ، الصحف العريقة تحتضر، اللغات تخسر قواعدها، والعائلات تتفكّك، وعناصر الحياة الأربعة أصبحت: الحكم، والمال، والسمسرة والتكنولوجيا.

تابعت منذ فترة تقريراً أجرته مراسلة الـ<BBC> في إحدى جامعات بريطانيا، هناك، سألت المراسلة طالباً يتخصص في الهندسة الميكانيكية: ما هي مشكلتكم كطلاب، بل كجيل جديد؟ فأجاب: المشكلة جوهرية وتتلخّص في غياب العلوم الإنسانية عن المدارس والجامعات، ليس في بريطانيا فحسب، بل في سائر أنحاء العالم.. الى أين نحن سائرون؟ سأل الطالب قبل أن يجيب: لست أدري، ربما الى الانحطاط! أما الانحطاط فعندما يحط، يضرب أفقياً ويكون شاملاً مختلف القطاعات وسائر مكونات الحياة.

ماذا حلّ بالبشرية، بعد ست عشرة سنة على انطلاقة الالفية الثالثة؟

لقد خسرت قيمها الإنسانية وربحت التواصل الفوري مع الكون، ربحت العالم وخسرت نفسها، واستسلمت كلياً للشاشة.

صحيح أن هذا الكلام شمولي، ولكنه لا يبرّر ما بلغت به الأوضاع في لبنان من تردّ جعل هذا البلد ومن فيه على عتبـــة كارثة وطنية واجتماعية وإنسانية، وأمسى في حاجة لمبادرة إنقاذية سريعة، ولم يعد يحتمل صناعة الأكاذيب وممارسة فن التخويف من قبل قيادات القضاء والقدر..

إن مطلب اللبنانيين اليوم كيفما نظروا الى الواقع، أن يخرجوا من الأزمة لا أن يجدوا حلاً للقضية. وإذا كانت وحدة الصف لا تقوم إلا على وحدة الهدف، فالمخرج من الازمة يجب أن يكون هو الهدف المرحلي الذي يوحّد اللبنانيين، وهدفاً تجتمع كلمة اللبنانيين عليه ويجب أن يكون محتمل التحقيق لا بل ميسور المنال.

فإلى أن تنبع ظروف الحل فيحين قطافه، لن يكون خيار أمام اللبنانيين غير الصمود الفاعل الذي يتجسد عملاً على تحقيق مخرج آني من الأزمة يكون هو مدخل الحل في العمق للقضية في ما بعد..

لماذا هذا الكلام أيضاً وأيضاً؟

لأنه لا يمكن التوغل بعيداً في الحديث عما يتقرر بالنسبة الى منطقتنا ولا خصوصاً عما سيتقرر لها، فالمنطقة أمام تطورات مصيرية، وسيكون مصيرياً في الدرجة الأولى أي قرار لسوريا والعراق وسائر الدول المضطربة.

الواضح حتى الآن، ان التطورات لا تزال تتفاعل بما لا يسمح بالتخمينات او التوقعات، فالوقت وقت مفاجآت، والانقسامات العربية دخلت في الصراع الخطير والمصيري للجميع، فيما الغرب ولاسيما الأوروبيون بدأوا يتفهّمون الإجراءات الأمنية، ويفهمون أن السلام الذي دفعوا ثمنه غالياً في الحرب العالمية الثانية، ونعموا به عقوداً طويلة، ليس مكتسباً اجتماعياً، ولا الأمن ضماناً اجتماعياً مكتسباً.

ولبنان قد يدفع غالياً ثمن كل هذه التطورات التي نرى بعضها ولا نرى البعض الآخر.

وهذا البعض الآخر، قد لا يحميه نص مكتوب أو دستور في حال استفحلت الانقسامات الداخلية..

ولعل الفقرة <ط> في مقدمة الدستور اللبناني هي بيت القصيد ويمكن أن تكون هي المستهدفة.

الفقرة <ط> تقول: <لا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين.. فهل تبقى صامدة؟>.

إن اللبنانيين مدركون لما يُحاك في المنطقة، وهم وقفوا في وجه تقسيم بلد <أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يقسّم>.

وماذا يُفهم من هذه الكلمات الثلاث، بل اللاءات الثلاث؟ هل هي متلازمة، بمعنى أن الواحدة لازمة للاخرى؟

هل إذا حصل التوطين يصبح التقسيم الزامياً ودستورياً؟

الدستوريون يجزمون بأنها متلازمة، وبأن الواحدة لازمة للأخرى، وأن أي سقوط لواحدة يعني سقوطاً للثلاث معاً!

إن الكلام عن التوطين ليس جديداً، فاللبنانيون في وعيهم ولاوعيهم يرفضونه منذ ثمانية وستين عاماً، ولن يتمّ طالما هذه إرادتهم، ولن تقوى عليهم لا الرغبة الدولية ولا <الفزّاعة> الداخلية.

سيبقى لبنان <لا معلّقاً ولا مطلّقاً>، ممنوع أن يعيش وممنوع أن يموت، الى حين صدور القرار الكبير الآتي من مصالح الكبار، وستبقى أياً يكن القرار، الطائفية هي المشكلة الأم التي تتفرّع منها أكثر منطلقات الأزمة اللبنانية وتشعباتها ومضاعفاتها في أبعادها الداخلية. هي المشكلة التي صدّعت الجبهة الداخلية، وأحدثت فجوات في جدران البيت اللبناني تسرّبت من خلالها عوامل التفجير من الخارج.

هي المشكلة التي حالت دون تطوّر لبنان بعد الاستقلال من مجرد اتحاد للطوائف والمذاهب الى وطن بالمعنى الصحيح، فبقيت روح الطائفية أقوى من روح المواطنية، وبقي الانتماء الطائفي أعمق في النفوس من الانتماء الوطني.

وليست اللغة الطائفية حيناً والمذهبية حيناً آخر والمنتفخة كل يوم، إن في الإعلام وإن على لسان القيادات والسياسيين الجدد، سوى مؤشر خطير لما سوف يحمله مقبل الأيام والشهور، ويلفت مخضرمون في السياسة، الى ان الحقائق ستكون حينذاك خارج الكلام وستصبح وكأنها عكس الكلام…