19 September,2018

قـضـيـــــة بـلـــــوكـات الـنـفــــط اللـبـنـانـيـــــة وتـلـزيـمـهـــــا وســــط الـتـهديـــــدات الاسـرائـيـلـيــــــة!

بقلم طوني بشارة

سيزار-ابي-خليل

من يتتبع اقوال وزير الدفاع الإسرائيلي <أفيغدور ليبرمان> يرى ان هناك تهديداً علنياً ضد لبنان، اذ نصح الشركات الدولية بالامتناع عن العمل في <بلوك النفط رقم تسعة> الموجود في مياه بحر منطقة الناقورة اللبنانية، وذلك بعد أن وافقت الحكومة اللبنانية على منح الشركات حق التنقيب عن النفط في هذا <البلوك> الواقعة اجزاء منه في منطقة متنازع عليها بين لبنان واسرائيل.

و<البلوك رقم تسعة> يقع في محاذاة <بلوك ثمانية>، وكلاهما يقعان في نقطة اشتباك يطلق عليها في <مجلس الامن> اسم <منطقة نزاع دولية> والتي تبلغ مساحتها 874 كيلومتراً، وبسبب الحروب الاسرائيلية على لبنان، لم يتح أي فرصة دولية لترسيم الحدود المشتركة بين الطرفين.

وفي المنطقة المتنازع عليها، يوجد <البلوك رقم 9 اللبناني> المتداخل مع <البلوك رقم 2 الاسرائيلي>، بينما <البلوك رقم 8 اللبناني> يتداخل ايضاً مع <البلوك رقم 1 الإسرائيلي>. وبحسب الترسيم اللبناني، فقد حدد لبنان حدوده البحرية المحاذية للمياه الاقليمية الاسرائيلية بنسبة تقارب المئة درجة عمودياً، ما جعل <البلوكين> ينتميان إلى مياهه الإقليمية، بينما اختارت إسرائيل تجاوز المسح الجغرافي اللبناني للمياه، فاجتاز ترسيمها للحدود البحرية المياه اللبنانية بنسبة 23 درجة، ما أعاد <البلوكين> إلى مياهها.

وعام 2011 اعلنت الحكومة الاسرائيلية عن شكل خريطتها البحرية مع لبنان، بينما كان لبنان قد ارسل عام 2010 رسالة إلى الأمم المتحدة تضمنت خريطته البحرية التي يريد الاعتراف بها دولياً، ولم تبادر الحكومة اللبنانية إلى ترسيم <بلوك رقم ثمانية>، الذي يقع 10 بالمئة منه في منطقة النزاع الاسرائيلية – اللبنانية.

وللاطلاع على قضية <البلوكات> وعملية تلزيمها وقضية النزاع عليها وإمكانية حدوث حرب لبنانية – إسرائيلية، نقلت <الأفكار> رأي الخبير النفطي الدكتور وليد خدوري الذي أوضح مسألة عدم تلزيم الحكومة اللبنانية لـ<بلوك رقم ثمانية>، قائلاً:

– توجهت السلطات البترولية منذ فترة طويلة نحو تلزيم قطع محدودة في بداية الأمر، وانتظار نتائج التنقيب، فإذا تم اكتشاف البترول (أكان نفطا أو غازاً) يتم تلزيم <بلوكات> أخرى والحصول على عروض جيدة تناسب الاكتشافات التي تم تحقيقها في المناطق المجاورة، اما اذا تم تلزيم عدد كبير من <البلوكات> مرة واحدة، فسيكون المردود للدولة اللبنانية ضئيلا نسبيا، والسبب انه لم يتم التنقيب عن البترول في المياه اللبنانية سابقا.

خدوري وانسحاب الشركات

من ناحية اخرى وبحسب خدوري، فإن العروض الوحيدة التي تم تقديمها في جولة التراخيص الاولى كانت من قبل <كونسورتيوم> شركات <توتال> و<ايني> و<نوفاتك>، وهذا <الكونسورتيوم> قدم عرضين فقط لقطعتي 4 و9، فيما انسحبت العديد من الشركات بعد فترة التأخير لجولة التراخيص الاولى التي دامت ثلاث سنوات تقريبا، فقد انسحبت شركات كبرى مثل <اكسون> و<شفرون> وغيرهما، وما تبقى من شركات مهتمة بالعمل في المياه اللبنانية كان محدوداً، وفي نهاية المطاف لم تقدم العروض المتوقعة.

ويضيف خدوري قائلاً:

– لم تقدم الشركات على العمل في لبنان سوى <الكونسورتيوم> الذي اكتفى بالعمل في <البلوكين> 4 و9 ولم تحفز الشركات العمل في 8 و 9 في الوقت نفسه نظراً للمخاطر المتمثلة بقربهما من الحدود الاسرائيلية..

اما عن سبب غياب الشركات الاميركية عن مشهد التلزيم في لبنان، فيقول خدوري:

– كانت هناك شركات أميركية مهمة مهتمة بالعمل في لبنان في بادئ الأمر، وقد انسحبت نتيجة لتأخير شركتين أميركيتين كبيرتين (اكسون وشيفرون)، هذا، مع العلم، ان اسرائيل حاولت استقطاب شركات أميركية كبرى للعمل عندها لكنها لم تفلح في ذلك، وبقيت <نوبل انرجي> الشركة الاميركية النفطية الوحيدة العاملة في اسرائيل منذ عام 2000. وقد حاولت وزارة الخارجية الاميركية في عهد الرئيس <باراك اوباما> التوسط لحل الخلاف حول المنطقة البحرية المتنازع عليها ما بين لبنان واسرائيل ولكنها أخفقت، فيما لم تستمر المحاولة في عهد الرئيس <دونالد ترامب>.

نيّة إسرائيل بالحرب

1

وفي ما يتعلق بتهديد <افيغدور ليبرمان> والنوايا الحقيقية لإسرائيل لشن حرب وتنفيذ تهديدها تجاه لبنان لاسيما بعد ان خرجت جملة تصريحات لوزير التربية الاسرائيلي <نفتالي بينت> والمتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي، يتوعدان فيها بتدمير لبنان في حال تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة له، يقول خدوري:

– من المفترض ان تكون الشركات النفطية قد درست موضوع الخلافات الحدودية قبل ان تطلب العمل في <بلوك 9>، وللشركات النفطية عادة مكاتب محاماة كبرى تعمل لها، بالاضافة الى خبراء في الشؤون السياسية وعلاقاتها مع وزارات خارجياتها، فاستثماراتها عادة تكلف ملايين الدولارات، وفي المناطق البحرية، بالذات العميقة منها مثل المياه اللبنانية، مليارات الدولارات.

وأضاف:

– لذا لا أرجح أن تذهب اسرائيل الى خيار الحرب مع لبنان، فمن الممكن اللجوء أولا الى القضاء الدولي أو التحكيم، وطبعا في هذه الحال سيتأخر التنقيب للجانبين في المنطقة المتنازع عليها للقسم الجنوبي من <بلوك 9> وليس لـ<البلوك> بكامله الذي يمتد لمسافة طويلة الى صيدا، مما يعني ان خيار الحرب سيؤدي حتماً إلى هرب الشركات من لبنان واسرائيل على حد سواء.

ويختم خدوري بالإشارة إلى ان المشكلة المستقبلية التي يمكن ان تواجه لبنان ليست الحدود فقط، بل هناك أيضا مسألة امتداد المكامن البترولية عبر الحدود الجغرافية، والعادة في الاحوال الاعتيادية وليس في حالة الحروب، هو اتفاق الدولتين على تشكيل لجنة فنية لتقدير احتياطات المكامن، ومن ثم تقدير نسبة الاحتياطي في مياه كل دولة، وبعدها تحديد معدل الانتاج لكل دولة، ويعاد هذا التقييم سنويا لتقدير وضع الاحتياطي والإنتاج، فهذا ما يحدث فعلا في الحقول المشتركة في بحر الشمال التي تمتد عبر كل من بريطانيا والنروج، ولكن طبعا هذا يعني أن الحدود مرسومة وان البلدين في حالة سلم.

 وفي ظل تطمينات خدوري بالنسبة لعدم إمكانية شن حرب إسرائيلية على لبنان، كان لا بد من التساؤل عن القدرات الوطنية المؤهلة للتنقيب وعن إمكانية الاعتماد على الخدمات المرافقة للتنقيب محليا، لاسيما وان العديد من الشركات العالمية تحاول الدخول الى السوق اللبناني عبر تقديم عدد من خدماتها، وماذا عن طرح <يوروتك> (شركة لبنانية) لمبادرة <لبننة>؟

للوقوف على فكرة <اللبننة> قابلنا الرئيس التنفيذي للشركة فادي جواد الذي يعتبر أحد رواد التنمية الادارية وتنمية الموارد البشرية ومؤسسي صناعة التدريب في القطاع النفطي:

وكان السؤال المدخل عن مبادرة <لبننة> التي سيتم اطلاقها في مؤتمر النفط والغاز المقبل في بيروت.

جواد و<اللبننة>

جواد اكد انه وبناء على تجربة <يوروتك> السابقة في منطقة الخليج بأنهم كشركة ساهموا في خطط وطنية مختلفة لإحلال وتوطين الوظائف في القطاع النفطي عبر خطط <السعودة> و<التكويت> وأشار قائلاً:

– بناء على هذه الخبرة نقوم اليوم بإطلاق مبادرة <لبننة> القطاع لنستفيد من تجارب الآخرين ونضع خطة وطنية تواكب عملية الحفر والاستخراج لنكون جاهزين ومستبقين للأمر عند بدء الانتاج.

ــ هل ترى بأنه من الأهمية بمكان اطلاق هذه المبادرة في وقت ليس هناك أي شيء فعلي على الأرض؟

– بالتأكيد، يجب علينا عدم الانتظار حيث أن الموضوع سوف يأخذ ما بين سنة إلى 3 سنوات لإعداد كوادر وطنية قادرة على الانخراط في سوق العمل النفطي.

ــ هل توجد بيئة جاهزة لتطبيق هذه المبادرة؟

– فعلياً توجد موارد بشرية لديها خبرات في قطاعات أخرى وان طبيعة عملها تجعلها قادرة على التكيف مع العمل في القطاع النفطي وذلك عبر تأهيلها وتدريبها، أما فنياً فلا توجد في لبنان معدات واجهزة محاكاة وهذا ما تعمل عليه <يوروتك> عبر إنشاء مركز متخصص لهذه الغاية.

ــ وهل سنكون قادرين عبر هذه الموارد البشرية على تغطية نسبة 80 بالمئة؟

– باعتقادي هذا الأمر لن يتحقق حيث انه فعلياً لا توجد لدينا يد عاملة متخصصة في النفط والغاز، واذا وجدت فلن يكون العدد كافياً لتغطية هذه النسبة. وبالنسبة للخبرات اللبنانية الموجودة في الخارج فمعظمها في وظائف قيادية عالية، فيما الـ80 بالمئة تحتاج الى يد عاملة من مختلف المستويات الفنية ونحن نفتقرها، لذا يجب ان توضع خطة حكومية بالتعاون مع شركات متخصصة بأسرع وقت حتى لا يشكل ذلك عائقا لعمل الشركات ويعرضه لعثرات مما يؤخر في نمو هذا القطاع.

ــ ما العمل على تخطي هذه العقبة؟

– يجب ان يطرح فورا البدء بتدريب الموارد البشرية اللبنانية حيث ان المورد البشري في اي صناعة هو العمود الفقري الذي تقوم عليه هذه الصناعة، خصوصاً وان لبنان يفتقر إلى اليد العاملة المؤهلة للعمل في هذا القطاع وصولاً إلى تنفيذ شرط التعاقد الذي وضعته الدولة اللبنانية على الشركات الاجنبية بأن توظف 80 بالمئة من العمالة اللبنانية.

ــ هل لتحالف الشركات الثلاث دور في تدريب الشباب اللبناني؟

– لن يكون المبلغ المرصود والمتفق عليه في التعاقد كافياً حيث لا يتجاوز المليون دولار، لذا يجب اعادة النظر بهذه الميزانية ويجب على الدولة رصد ميزانية من قبلها للاستثمار في الموارد البشرية اللبنانية.

ــ ما حجم الوظائف التي يمكن ان يوفرها هذا القطاع لسوق العمل؟

– سوف يتم خلق فرص عمل جديدة للشباب اللبناني على مختلف المستويات الوظيفية إذ انه سيتأمن حوالى 25000 فرصة وظيفية على مدى الخمس سنوات، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر ايجاباً على النمو الاقتصادي للبلد ويقضي على جزء من البطالة.

جواد وفرص العمل

ــ بحكم خبرتك، ما هي فرص العمل التي ستكون متوافرة امام اللبنانيين في قطاع النفط؟

– سوف تخلق الصناعة النفطية في لبنان عدداً ضخماً من الوظائف الجديدة على سوق العمل اللبناني مثل: مشغلين، حفارين، اختصاصي تلحيم، جيولوجيا، صيانة، صحة وسلامة، مراقبي عمليات، تقني خزانات بالاضافة الى وظائف في الاكتشاف والانتاج، التخزين والتوزيع، وحماية المنشآت البترولية، هذا من جانب التوظيف الداخلي، إلا أنه سوف يكون هناك سوق عمل موازٍ عبر الشركات المساندة لهذه الصناعة من القطاع الخاص والتي ستساهم ايضا في ايجاد فرص عمل اخرى للشباب اللبناني.

ــ وما طبيعة البرامج التدريبية التي ستقدمونها؟

– <يوروتك> تقدم برامج مختلفة للتدريب والتأهيل الوظيفي وهي تغطي جميع التخصصات في مجال النفط والغاز، وقد دربنا خلال هذه السنوات العديد من العاملين في اهم المؤسسات البترولية في دول مجلس التعاون الخليجي، فنحن متخصصون في هذا القطاع حيث نقدم برامج تغطي مختلف المستويات التدريبية من <UP-STREAM> إلى <MIDSTREAM> وصولاً إلى <DOWN-STREAM> في البحر والبر <OFFSHORE & ONSHORE>  ونتمتع بخبرة طويلة بتدريب العاملين في <مصافي شركة البترول الوطنية الكويتية> بالاضافة للعاملين في شركات مثل: <نفط الكويت>، <ارامكو لأعمال الخليج>، <تكرير ابو ظبي>، <رأس غاز قطر> وغيرها من كبريات الشركات البترولية العالمية المصنفة من العشر الاوئل في العالم، وهنا أحب أن أشير إلى أن شركة <يوروتك للتدريب> كُرمت بشكر وتقدير من جائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال لإنجازاتها ومشاركتها الفعالة، وهذا أمر يرسخ مكانتها في قطاع التدريب البترولي على مستوى المنطقة ككل.

ــ وما هي المدة الزمنية الكافية لإعداد وتدريب الشباب اللبناني من اجل خوض العمل في هذا القطاع؟

– انطلاقا من خبرتنا في هذا المجال أرى ان هناك عدة اعتبارات تعتمد على تقسيم الموارد البشرية الموجودة إلى مجموعات، وفي حالة مثل لبنان الذي لا يملك الكفاءة البشرية في هذه الصناعة نرى ضرورة بدء التدريب على عدة مستويات: المستوى الاول هو تدريب العمالة الموجودة في السوق المحلي والتي تعمل في مهن نقدر على توظيفها وصهرها في هذا القطاع، المستوى الثاني يقوم على استقطاب الخبرات اللبنانية الموجودة في كبرى الشركات البترولية ونخضعها لعملية تدريب تأهيلية للدخول في سوق العمل النفطي اللبناني، ولكنني لا اتأمل الكثير من هذه الخبرات حيث ان اغلبها يعمل في مستويات ادارية عليا بينما القطاع بحاجة لوظائف تنفيذية فنية بأعداد اكبر، فيما هذه الفئة كثيرون منها مستقرون وظيفيا في البلاد التي يعملون بها، أما المستوى الثالث وهو الاصعب فهو تدريب عمالة من مستوى الصفر تدريبـــــاً مكثفـــــاً لمــــدة تسعة شهور إلى 3 سنوات على اجهزة محاكاة لجعهلم قادرين على مباشرة العمل في مناطق الحفر البحرية او منشآت التكرير البرية، وكل مستوى يحتاج تدريباً مكثفاً ما بين 3 شهور إلى 3 سنوات.

ــ في الختام، ما مدى تفاؤلكم بمستقبل هذا القطاع؟

– كل هذا يعتمد على حجم الكميات التي سوف تظهر عند بدء الحفر، وسوف نبدأ في بلوكين من اصل عشرة، ومهما كانت النتائج فبالتأكيد سوف تكون افضل من الوضع الاقتصادي الحالي وستشكل اضافة مهمة لمستقبل لبنان الاقتصادي.