3 August,2020

قطب حركة ”مواطنون ومواطنات في دولة“ الوزير السابق شربل نحاس: السلطة القائمة منذ عقود أوصلت البلد الى الإفلاس!

بقلم حسين حمية

أكثر من 85 يوماً مضى على انطلاقة الانتفاضة الشعبية التي تتواصل بأشكال مختلفة، فيما يقول المحتجون انها لن تتوقف رغم استقالة حكومة <الى العمل> ولو شكلت حكومة أخرى وإن كانت اختصاصية لأن الهدف هو تسليم السلطة الى حكومة حيادية مستقلة وكفوءة تدير البلاد خلال فترة انتقالية وتحاول إنقاذ الوضع المتردي لاسيما مالياً واقتصادياً وبعدها تجري انتخابات نيابية.

<الأفكار> التقت الوزير السابق القطب في حركة <مواطنون ومواطنات في دولة> شربل نحاس داخل مكتبه في الطيونة وحاورته في هذا الخضم، لاسيما ما يتعلق بالكلام المنسوب عنه الذي هاجم فيه حزب الله وسوريا وأهل الجنوب وأثار ردود فعل قاسية دفعت لتقديم اعتذاره عن هذا الكلام الذي وضعه في إطار توصيف الواقع وقال إن الكلام تم اجتزاؤه.

وسألته بداية:

ــ بداية لا بد أن نسألك عن الكلام المسرب عنك من خلال فيديو بحق فئة من اللبنانيين وقدمت اعتذارك عنه. فهل تجاوزت ما حصل وطويت هذه الصفحة؟

– عند التعامل مع مجتمع مفكك ليس لدينا خيار سوى اعتماد خطاب واقعي يوصف الحالة وليس اعتماد خطابين كما حال أهل السياسة الذين يتوجهون بخطاب محدد الى أنصارهم وبخطاب لياقات الى الآخرين. ونحن إذا أخذنا الشيعة كمثال نجد ان مقاومة الاحتلال الاسرائيلي مسألة تاريخية لاسيما في الجنوب نتيجة ظروف معينة، ولكن المسألة ليست وجودية بمعنى ان المقاومة ظاهرة شيعية مقدسة، وهذا الكلام يزعج جمهورها لكنه يجبرنا على التعامل مع الواقع بشكل غير مألوف. وما ينطبق على الشيعة ينطبق على طوائف أخرى بمعنى ان لكل طائفة روايتها للتاريخ، ونحن نتعامل مع هذه الروايات المتعددة واقعياً بدون أن نصبح أسرى لها، ونقول على سبيل المثال ان نشوء مقاومة في الجنوب حدث نتيجة ظروف معينة وعبر قرارات سياسية وتنظيمية وليس لأن هناك خصوصية طائفة تربت على المقاومة، والشيء ذاته ينطبق على الطوائف الأخرى، ولو كانت فلسطين المحتلة في الشمال مثلاً لكنا شهدنا نتيجة الظروف ذاتها نشوء مقاومة في عكار، وبالتالي أنا كنت أوصّف الواقع لا أكثر ولا أقل وتم اجتزاء كلامي المطول وتحويره ولم أكن أقصد الإساءة الى أحد. فالمسألة ليست أبدية وأزلية عند أي طائفة وانها مقاومة بطبعها بل الظروف هي التي ساعدت على نشوء المقاومة والفضل أو الخطأ يقع على أشخاص وليس على طوائف، علماً أن كل حزب أو تيار أصبح ناطقاً باسم الطائفة أو المذهب.

ــ هل الاعتذار جاء لسوء فهم كلامك لاسيما ان الجمهور الشيعي استاء منك جداً وعتب كثيراً عليك؟

– لم أقصد الإساءة كما قلت بل كنت أعبر عن واقع وأقول إن نشوء المقاومة جاء نتيجة ظروف تاريخية والأمر ليس سمة أزلية عند الطوائف، حتى ان الجنوب مثلاً كان خلال الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 رافضاً لمنظمة التحرير الفلسطينية بسبب ممارساتها.

ــ وكيف هي علاقتك اليوم مع حزب الله؟

– هناك اختلاف سياسي معه، فهو فعلياً خط الدفاع الأساسي عن منظومة السلطة الفاشلة وتمسك بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري حتى اللحظة الأخيرة.

ــ ليس حباً بالحريري بل تجنباً للفتنة المذهبية أليس كذلك؟

– هذه <النقزة> لديه كونه يشعر بنفسه انه حزب طائفي ويصنف هكذا.

ــ لكن سبق أن نزل جمهور حزب الله في اليومين الأولين الى الشوارع كحال المنتفضين ومن ثم انسحب عندما ركب البعض موجة الثورة وطرح شعار نزع السلاح حزب الله. ألا توافقنا الرأي؟

– هذا صحيح، لكن خرج الجمهور من الشوارع بقرار حزبي بعدما أعلن حزب الله ان الذي يحصل هو جزء من مؤامرة تستهدفه كما يحصل في العراق، وإذا كان هناك من دخل على هذا الحراك الشعبي العفوي لاستغلاله ليس هذا معناه ان هذا البعض هو من فبرك التحرك بل ان الناس نزلوا الى الشوارع نظراً للضائقة الاقتصادية والمعيشية ولأن البلد مرّ بظرف عصيب وعاش أزمة انقطاع البنزين واشتعال الحرائق. فالناس نزلوا الى الشوارع عفوياً ولم تعمل السفارة الأميركية على تدبير الاحتجاج، وبالتالي التعامل مع هذه الظاهرة بأنها تآمر خارجي قراءة خاطئة وإن كان الأميركيون والاسرائيليون حاولوا استغلال الاحتجاج وفقاً لمصالحهم، ولكن هذا ليس معناه ان هذه الظاهرة الاجتماعية في لبنان والعراق مفبركة ومفتعلة، أضف الى ذلك ان حزب الله ومعه كل الأحزاب في السلطة وافقوا على الورقة الاقتصادية كحل للأزمة وعقدوا صفقة فيما بينهم لكن كان الأوان قد فات والحراك قوي عوده والناس لم يعودوا يثقون بأركان السلطة بعدما وصل البلد الى الافلاس.

انجازات الانتفاضة!

ــ مضى أكثر من 85 يوماً على انطلاقة الانتفاضة، فما هي انجازاتها في تقديرك؟

– خلخلت منظومة السلطة وانقسم أركانها من زعماء الطوائف إلا ان البلد وصل الى الافلاس، فالضائقة تشمل الجميع والموظفون تركوا وظائفهم، أو قبضوا نصف راتب والأموال مصادرة في المصارف والدولار مفقود وارتفع سعره، والأسعار ارتفعت بشكل جنوني.

ــ والحل؟

– قيام سلطة انتقالية تواجه هذا الواقع بعدما ثبت ان سلطة زعماء الطوائف فشلت، حتى ان قضية شراء بناية <تاتش> بـ120 مليون دولار مرّت رغم ان وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال محمد شقير كان شرارة الاحتجاج عندما رفع تسعيرة <الواتساب> ولم يحصل أي تحقيق بهذا الخصوص وسكت الجميع عما جرى، وكل ذلك لوجود حمايات طائفية وتجنباً لفتنة سنية ــ شيعية كما هي حجة حزب الله وأهل السلطة، تماماً كما سبق واعتبر البعض لاسيما دار الإفتاء ان فؤاد السنيورة خط أحمر عندما طرحت مسألة التحقيق بالـ11 مليار دولار التي صرفت في عهد حكومته دون قيود الخ. وبالتالي فإذا كانت هذه القاعدة التي تتعامل بها السلطة فكيف ستواجه التفليسة وخراب بيوت اللبنانيين؟

ــ ألا يعتبر تكليف الوزير حسان دياب خطوة متقدمة لاسيما وان الحكومة ستتشكل من الاختصاصيين؟

– هذه مناورة لا أكثر ولا أقل، ولا يمكن لهذه الحكومة اتخاذ قرارات جريئة لمواجهة التفليسة التي نواجهها وتتخذ خيارات لتوزيع الخسائر، وبالتالي يتم اختيار رئيس الحكومة عادة على أساس البرنامج كما الحال في كل دول العالم، ونحن اليوم ليس لدينا برنامج وحسان دياب لم يطرح أي برنامج أبداً، وبالتالي هذه مناورة لتضييع الوقت لا أكثر.

ــ وما الحل إذن؟

– تماماً كما سبق وطرحنا بأن يتم تسلم السلطة، فهذه السلطة التي نشأت منذ الطائف حتى اليوم فشلت وهي في بنيتها غير قادرة على الانقاذ، وبالتالي لا بد من تسليم السلطة وتحديد برنامج سياسي متكامل ويتم اختيار رئيس الحكومة على أساس هذا البرنامج وأن تعطى هذه الحكومة صلاحيات استثنائية لفترة سنة وستة أشهر. وهنا لا يهمنا الشخص بل المهم أن يطرح الرئيس المكلف البرنامج ويتكفل بتنفيذه خلال الفترة الانتقالية.

ــ يعني الانتفاضة مستمرة؟

– أكيد الناس مستمرون في التظاهر والاعتصام وسيعودون الى الساحات بعدما انشغلوا في قضية استقالة الحكومة والتكليف ومحاولات التأليف، إضافة الى الاحتفال بالأعياد وبسبب حالات البرد والشتاء والثلوج، وكأن هناك استراحة ليعود الناس الى التحرك مع وجود وقائع تفرض هذا التحرك خاصة مع تزايد حالات الصرف التعسفي للموظفين وغلاء الأسعار وتعاظم الأزمة المعيشية والاقتصادية والمالية.

ــ وإذا لم تتنازل السلطة؟

– آنذاك تفرط وتذهب الى مشاكل كبيرة، فمنذ أيام عمد مصرف لبنان الى إعطاء دين للدولة بفائدة صفر بالمئة والمبلغ وصل الى 4500 مليار ليرة كي يتم دفع معاشات الموظفين، لكن في المقابل طبع المصرف مبلغاً جديداً، وبالتالي هذه الأموال التي وصلت الى الناس سيتصرفون بها حيث ان البعض سيذهب الى الصراف ليدخرها أو لشراء دولار بالمبالغ اللبنانية على أساس انه سيرتفع أكثر فأكثر.

 

أزمة الدولار والمسؤوليات!

ــ وهل أزمة الدولار مفتعلة؟

– لا أبداً.. لو كانت مفتعلة لكانت هناك دولارات، فأي شخص لديه ادخار بالدولار لا يستطيع سحب أي مبلغ إلا وفق شروط وهذا معناه ان الدولار مفقود.

ــ ألم يهرب الدولار الى الخارج أو تحتفظ به المصارف لتكسب من ارتفاع سعره على حساب المودعين؟

– أي واحد يستطيع الحصول على دولارات يسحبهم ويضعهم في بيته، وهذا معناه ان الدولار مفقود وهذا واقع لا يمكن انكاره.

ــ من المسؤول عن هذه الأزمة؟

– هذه ادارة منذ 30 سنة والكل مسؤول من أهل السلطة.

ــ أليس حاكم مصرف لبنان رياض سلامة هو المسؤول كونه مهندس السياسات المالية وسبق أن طمأن الى وجود الدولار واستقرار سعر صرف الليرة؟

– أكيد لمصرف لبنان دور أساسي لكن كل الحكومات التي تشكلت منذ 30 سنة مسؤولة لأنها هي التي قررت أن تستدين الدولة بالدولار وأن تكون خاضعة لمحاكم نيويورك باستدانتها الخارجية. فمجلس النواب هو الذي أقر ذلك حتى وصلنا الى التفليسة الفعلية، وبالتالي كل الخيارات التي اتخذت منذ التسعينات حتى اليوم هي المسؤولة عن هذا التدهور سواء النظام الضريبي أو نظام الانفاق أو خيار الدولرة أو الاستدانة بالعملات الأجنبية، وهذا ما وافق عليه الجميع ورياض سلامة لم يكن ليقوم بذلك لوحده. واليوم ليس وقت المحاسبة عن الماضي بل المسؤولية تحتم علينا كيفية معالجة هذا الارث، لكن أهل السلطة ليسوا جديرين بهذه المعالجة ولذلك لا بد أن يتنازلوا ويحيدوا لفترة انتقالية لصالح حكومة لا علاقة لها بائتلاف الطوائف وتعلن الدولة انها مدنية مع حرية لكل فرد بالانتماء الى أي طائفة..

ــ وهل النواب سيعطون الثقة لأي حكومة انتقالية؟

– لا.. عليهم أن يحيدوا من الطريق ويتركوا الأمر اسثنائياً وتنقل السلطة انتقالاً سلمياً الى حكومة مستقلة لمدة سنة ونصف لتدير الأمور وتعالجها حتى يقطع الجزء الأساس من مفاعيل الانهيار المالي.

ــ إذا سلمنا جدلاً بذلك كيف نعود لإعادة انتاج السلطة؟

– بعد ضبط تبعات الافلاس يجري الانتقال الى مرحلة جديدة تهدف الى إعادة تكوين مجتمع متماسك حول دولة ذات شرعية عوضاً عن ائتلاف الطوائف القلقة، واقتصاد ذو مناعة عوضاً عن اقتصاد الشحادة والكذب، حيث تقوم الحكومة أولاً بتعداد لكل المقيمين لتعرف من هم سكان لبنان، مهنهم وعملهم وأين يقيمون ويستكمل التعداد بالاجراءات اللازمة ليشمل المهاجرين كي يصبح التمثيل السياسي متصلاً فعلاً بأماكن إقامة الناس وليس بالروابط العائلية والطائفية. وكي تطاول التقديمات من صنف التغطية الصحية المقيمين فعلياً، وكي يطاول التكليف الضريبي الجميع سواء في لبنان أو خارجه. ويلي ذلك إصدار نظام موحد للأحوال الشخصية على أن يختار كل مواطن ما يريد إما أن يكون مواطناً أو يبقى ضمن الانتماء الطائفي وتتولى الدولة حفظ حرية الشعائر الدينية وحماية الطوائف وتصدر قوانين انتخاب نيابية وبلدية يكون الاقتراع على أساس الإقامة الفعلية ويكون لكل ناخب الحق بأن يختار أن يتمثل مباشرة من قبل مرشحين ومرشحات لا ينتمون الى أي طائفة أو الى مرشحين ينتمون الى المنظومات الطائفية ويتم تعديل أسس النظام الاقتصادي المعتمد منذ السبعينات وخلق اقتصاد منتج وفرص عمل، على أن تجري انتخابات نيابية وفق القانون الجديد ويبين نتيجة ذلك الى أي حد يكون مجتمعنا قد ارتضى التضحية وليس الخسارة لأنه انخرط في مشروع افتقده منذ قرون.

ــ يعني التحول من دولة طوائف ومذاهب الى دولة المواطنة كما هي اسم حركتكم <مواطنون ومواطنات في دولة>؟

– صحيح، وإلا فكيف ستتم ادارة هذه التفليسة؟

ــ وماذا عن الحراك وهل يجب أن يشكل قيادة ويطرح برنامجاً؟

– الحراك عفوي وطبيعي كظاهرة لرفض وإسقاط لشرعية نظام سلطوي تعثر وتعطلت أدواته الاجرائية ولأن بيوت الناس خربت وتضرر الجميع، ومن الطبيعي ألا يشكل الحراك قيادة ولا يطرح برنامجاً لأن ما يجمع الناس أساساً هو لقمة العيش وهم نزلوا الى الشوارع احتجاجاً على ما وصلت إليه الأمور، حتى ان الضباط النواب وقفوا معاً عند بحث سلسلة الرتب والرواتب وتعويضات العسكريين بدءاً من جميل السيد ووهبي قاطيشا والوليد سكرية وجان طالوزيان وشامل روكز وانطوان بانو رغم انهم من أحزاب متخاصمة وسبق أن تقاتلوا أمام بعضهم خلال الحرب عندما كان الجيش منقسماً وهم ذاتهم اجتمعوا اليوم تحت عنوان لقمة العيش والرغيف، وهذا معناه ان كل واحد منهم لم يستطع أن يقنع زعيمه بالسير بالاصلاحات، والحراك على شاكلة هؤلاء.