20 October,2018

قطاع الكهرباء ”مغارة علي بابا“ فساد واستنزاف الخزينة!

بقلم طوني بشارة

بتنا على مشارف عام 2019 وما زال الفساد في ملف الكهرباء مفتوحا على مصراعيه، علما انه وقبل الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 لم يكن اللبنانيون يعانون من أزمة كهرباء، وكانت مؤسسة كهرباء لبنان تؤمن التيار الكهربائي 24 ساعة في اليوم، وكان القطاع الكهربائي منتجاً ومربحاً لخزينة الدولة، وبعد الحرب الأهلية أي منذ عام 1992 تضاربت مصالح الأطراف السياسية وتداخلت مع مصالح الرأسماليين ووجدوا بأن هذا القطاع كالدجاجة التي تبيض ذهباً، وأصبح كل طرف سياسي يتوقع شيئاً من هذا القطاع.

التغريدات السياسية!

 

واللافت التجاذب السياسي الواضح في ملف مهم كملف الكهرباء ناهيك عن الاتهامات المتبادلة بأن الملف مسيس بامتياز، فالنائب اللبناني فيصل كرامي نشر عبر حسابه على موقع <تويتر> على شبكة الانترنت صورة سوداء بالكامل، وعلق عليها بالقول <ليست خلفية سوداء ولا صورة لمنزل مظلم، هي حال وحقيقة معظم مناطق لبنان المحرومة من الكهرباء وخصوصا الشمال فيما سكانها يسددون فواتير النور في العتمة>.

بينما قال النائب اللبناني جان عبيد: <لا يجوز ولا يصح ان تقفز الكهرباء بين المناطق والمحافظات وتظهر كأنها مكافأة لأفرقاء وعقوبة لأفرقاء آخرين>.

اما النائب عن كتلة الوفاء للمقاومة نواف الموسوي فقال في تصريح له إن <وزارة الطاقة والموارد المائية والكهربائية كانت قد حددت 287 ساعة من الإنقطاع للجنوب إلا أنه وصل إلى 513 ساعة في مدينة صور>، مشيراً إلى أنه <تمّ الاتفاق مع وزير الطاقة منذ 5 تموز/ يوليو أن تلتزم الوزارة على الأقل بالسقف المحدد>.

وبدوره النائب محمد خواجة عن كتلة <التنمية والتحرير> في البرلمان اللبناني أشار الى <ان هذه أزمة مزمنة تمتد لسنوات طويلة، واللبنانيين يعانون من حالة كبيرة من التعتيم والتقنين، كما اننا بحاجة لـ 4000 ميغاواط كإنتاج سنوي في حين أننا لا نستطيع انتاج أكثر من 1900 لـ 2000 ميغاواط، ولا أحد من المسؤولين يشرح لماذا تستمر هذه الأزمة حتى اليوم>.

تغــــــريدات دون تطبيق

والتجربة المصرية!

ولكن إزاء هذه الآراء والتغريدات يتساءل المواطن وبغصة هل بات لبنان موجودا على جزيرة نائية لا يمكن الوصول اليها من اجل تطبيق إلاجراءات التي تنادي بها الأطراف السياسية؟ ولماذا لم تطبق من قبل ؟علما ان أغلب الأحزاب السياسية في لبنان قد تعاقب ممثلوها على وزارة الطاقة وقدموا مشاريع وخططاً لمعالجة الأزمة دون جدوى منذ عام 1990 وهم على التوالي: نبيه بري، محمد يوسف بيضون، محمد عبد الحميد بيضون، جورج افرام، إيلي حبيقة (حكومتان)، سليمان طرابلسي، أيوب حميد، موريس صحناوي، بسام يمين، محمد فنيش، آلان طابوريان، جبران باسيل (حكومتان)، آرثور نظريان، وسيزار أبي خليل، فالبعض من هؤلاء إقترح خصخصة القطاع واعتبر أن إفلاس المؤسسة سيؤدي حتماً إلى خصخصتها بشكل سريع، فيما البعض الآخر إقترح قيام شراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص وتقاسم المهام والمسؤوليات بين القطاعين، وطرف ثالث قال بإصلاح وتوسيع مؤسسة كهرباء لبنان قبل أي عملية أخرى، وطرف رابع لا يريد أن يخسر مصالحه المالية والإقتصادية!

والمتتبع للأمور يلاحظ ان مصر أيضاً عانت لعقود من الحال السيئة في التغذية الكهربائية، لكنها افتتحت منذ شهرين ثلاث محطات لتوليد الكهرباء، بقدرة انتاجية بلغت 14.400 ميغاوات وبكلفة 8.16 مليار دولار، في فترة لا تتجاوز الـ27 شهراً، لينعم 45 مليون مصري بكهرباء دائمة.

لم تنته مصر من محنتها عبر استجرار الطاقة من دولٍ شقيقة ولا عبر بواخر راسية على ميناء الإسكندرية، انما لجأت الى خيار شركات الطاقة العالمية عبر تلزيم شركة <سيمنز> الألمانية انشاء محطات توليد طاقة بكلفة 570.000 دولار للميغاوات الواحد، وتستعد الشركة اليوم للتوجه نحو إنارة العراق الذي عاش حرباً مدمرة. ولبنان ليس بمنأى عن اهتمام شركة <سمينز> بإنتاج الطاقة، إذ قبل افتتاح المحطات المصرية بأسابيع، قدم الرئيس التنفيذي للشركة <جو كايزر> الى لبنان مرافقاً المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> والتقى المعنيين بالامر، فلماذا لم يؤخذ بقرار شركة <سيمنز>؟ وهل فعلا ان المواطنين لا يعلمون باهتمام الشركات العالمية بالاستثمار في القطاع الكهربائي في بلدهم؟ وباتوا شبه مقتنعين أنه لن تتوافر لهم الكهرباء 24 /24 إلا في الإعلانات المصوّرة؟

وبالمقابل وعند صدور هذا العدد تكون الباخرة <إسراء سلطان> قد غادرت لبنان مجبرة، إذ لا حول ولا قدرة للمسؤولين المعنيين بالتجديد لبقائها باعتبار أن الحكومة في مرحلة تصريف أعمال، فيما هناك خبراء واختصاصيون يؤكدون في مناسبات عدة على وجود حلول تعيد الكهرباء إلى البلد، يتقدمها إشراك القطاع الخاص في بناء وإنتاج المعامل.

عجاقة وملف الكهرباء!

الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة يشير الى أن قرار تلزيم <سيمنز> او غيرها ببناء محطات توليد الطاقة منوط بمجلس الوزراء، ويدعو الى استدراج العروض ووضعها على طاولة مجلس الوزراء ضمن جدول اعمال المجلس او خارجه، كما ويكشف عجاقة بأن الملف سياسي وليس تقنياً، وربطه الدائم بالحصص السياسية والمقايضة عليه يسحب أي تداول لأي حل تقني، <فكل ملف خلافي يوضع على جنب يعني وضع المصلحة العامة على جنب>.

كما ويعتبر عجاقة أن أي حلّ جديد للكهرباء اليوم سيكون أفضل من الموجود لأنه سيؤدي الى ساعات تغذية أكثر وخفض للفاتورة الكهربائية مما يريح المواطن، ووفقا لعجاقة فالحل الأفضل يكمن في بناء محطات تعمل على الغاز والطاقة المتجددة بنسبة 10 الى 15 بالمئة، بكلفة 600.000 دولار للميغاوات الواحد، علماً ان التكلفة العالمية هي مليون دولار للميغاوات، ويتابع عجاقة قائلا:

– وفي عملية حسابية لتكلفة الطاقة المُنتجة حالياً، تؤمن معامل الكهرباء ما بين 1200 و1600 ميغاوات كحد أقصى، بالإضافة الى المولدات المنتجة لما يقارب 1500 ميغاوات، بمجموع 3000 ميغاوات كحد أقصى، فتكون كلفة انتاج هذه الطاقة عبر معامل جديدة ما يقارب 1.8 مليار دولار كحد أقصى، وفي هذا الإطار، يجب الاخذ بعين الاعتبار النمو السكاني، والطلب الزائد خلال فصلي الشتاء والصيف، مما يعني الحاجة الى 4000 ميغاوات كهرباء بكلفة 2.4 مليار ليكون لبنان في الجانب الآمن.

ويحذر عجاقة من ارتفاع اسعار النفط ما يرتب خسائر على شركة كهرباء لبنان والتي ستتخطى الملياري دولار، مما يخلق فاتورة إضافية من الدين العام على شكل ضرائب، إضافة الى الفاتورتين اللتين يدفعهما المواطن اللبناني لشركة كهرباء لبنان والمولدات.

وفي ظل الحديث عن استخراج الطاقة من النفايات، يستبعد عجاقة الاستفادة منها، فعلى الرغم من وجود كمية نفايات هائلة، يحوي مطمر الناعمة على 15.000 طن من النفايات تقريباً وحده، الا انه وجب الاستفادة منها منذ اليوم الاول، إذ لم تعد هذه النفايات اليوم تحتوي على اي طاقة حرارية، معطياً بذلك الأولية لإقامة اتفاقية شراكة مع شركات عالمية لبناء منظومة طاقة قادرة على دعم عملية التنمية في مجال توليد الطاقة الكهربائية وفقاً لأعلى مستويات الكفاءة العالمية.

يشوعي والمعامل المهترئة!

 

وبدوره الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي يلفت الى ان لا شيء مستحيلاً للانتهاء من ملف الكهرباء في لبنان لكن العقـــــدة ليست في الإمكانيـــــة إنمــــا البعض يريد طمس هذه الملفات والحلول من أجل استنزاف المالية العامة للمصالح الشخصية نظراً لما في هذا الملف من أرقام وثروات.

ويشرح يشوعي قائلا:

– ان قطاع الكهرباء كبّد لبنان 40 مليار دولار منذ التسعينات لغاية اليوم ولا يزال <مكانك راوح>، فيما المعامل المهترئة الحالية، وحتى مع إعادة تأهيلها، لن تستطيع إنتاج ما يقارب 3000 ميغاوات لإنارة لبنان اذ انها بالكاد تصل الى 1200،  لذا فإننا نحتاج الى معامل وقدرات إنتاجية جديدة.

ويشير يشوعي الى ان الحل يكمن في خصخصة هذا القطاع بحسب القانون <النائم> في أدراج مجلس الوزراء أي إشراك القطاع الخاص في بناء المعامل وإنتاج الكهرباء مع احتفاظ الدولة اللبنانية بملكية هذه المعامل، وإنشاء هيئة مستقلة من قضاة وخبراء واقتصاديين من أجل الإشراف على التلزيمات للشركات بحسب مناقصات ودفاتر شروط شفافة ونزيهة، ويعتبر يشوعي ان هذا الحل لن يطبق اليوم لأنه جذري، فيما القيمون على هذا الملف لا يريدون حلولاً جذرية.

ويوضح يشوعي قائلا:

– ان مشكلة الكهرباء تحت غطاء البواخر ونقص <الفيول> واهتراء المعامل مبطنة من اجل الاستفادات الشخصية، واتخوف من وصول الاقتصاد اللبناني الى وضع لا يحمد عقباه في ظل لامبالاة المسؤولين السياسيين لاسيما القيمين على هذا القطاع.

 

يونان والقدرة الإنتاجية!

وبدورها الخبيرة الاقتصادية تانيا يونان ذكرت القدرة الإنتاجية التقريبية للمحطات الموجودة: الجية تنتج 600 ميغاوات، والذوق 1000، والليطاني 200، والزهراني وديــــر عمــــار 900، وبعلبــــك 70، وصور 70، ونهر إبراهيم 30، وإذا عملت كل تلك المحطات <Full power> فلا يمكننا إنتــــاج الكميــــة الكافيــــة لإنـــــارة لبــــنان. والمشكلة الأبرز تكمن في خطوط التوزيع والتي لا تحتمل نقل هذه الكمية من <الفولتاج> الكبير وجميعنا نتذكر مشكلة المنصورية.

وتنوه يونان مؤكدة بان الحل يكمن في تطبيق نظام الـ<BOT> أي إشراك القطاع الخاص في بناء وإنتاج المعامل مع الاحتفاظ بملكية هذه المعامل للدولة، <ولو ان كلفة بنائها أعلى بقليل من البواخر، لكنها حل دائم ولا ينتهي عقدها وتعود الى بلادها مثل الباخرة>.