19 June,2019

قرار الحرب في المنطقة بيد ”فلاديمير بوتين“!

 

بقلم خالد عوض

هناك حديث مستمر بعد التقارير الآتية من واشنطن ومن خلال زيارات مسؤولين أميركيين للبنان عن إحتمالات لحرب وشيكة تشنها إسرائيل على إيران في سوريا ولبنان، أو على الأقل إذا لم تكن حربا شاملة فهي ستكون ضربات جوية على مواقع محددة تدعي إسرائيل أنها معامل لتصنيع صواريخ ذكية وأنها رصدتها قرب مطار بيروت وفي منطقة بقاعية. الأميركيون حاولوا تحذير لبنان وأكدوا أنهم لن يعارضوا هكذا ضربة إن كانت المزاعم الإسرائيلية صحيحة. ولكن ضربة كهذه لن تمر دون رد من حزب الله لأنه ساعتئذٍ يفقد كل صدقيته في لبنان وأمام جمهوره. والرد سيستجلب ردا مضاداً والضربة يمكن إذاً أن تجر المنطقة إلى حرب. ولكن هل فعلا هناك حرب على أجندة الحكومة الإسرائيلية العتيدة ومن ورائها الولايات المتحدة؟ أم أن القرار هذه المرة ليس في واشنطن أو تل أبيب أو حتى طهران بل هو حتما في موسكو؟

 

حرب تموز ٢٠٠٦: الغاز لإسرائيل أولاً!

 

كان واضحا أن حرب تموز عام ٢٠٠٦ كانت بقرار أميركي مباشر رغم أن الإسرائيليين والإيرانيين كانوا يستعدون لها منذ عام ٢٠٠٠. الولايات المتحدة بإدارة الرئيس السابق <جورج بوش> الإبن كانت تسعى يومئذٍ إلى تأمين ضمانات دولية لشركة <نوبل انرجي> الأميركية التي كانت تستكشف الغاز في المياه الإسرائيلية ورفضت عام ٢٠٠٥ الاستثمار في التنقيب من دون غطاء دولي. في المقابل كان حزب الله وإيران بحاجة إلى إنتصار عسكري حتى يتأسس وجودهم في لبنان والمنطقة. وكان الروس لا يمانعون في هكذا حرب لأنهم يريدون تجربة بعض الأسلحة الذكية. بالإضافة إلى كل هذه المعطيات كانت كوريا الشمالية تجرب نوعا متطورا من الأنفاق في جنوب لبنان، يصل عمقها إلى ثمانية أمتار تحت الأرض لتفادي الضربات الجوية. ويقال أن <تكنولوجيا> الأنفاق الكورية قادرة اليوم على حفر أنفاق بعمق أكثر من ١٢ مترا تحميها من أي ضربات من الجو ومن الصعب جدا اكتشافها من فوق سطح الأرض. شرارة الحرب كانت مسألة الأسرى اللبنانيين وخطف حزب الله الجنود الإسرائيليين ليبادلهم بهم. بالنسبة لإسرائيل كان الهدف محو حزب الله نهائيا وقد فشلت في ذلك بشكل ذريع ومخز. اما بالنسبة للأميركيين فكانت <الخطة ألف> هي القضاء على حزب الله و<الخطة ب> قرار أممي يعطي كل الضمانات الدولية لتستطيع إسرائيل المضي في استكشافاتها الغازية. نجحت الخطة <ب> نجاحا كاملا ونفذ الإقتصاد الإسرائيلي من كارثة مالية كانت ستحل به لولا وجود الغاز.

سرقة غاز لبنان أو… الحرب؟

 

كانت مهمة المبعوث الأميركي <دايفيد ساترفيلد> إلى لبنان منذ شهرين قبل تعيينه من الرئيس <دونالد ترامب> مؤخرا سفيرا في تركيا أن يحصل على موافقة لبنان على ترسيم الحدود المائية مع إسرائيل بحيث تحصل إسرائيل على حق التنقيب في المنطقة البحرية المحاذية للناقورة أي داخل الحدود المائية اللبنانية. هذا سيسمح لها بإستخراج الغاز اللبناني أو جزء غير بسيط منه. رفض رئيس المجلس النيابي نبيه بري الإقتراح الملغوم وأسمع <ساترفيلد> كلاما واضحا وقاسيا حول مسألة تمسك لبنان بكل شبر من مياهه. نقل المبعوث الأميركي رسالة بري إلى وزارة الخارجية الأميركية فقرر وزير الخارجية <مايك بومبيو> أن يأتي بنفسه إلى لبنان ليسمع الكلام مباشرة ويحاول إقناع رئيس المجلس، الحارس الأول لهذا الملف، بضرورة قبول التفاوض <الإيجابي> مع إسرائيل. لم يتزحزح موقف رئيس المجلس قيد أنملة رغم التهديدات المبطنة للوزير الأميركي. رد الفعل جاء سريعا من <واشنطن> عبر تسريبات عن عقوبات ضد كل من يتعامل مع حزب الله، بمن فيهم بري.

 

الكلمة المالية للأميركيين والعسكرية للروس!

 

أصبح جليا أن الولايات المتحدة مع <ترامب> تحاول إستخدام الوسائل التجارية والمالية للتفاوض وتتجنب أي أعمال عسكرية. ليس الوقت وقت حرب في قاموس <ترامب>. يجب إعطاء المفاوضات التجارية <المسلحة> بالعقوبات المالية أو الرسوم الجمركية، حسب الظرف، الفرصة الكاملة. هذا ما فعله مع الصين ومع جيرانه الكنديين والمكسيكيين، وهو ما بدأه منذ أيام مع الأوروبيين بفرض رسوم على أكثر من عشرة مليارات دولار من البضائع المستوردة من أوروبا. نوع الضغط نفسه يقوم به ضد الإيرانيين بعد أن صنف منذ أيام <الحرس الثوري الإيراني> كمنظمة ارهابية. وهو مستعد أن يقوم به ضد <حلفاء> حزب الله في لبنان. ولكنه هذه المرة، على عكس <بوش> الإبن، لن يستطيع إعطاء الضوء الأخضر لضربة عسكرية إسرائيلية من دون موافقة سيد الكرملين. الأجواء اليوم في سوريا وحتى لبنان تحت سلطته المباشرة ولا يمكن أن تصول الطائرات الإسرائيلية وتجول في الأجواء اللبنانية من دون ضوء أخضر روسي. لم ينس أحد كيف طلب الروس من الإسرائيليين منذ عدة أشهر عدم ضرب المواقع الإيرانية في سوريا عبر المرور فوق كسروان وسمحوا لهم بخط جوي محدد يمر بالبقاع. بل أكثر من ذلك، أي تفاوض في مسألة الغاز يجب أن يكون الروس شركاء فيه، وهذا بيت القصيد من كل وجودهم في سوريا.

رغم نبرة <بومبيو> العالية ضد حزب الله إلا أن الجميع استغرب كلامه أمام الكونغرس عن ضرورة إعادة النازحين السوريين في لبنان إلى بلادهم. الأميركيون الذي كانوا يروجون لبقاء اللاجئين والنازحين حيث هم وتوطينهم، فجأة وفي المسألة اللبنانية اصبحوا مقتنعين بضرورة عودتهم إلى سوريا؟ فتش أيضا عن الغاز في الموقف الأميركي المستجد. المطلوب من لبنان أن يقبل بترسيم الحدود حسب الاقتراح الأميركي وساعتئذٍ يمكن أن يتغير الموقف الأميركي حتى في مسألة النازحين السوريين.

لا حرب في الأفق. وحتى الضربة الإسرائيلية على لبنان غير مطروحة لأسباب تتعلق بروسيا أولا. الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستهدد كثيرا كما يمكن أن نسمع تهويلا أميركيا في مسألة العقوبات ولكن الحرب، على الأقل حاليا، ليست في الوارد. الاستعدادات لها على قدم وساق ولكن التوقيت لا يزال بعيدا. المطروح أميركيا رغم ظاهره المهين إلى السيادة اللبنانية يمكن أن يكون مدخلا للتفاوض على أكثر من مسألة يحل بها لبنان مشاكله المتعددة مقابل <بيعه> غير المباشر لبعض غازه لإسرائيل. شكرا نبيه بري لأنه فتح للبنان باب التفاوض الإقليمي والدولي من أوسع أبوابه.