17 November,2018

قانونيون يرون وجوب إصدار مرسوم لتنفيذ التأجيل وآخرون يؤكدون أنها صلاحية لصيقة للرئيس لا شريك له فيها!  

حسن الرفاعيمرة جديدة تتأكد أكثر فأكثر الحاجة إلى تحديد الجهة التي تُعنى بتفسير نصوص الدستور بعدما أسقط مجلس النواب هذا الحق الذي أعطي للمجلس الدستوري في الطائف وحصره بنفسه على أساس أن المجلس النيابي هو الجهة التي تستطيع تعديل الدستور وبالتالي فإن تفسير مواده من صلاحياته! ففي كل مرة يقوم جدل دستوري حول مادة من مواد الدستور، يتمسك كل مرجع قانوني أو دستوري بموقفه ويسعى إلى <تطويع> مواد الدستور حسب مفهومه هو من دون أن يقدم أي دليل يدعم موقفه. وفي كل مرة تغرق الساحة السياسية اللبنانية بالاجتهادات الدستورية من هنا، وبتفسيرات من هناك، الأمر الذي يحول دون الاتفاق على تفسير واحد للمواد الملتبسة نظراً لتمسك كل فريق برأيه واجتهاده!

آخر نماذج الجدل حول تفسير الدستور، نتج عن استعمال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حقه الدستوري في تأجيل انعقاد مجلس النواب شهراً واحد للإفساح في المجال أمام استمرار الحوار السياسي للاتفاق على قانون جديد للانتخابات، وثبّت هذا الموقف الذي أعلنه في رسالة إلى اللبنانيين، برسالة وجّهها إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري وصلت إلى الأمانة العامة للمجلس النيابي بعد ربع ساعة من انتهاء الرئيس من إلقاء كلمته، إلا أنه، وعلى رغم التجاوب الفوري الذي أبداه الرئيس بري بالإعلان رسمياً عن تحديد موعد جديد للجلسة النيابية في 15 أيار (مايو) المقبل، إلا أن ثمة أصوات ارتفعت لتنادي بضرورة إصدار الرئيس عون مرسوم يوقعه رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ليأخذ الصفة التنفيذية. واستند أصحاب الرأي هذا ومن بينهم الوزير السابق حسن الرفاعي والوزير السابق خالد قباني إلى المادة 54 من الدستور التي تنص على أن مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون، حتى مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة. وأشار هؤلاء إلى أن كل ما يتصل بعمل مجلس النواب يتم بموجب مرسوم مثل فتح الدورة الاستثنائية أو القوانين المستعجلة، وحل مجلس النواب وغير ذلك، ما يعني استطراداً أن تأجيل انعقاد مجلس النواب يجب أن يكون  بموجب مرسوم وليس بواسطة كتاب خطي يرسل إلى مجلس النواب. وذهب بعض الأساتذة الحقوقيين إلى الاستشهاد بحالات في زمن الانتداب، وهو ما اعتبرته مراجع قانونية أخرى لا يأتلف مع الواقع الراهن، لاسيما وأنه في زمن الانتداب الذي تمت الإشارة إليه، كان مجلس النواب منحلاً، في حين أن الوضع راهناً قد يختلف بكثير عن ذلك الزمان.

 

محمد قبانيصلاحية لصيقة بالرئيس

إلا أن لهذه المراجع ومن بينها الوزير سليم جريصاتي والوزير السابق زياد بارود والقانوني بول مرقص، قراءة دستورية وقانونية مختلفة تؤكد أن صلاحية رئيس الجمهورية في <تأجيل انعقاد المجلس إلى أمد لا يتجاوز شهراً واحداً وليس له أن يفعل ذلك مرتين في العقد الواحد>، هي صلاحية لصيقة برئيس الجمهورية والتي يمارسها وحده عند الضرورة، وأعطي حق ممارستها مرة واحدة في كل عقد عادي لمجلس النواب، أي عملياً مرتين كان المجلس يلتئم في دورتين عاديتين، وكي ينعقد خارج هاتين الدورتين ينبغي فتح دورة استثنائية. وتضيف المراجع نفسها أن المادة 59 بحالتها الراهنة لم يتناولها أي تعديل منذ 17/10/1927، كما أن اتفاق الطائف أبقاها كما هي أي أنها محصورة بشخص الرئيس تاريخياً لأنها موروثة من دستوريين ملكيين الأول بلجيكي ووضع العام 1831، والثاني الدستور المصري الذي وضع العام 1923.

وفي رأي المراجع القانونية نفسها، أنه عندما حصلت تعديلات على الدستور العام 1990 بعد الطائف، وأشركت رئيس الحكومة في معظم صلاحيات رئيس الجمهورية، تمت من بابين، الأول عندما تنص صراحة عن أن هذا القرار أو ذاك إنما يتم بالاتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة، والباب الثاني عندما يرد النص واضحاً في الدستور عن ممارسة الصلاحية بموجب مرسوم. فعلي سبيل المثال لا الحصر نصت المادة 53 من الدستور (صلاحيات رئيس الجمهورية) على أن منح رئيس الجمهورية أوسمة الدولة يتم بمرسوم، ومنح العفو كذلك، في وقت بقيت صلاحية رئيس الجمهورية باعتماد السفراء وقبول اعتمادهم من دون أي ذكر لعبارة <يتم بمرسوم>، أي أن تلك الصلاحية لصيقة بالرئيس ولا يشرك معه أحداً.

وأشارت المراجع نفسها إلى أنه عندما يوجد نص، فلا مجال للاجتهاد، وفي وضع المادة 59 فإن الأمور واضحة ولا حاجة لأي تفسير لأن المشترع لو أراد أن يكون قرار رئيس الدولة بتأجيل انعقاد مجلس النواب بمرسوم لكان حدد ذلك في النص سليم جريصاتي 1كما حصل في مواد أخرى محددة بمرسوم، أي أن المشترع تعمد إبقاء هذه المادة ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية المطلقة والتي لا شريك له فيها، وتكاد مع صلاحيات محدودة أخرى، الوحيدة المتبقية من اختصاص رئيس الدولة ولم تنزع منه. ولفتت المراجع القانونية إلى أن المرسوم الذي يصدر عادة يحدد عملياً الوسيلة التي ستنفذ قراراً ما صادراً عن مجلس الوزراء أو عن رئيسي الجمهورية والحكومة، في حين أن المادة 59 أتت محصورة في مهمة واحدة وهي تأجيل انعقاد مجلس النواب وهذا الأمر لا يحتاج إلى وسيلة للتنفيذ كي تحدد بمرسوم، بل مجرد وصول رسالة رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس النواب يقتضي العمل بموجبها، وهذا ما حصل فور تبلغ الرسالة الرئاسية الأمانة العامة لمجلس النواب.

وفي تقدير المراجع القانونية نفسها أن الرئيس عون أحدث بقراره سابقة دستورية أنتجت احتراماً لمواد الدستور كافة، ومنها المادة 59، وأنه بعد اليوم لن يكون في مقدور أحد القول بأن رئيس الجمهورية غضّ الطرف عن مخالفات قانونية أو دستورية و<مشي> الحال… بدليل ممارسة صلاحياته في عدم إجراء الانتخابات النيابية بموجب قانون الستين، ومنع التمديد للمجلس، وهذان الأمران التزم بهما الرئيس عون، مع غيرها من المسائل، في خطاب القسم وهو ماض في تطبيقه كاملاً.