21 November,2018

في قلعة راشيا ذكريات وتاريخ تفوح منه رائحة استقلال. .. لم نحافظ عليه مثل الرجال!

بقلم صبحي منذر ياغي

11
إنها ذكرى الاستقلال التي يحتفل بها اللبنانيون رغم الوجع والمعاناة من حاضر أليم ومن واقع محزن، وكأنهم يستعيدون صوراً مشرقة من الذاكرة اللبنانية لتخطي هذه المصاعب التي يواجهها لبنان منذ استقلاله، ربما بالنهاية تنتصر الارادة الوطنية وتتحقق فعلاً قيامة لبنان الفينيق من بين الرماد والدمار وبرك الدماء.

قصة استقلال

في ربوع قلعــــة راشـــــيا، تستحضر فجـــــأة ذلك التاريخ يوم بدأت نسائم الحرية خلال الحرب العالمية الثانية 1943تهب على الأقطار العربية، يوم تقدمت الحكومة اللبنانية إلى المفوضية الفرنسية مطالبة بتعديل الدستور بما ينسجم مع الأوضاع القائمة، وكان هذا الطلب بدعم من البريطانيين الذين كانوا منتدبين على فلسطين والأردن والعراق. ويوم 21 ايلول/ سبتمبر من السنة نفسها، فاز الشيخ بشارة الخوري بالانتخابات الرئاسية، وشكل حكومة برئاسة الرئيس رياض الصلح التي احالت مشروع تعديل الدستور إلى المجلس النيابي، واعتبرت السلطات المنتدبة هذا القرار تحدياً سافراً للمفوض السامي ما جعله يأمر بتعليق الدستور.

راشيا معتقل الأبطال

 

لم يحتمل المفوض السامي الفرنسي بداية هذه النزعة الاستقلالية لدى اللبنانيين، فكانت اوامره (اعتقلوهم..اعتقلوا رئيسي الجمهورية والحكومة..).

44

لم يدرِ اللبنانيون ان يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1943 لن يكون يوماً عادياً، بل سيدخل كتاب التاريخ، فقد عمدت القوات الفرنسية ليل 10/11/1943 الى اقتحام منزل الرئيس بشارة الخوري، وقامت القوة المقتحمة بإرهاب أهل بيته وعائلته، واعتدت بالضرب على نجل الرئيس الشيخ خليل الذي جرح في رأسه ولطخت الدماء وجهه.

وأكد لـ<الافكار> خلال لقاء عابر معه انه ما زال لليوم يعتبر هذه الليلة من الليالي التي رسم فيه مصر الوطن، ومصير لبنان، وما جرى في تلك الليلة كان الشرارة التي ادت الى الثورة الوطنية والشعبية…

و…. اعتقال الصلح والوزراء

توجهت قوة مماثلة الى منزل الرئيس رياض الصلح وانتزعوه من سريره، ثم اعتقلوا الآخرين من الوزراء من بينهم الرئيس عادل عسيران الذي جرى اعتقاله بثياب النوم (البيجاما)، ويقال ان عسيران وضع ثيابه في حقيبة حملها معه الى المعتقل، اما عائلة النائب عبد الحميد كرامي، فقد أعدت كتاباً وصفت فيه وقائع ليلة الاعتقال وكيف دخل الجند الفرنسي منزلـه بالخلــع والكسر موجهـين سلاحهـــم نحو رؤوس النساء والاطفال لنيل اعترافهـــم عن مكان وجود عبـد الحميــد كرامي الذي كان نائمـــاً في مرياطـــة في منزل خالد مصطفى وقد جرى اعتقاله على ايدي الجنود الفرنسيين.

<بدنا بشارة، بدنا رياض>

عاش اللبنانيون لحظات رهيبة وسط روايات متناقضة عن مصير زعماء البلاد، لأن الصحف مُنعت يومذاك من الصدور، وعم الاضراب لبنان كله مع تقدم ساعات النهار، وسط انتشار القوات الفرنسية السنغالية والمدرعات في الطرقات والشوارع. وشهد لبنان تظاهرات تجلت فيها اروع معالم الوحدة الوطنية وشاركت فيها القطاعات العمالية والنسائية وكان المتظاهرون يرددون «بدنا بشارة، بدنا رياض>!

تطويق البرلمان

66

وبادر رئيس المجلس صبري حماده بتوجيه دعوة خطية للنواب لعقد جلسة فورية، وعندما وصلت الى الفرنسيين اخبار عن نية النواب بالاجتماع سارع الجيش الفرنسي لتطويق البرلمان. ورغم الحصار العسكري الفرنسي حضر الجلسة من استطاع من النواب، وبعضهم تسلق المبنى ودخل من نوافذه مثل نائب طرابلس سعدي المنلا الذي أدخله من النافذة بطل التجذيف حسين سجعان، بعد إقفال الفرنسيين لباب البرلمان الخارجي، وسُميت النافذة <شباك سعدي>، فبلغ العدد سبعة نواب بمن فيهم الرئيس صبري حمادة، واتخذ المجلس بعد مشاورات هاتفية مع النواب الذين تعذر عليهم الوصول قراراً فورياً بالاجماع يؤكد فيه مواقفه السابقة في تعديل الدستور واعتبار الانتداب الفرنسي لاغياً، وقرر النواب المجتمعون اعتبار الحكم القائم وحده شرعياً ورفض رئاسة إميل اده الذي عينه المفوض السامي، وتولى سعدي المنلا رسم العلم اللبناني الجديد.

ويروي الصحافي الراحل غسان تويني خلال أحد أحاديثه في هذا المجال: <وبينما كان المجلس منعقداً بمن حضر، اقتحم ضابط فرنسي قاعة الاجتماع شاهراً سلاحه وطلب الى الرئيس والنواب مغادرة القاعة والا يجري إخراجهم بالقوة>.

وأضاف: <توجه النواب الى قصر رئيس الجمهورية في محلة القنطاري وكان عددهم قد بلغ سبعة عشر نائباً، ثم انتقلوا الى منزل النائب صائب سلام.. ومن ابرز ما تقرر خلال اجتماع المجلس تعديل المادة الخامسة من الدستور وتغيير العلم اللبناني الذي كان قائماً في ظل الانتداب، رسم النواب العلم اللبناني الجديد لأول مرة على ورقة دفتر مدرسي بقلم سعدي المنلا وأقره مجلس النواب ووقع عليه الحضور.

 واستمرت الجلسات تعقد في منزل آل سلام، مرة او مرتين في أمكنة أخرى ابرزها مدرسة الحكمة حيث تميز الاجتماع بخطبة عنيفة ضد الانتداب من المطران اغناطيوس مبارك.واتخذ المجلس بالاغلبية التي توافدت في جلسة 12 تشرين الثاني/ نوفمبر قراراً بمنح الثقة للحكومة المؤلفة من حبيب أبي شهلا والامير مجيــــد ارسلان وكانا الوزيرين الوحيدين خـــــارج الاعتقال واعتبارهما مجلس وزراء يقــــوم مقام رئيس الجمهورية وفقاً للدستور.

حكومة بشامون

 

وفي 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1943، شكل كل من الأمير مجيد وصبري حمادة وحبيب أبي شهلا «حكومة لبنان الحر» التي ترأسها حبيب أبو شهلا، وكان مقر هذه الحكومة في بشامون، التي تبعد 30 كلم عن بيروت جنوباً. وجمع الأمير مجيد من حوله العديد من الرجال وتم تسليحهم لمواجهة القوات الفرنسية. وشهدت مسيرات شعبية تطالب بالاستقلال والافراج عن رئيسي الجمهورية والحكومة وباقي الوزراء.

يوميات الاعتقال في راشيا…

33

وصل المسؤولون اللبنانيون الى المعتقل على دفعتين قبل الظهر: الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح والوزيران كميل شمعون وسليم تقلا، ثم بعد الظهر الوزير عادل عسيران الذي جرى اعتقاله في عاليه، والنائب عبد الحميد كرامي. وقام آمر القلعة بالتنازل عن غرفته الشرقية لرئيس الجمهوريــــــــة وكانت أرضها مغطاة ببســـــاط وفي أحــــــد الجـــــوانب سريــــــر يقابلـــــــه مقعــــــد وكرســـــي كبــــــير، وعلــــى الحائــــــط بعض الصــــور الزيتيـــــــة. امــــا غرفـــــــة رئيس الحكومــــــة ريـــــاض الصلـــــح فكانت شـــــبه خالية من الاثـــــاث، ووضع المعتقلــــــون الاربعــــة الآخــــــرون في غرفــــــة واحدة وصفها جبران جريج في مذكراتــــــه <حقـــــائق عن الاستقلال أيام راشيا> بقوله: <الغرفة صغيرة، نظيفة أكبر من غرفة فخامته بقليل وأصغر من غرفــــة دولته بنصف المساحة على أقل تقدير، الارض عارية، أربعة أسرة، ثلاثة متوازية عرضاً وسرير واحد متـــــوازٍ مع الممر طولاً، والفسحة بين الأسرّة الثلاثة والسرير الواحد ضيقة تكاد لا تسمح للشخص منهم بالمرور ما بينها..>.

الافراج عن المعتقلين

نتيجة نضالات اللبنانيين ومواصلتهم التحركات والتظاهرات، والمواقف الدولية ومنها البريطانية والاميركية، ونزولاً عند أوامر الجنرال <كاترو> الذي أوفده الجنرال <ديغول> (رئيس حكومة فرنسا الحرة في لندن) الى بيروت لمعالجة الازمة. تمّ الافراج عن المعتقلين في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر الذي صار عيداً وطنياً، وبعدما تبلغ المعتقلون قرار الافراج انتظروا وصول السيارات الرسمية الثلاث التي اقلتهم الى بيروت، واجتازت الطرقات والشوارع وسط الجماهير التي تحلقت هازجة فرحة في راشيا، وقرى البقاع، وصولاً الى بيروت…

88

 

 راشيا.. هنا التاريخ

 

<الافكار> زارت هذه القلعة عشية ذكرى عيد الاستقلال للإطلاع على هذا المكان التاريخي، وراشيا بلدة في البقاع الغربي تقع قبالة جبل حرمون (جبل الشيخ)، فوق هضبة عالية. وقد ساهمت مؤسسة الوليد بن طلال الانسانية برعاية السيدة ليلى الصلح حمادة (ابنة بطل الاستقلال)، بترميم القلعة، هذا المعلم التاريخي الذي ما زال شاهداً على تلك الايام المجيدة التي رسم فيها تاريخ لبنان المشرق.

<قلعة الاستقلال>

 

قلعة راشيا باتت تعرف بـ <قلعة الاستقلال> او <حصن 22 تشرين الثاني>، هذا ما أكدته المسؤولة عن القلعة سلوى ناجي في دردشة مع <الافكار>، وبناء القلعة يعود الى القرن الحادي عشر حين اهتم الصليبيون ببناء برج لحماية قوافل التجار الآتين من فلسطين نحو بلاد الشام ونقطة مراقبة وحماية لمواكب الحجاج والمسافرين عبر وادي التيم من دمشق الى القدس في فلسطين.. وتنتصب قلعة راشيا حول البرج الصليبي الذي يعلو نحو 1400م عن سطح البحر وتمتد على مساحة تبلغ 8000 متر مربع في موقع استراتيجي تحيط به المنحدرات من ثلاث جهات وتواجه الجهة الرابعة قمة حرمون. أما مدخل القلعة فهو من جهة الجنوب وهي تشبه بجدرانها السميكة واقبيتها ودهاليزها المتعددة قلعة الشقيف الصليبية وبقناطرها تتماثل مع قناطر قصر بيت الدين، والأقبية السفلى للقلعة فيها قاعة أثرية ومخزن من الجهة الشمالية الشرقية والبرج من الجهة الجنوبية الغربية وهو يعتبر أعلى قمة في القلعة.

وقد أدرجت القلعة مؤخراً على لائحة الأماكن السياحية في لبنان، وأنارتها وزارة السياحة ويقصدها السياح من كل لبنان والدول العربية.

إلا ان الاحداث التي شهدتها المنطقة وخصوصاً في سوريا كما تؤكد سلوى ناجي، حرمت القلعة من الزوار العرب وحتى من اللبنانيين الذين كانوا يقصدونها بشكل دائم.

شهداء الاستقلال

 

22

قلة من اللبنانيين تعرف أسماء بعض شهداء الاستقلال الذين قدموا دماءهم في سبيل حرية الوطن واستقلاله، ومنهم سعيد فخر الدين (شهيد معركة بشامون)، والدركي حسن موسى عبد الساتر (شهيد معركة العلم قرب البرلمان..).

فخرالدين…

 

فسعيد فخرالدين سقط خلال الدفاع عن مقر الحكومة في بلدة بشامون في مواجهة وحدات من الجيش الفرنسي حاولت اقتحام البلدة بعد أن طوّقت منطقتي عالية والشوف، وهو من بلدة عين عنوب قضاء عاليه.

ويأسف الاستاذ الجامعي هولو فرج في دردشة مع «الأفكار» كيف ان الشهيد سعيد فخر الدين <مغيب> من كتب التاريخ كشهيد من شهداء الاستقلال، ولا يتذكره أحد إلا القليل من أبناء الوطن… ربما عن قصد أو غير قصد من قبل المعنيين والحكومات التي تعاقبت على الوطن الى اليوم… ويقتصر تخليده على نصب تذكاري مهمل على مدخل بلدته عين عنوب.

.. وعبد الساتر

55

ومن شهداء الاستقلال الذين لم تنصفهم الدولة اللبنانية الدركي حسن موسى عبد الساتر الذي استشهد بعد معركة الاستقلال أمام المجلس النيابي يوم 27 نيسان/ أبريل 1944 دفاعاً عن علم الوطن، يوم حاول أنصار السياسة الفرنسية الذين كانوا يحنّون الى عودة سيطرة فرنسا على لبنان، لأن يكون يوم حضور النائب يوسف كرم الفائز في انتخابات فرعية الى المجلس يوم 27 نيسان/ أبريل 1944 فرصة للاستيلاء على المجلس، وطرد النواب منه وإسقاط العلم اللبناني ورفع العلم الفرنسي. وتصدّى لهم ايضاً الصحافي نعيم المغبغب وأطلق النار من مسدسه على محاولي إنزال العلم اللبناني. ومن عداد الدرك المدافعين عن العلم في ذلك اليوم صالح سيف الدين وضاهر مشيك وأبو ممدوح خالد الكردي، بقيادة الضابط عبد اللطيف حمدان.

وما زال قبر حسن موسى عبد الساتر في بلدته ايعات – بعلبك شاهداً على تلك الحقبة. ويؤكد محمد عبد الساتر الرجل السبعيني لـ <الافكار> ان الرئيس الراحل كميل شمعون كان يقوم بزيارة هذا الضريح، كلما كان يقصد المنطقة خلال رحلة الصيد ويضع عليه باقة ورود.

ويضيف: «نحن نفتخر بأننا قدّمنا شهيداً للاستقلال. وعلى الرغم من أنّ التاريخ لم ينصفه، فنحن نطالب الدولة فقط بردّ الاعتبار لعائلته وأبناء بلدته بإقامة تمثال له في ساحة البلدة، لتبقى ذكراه حيّة لدى الأجيال الآتية>.

بيت الاستقلال

99

ويعرف مقر حكومة الاستقلال في بلدة بشامون بـ«بيت الاستقلال» وهو منزل جبلي قديم يقع على تلة من تلال بلدة بشامون المشرفة على بيروت. وهذا البيت الوادع في أحضان الطبيعة شهد إطلاق «البلاغ رقم 1» الذي أصدرته الحكومة اللبنانية الموقتة في 17/11/1943 معلنة الشروع بمقاومة <القوّات الفرنسية>.

و أكد الزميل عبدالله ذبيان «أن الكثير من اللبنانيين لا يعلمون ان هذا البيت التاريخي ما زال موجوداً حتى يومنا هذا بأثاثاته ولوحاته كافة وحتى «سلاحه>.

وتبقى الأمنية الوطنية في ذكرى الاستقلال ان يتحقق الاستقلال الحقيقي للبنان، فالاستقلال حق لنا، كما هو حق الشعوب الحرة الكريمة.

وحسناً فعل الرئيس تمام سلام حين ألغى احتفالات الاستقلال لأن الشغور الرئاسي لا يسمح بتقبل التهاني.