19 September,2018

في ظل إصرار المرشحين على عدم إخلاء الساحة... وتراجع الاهتمام الدولي!

«نصيحة » نصر الله بعدم انتظار الحوار السعودي –  الإيراني أعادت الاستحقاق الرئاسي الى… «المربّع اللبناني »!

 aoun-hariri 1

مع نهاية الأسبوع الجاري، يدخل الشغور في موقع رئاسة الجمهورية الأسبوع الرابع وسط معطيات لا توحي بإمكان انتخاب رئيس جديد للجمهورية، نتيجة استمرار مواقف القيادات السياسية التي حالت دون إنجاز هذا الاستحقاق قبل انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان، والتي تمنع الاتفاق على موعد قريب للانتخاب. ومع توالي الدعوات التي يوجهها الرئيس نبيه بري الى انعقاد جلسة لانتخاب الرئيس وعدم اكتمال النصاب فيها، تبدو صورة التعطيل واضحة طالما ان رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع لا يزال مرشح قوى 14 آذار، والنائب هنري حلو مرشح جبهة النضال الوطني وزعيمها النائب وليد جنبلاط الذي أكد أنه لن يسحبه من الاستحقاق ولن يقبل بأي تسوية تكون على حسابه، فيما يبقى رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون المرشح غير المعلن لقوى 8 آذار. ولا شيء يوحي بأن المرشحين الثلاثة يمكن أن يبدلوا مواقفهم في المدى المنظور، ما لم تحصل تطورات تفرض حصول مثل هذا التبدّل، وهو الأمر غير المتوقع في السياق الذي تدور فيه التطورات.

عون ينتظر جواب الحريري

وبدا واضحاً أن كل فريق لا يزال يحمّل الفريق الآخر مسؤولية تعطيل الانتخابات الرئاسية، ويورد من أجل ذلك الكثير من الحجج التي تنطبق أيضاً على موقف الفريق الآخر، ما يعني أن هذه <المعزوفة> مستمرة طالما أن التوافق لم يتحقق، إذ تأكد للمراجع السياسية والديبلوماسية المعنية أن لا انتخابات رئاسية من دون توافق مسبق على اسم الرئيس العتيد، خصوصاً بعدما ألزم مكتب مجلس النواب بأن يكون نصاب جلسة الانتخاب 86 نائباً، ولم تنفع <الاجتهادات> القانونية والدستورية بأن يكون ابتداءً من الدورة الثانية النصف زائداً واحداً… أي 65 نائباً. ولا يبدي أي من طرفي الاصطفاف أي حرج في تعطيل الانتخابات، كل على طريقته، وإن كان ثمة من يعتبر أن فريق 8 آذار عزز حجة الفريق الآخر ضده، أقله من خلال عدم حضور الجلسات وتعطيل النصاب، علماً أن هذا الفريق لم يعلن بعد صراحة هوية مرشحه، ولا المرشح نفسه ــ أي العماد ميشال عون ــ أعلن ترشيحه رسمياً!

وفي الوقت الذي لا يزال فيه العماد عون ينتظر جواباً من الرئيس سعد الحريري بتأييده في الانتخابات الرئاسية كنتيجة حتمية للحوار القائم بين الرئيسين منذ أشهر، بدا أن رئيس تيار <المستقبل> لا يزال يتريث في إعطاء <الجنرال> جواباً <حاسماً>، سلباً كان أم إيجاباً، مفسحاً في المجال أمام مزيد من الاتصالات التي تجري خارج لبنان بعد إيحاءات تشير الى أن القرار بات إقليمياً ودولياً وخرج من الدائرة اللبنانية. وفي هذا السياق، توحي مصادر <المستقبل> بأن التواصل الإيراني ــ السعودي هو الذي سيقرر مسار الاستحقاق الرئاسي بعد تسليم القوى الدولية بدور تلعبه القوتان الإقليميتان الأبرز، أي السعودية وإيران على خلفية الصراع السني ــ الشيعي الذي أخذ وجوهاً مختلفة خلال الأعوام الماضية، وهو يواجه الاستحقاق تلو الآخر… وصولاً الى الاستحقاق الرئاسي اللبناني.

<نصيحة> نصر الله بعدم انتظار حوار طهران ــ الرياض

إلا أن التطور الأبرز الذي حصل الأسبوع الماضي والذي من شأنه أن يعيد خلط الأوراق تمثل بما أعلنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من ضرورة <عدم انتظار> نتائج المفاوضات السعودية ــ الإيرانية التي لا موعد لها بعد والتي لا تأكيد بأنها ستتناول الملف الرئاسي اللبناني بالتزامن مع عدم وضوح المواضيع التي سيتم التفاوض في شأنها بين الإيرانيين والسعوديين. وذهب السيد نصر الله بعيداً حين أعاد الاستحقاق الرئاسي الى <المربع اللبناني> من خلال دعوته الى بذل جهد داخلي جدي متعدد الأطراف لإنجاز الاستحقاق الرئاسي، وخاطب الفريق الآخر الذي يتهم حزب الله وحلفاءه بتعطيل الانتخابات داعياً إياه الى انتخاب الرئيس العتيد وإنهاء الفراغ الرئاسي أو الشغور. وحدّد السيد نصر الله مواصفات الرئيس من دون أن يسميه حين دعا الفريق الآخر الى <القبول بالشخصية القوية التي لها حيثية وطنية ومسيحية>، مبدياً <جهوزيته> لحضور نواب حزب الله جلسة الانتخاب، لافتاً الى أن من يمنع <صاحب الحق من الوصول الى حقه… معروف>.

وعلى الرغم من أن السيد حسن نصر الله لم يسمِ <صاحب الحق>، فإنه من الواضح أن الأمين العام لحزب الله كان يعني العماد عون بكلامه في الاحتفال الذي أقيم لتأبين عضو المجلس المركزي في الحزب الشيخ مصطفى قصير في مدرسة المهدي عند منطقة الحدث، والذي جدد فيه رفض التهمة الموجهة الى حزب الله لجهة سعيه الى <المثالثة>، كاشفاً ان هذا الطرح هو فرنسي وقُدم قبل سنوات الى طهران من مسؤول فرنسي زار العاصمة الإيرانية.

عودة الى <لبننة> الاستحقاق

وقد رأت مصادر متابعة في كلام السيد نصر الله إعادة للملف الرئاسي اللبناني الى الداخل اللبناني، بعدما ابتعد الى حد التدويل، لاسيما عندما <جزم> بأن الحوار السعودي ــ الإيراني مؤجل في الوقت الحاضر، وبالتالي فإن لا أحد يضمن ان يتضمن هذا الحوار، متى بدأ، الملف اللبناني ضمن أجندته. وفي رأي المصادر نفسها ان السيد نصر الله أعاد <لبننة> الاستحقاق الرئاسي محدداً ضرورة التفاهم بين اللبنانيين على إنجازه، وعدم الاتكال على أي طرف خارجي، سواء أكان سعودياً أو إيرانياً. واستطراداً فقد أعاد السيد نصر الله الاعتبار الى الحوار القائم بين العماد ميشال عون والرئيس سعد الحريري، معطياً إياه <الوقت الكافي> حتى ينضج لأنه من دون ذلك لا انتخابات رئاسية قريبة.

وذهب بعض المطلعين في قراءة كلام نصر الله الى القول ان الأمين العام لحزب الله أوحى بكلامه ان الاتفاق هو <حتمي> على انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، لأن المواصفات التي اعطاها للرئيس العتيد <ذات الشخصية القوية التي لها حيثية وطنية ومسيحية> لا تنطبق، حسب مفهومه، إلا على العماد عون، ما يعني عملياً ــ يضيف المطلعون ــ ان الخيار بات محصوراً بـ<الجنرال>  سواء طال زمن الانتظار أو قصر.

من هنا، أبدت المصادر نفسها اعتقادها بأن ما أعلنه السيد نصر الله قطع الطريق عملياً أمام الخيارات الرئاسية الأخرى، لاسيما وأن هذا الموقف تزامن مع الزيارة التي قام بها العماد عون لرئيس مجلس النواب نبيه بري لإزالة كل <لُبسٍ> ساد العلاقة بين الرجلين نتيجة مواقف متبادلة زادت الأمور تعقيداً. وقد اطمأن <السيد> الى نجاح اللقاء بين بري وعون، ما جعله يندفع أكثر في إعادة الملف الرئاسي الى الساحة اللبنانية ليقول للمعنيين ان الرهان على توافق إيراني ــ سعودي مؤجل في الوقت الراهن وهو رهان يطيل الأزمة الرئاسية، وأن ما يقصّرها فعلاً هو التفاهم اللبناني ــ اللبناني على انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، لاسيما وأن القوى الدولية لم تظهر ممانعة حقيقية في مثل هذا الانتخاب.

وترى المصادر نفسها أن ايران التي أرجأت زيارة وزير خارجيتها محمد جواد ظريف للسعودية بعدما تبيّن أن لا موعد له مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، أبلغت <من يهمه الأمر> من وسطاء دوليين ــ ولا سيما فرنسيين وروس ــ بأن الملف اللبناني <منفصل> عن الملفات الأخرى التي ستكون يوماً ما محور نقاش مع الجانب السعودي، وهو بات في عهدة السيد نصر الله الذي يتخذ القرار المناسب في شأنه، وأن طهران توافق على ما يوافق عليه نصر الله وهي لن تتدخل في التفاصيل اللبنانية. كذلك <جيّرت> طهران الشق الحكومي من رعايتها للملف اللبناني الى <السيد> شخصياً، بما في ذلك الخطط الأمنية التي طُبّقت وتلك التي يتم العمل على تطبيقها ومنها خطة بيروت والضاحية الجنوبية. ولعلّ ما قاله السيد نصر الله في خطابه الأخير من أن إيران <لا تتدخل في الشأن اللبناني ولا تضغط على حلفائها وفي مقدمهم حزب الله>، ما يؤشر فعلياً الى تسليم الجانب الإيراني <كامل الملف اللبناني> الى قيادة حزب الله وأمينه العام.

مواصفات حزب الله تنطبق على عون فقط!

وأبلغ نائب في كتلة الوفاء للمقاومة على تماس مع الملف الانتخابي <الأفكار> ان كلام السيد نصر الله غير قابل للتأويل أوالتفسير أو المساومة، وبالتالي فإن مواصفات الرئيس العتيد تنطبق على العماد عون من دون لُبسٍ، لاسيما وأن نواب قوى 8 آذار عندما وضعوا الأوراق البيضاء في صندوق الاقتراع يوم 23 نيسان/ أبريل الماضي أظهروا بوضوح خيارهم من دون أن يسمّوا العماد عون، واستمرار تغيبهم عن جلسات مجلس النواب (باستثناء نواب الرئيس بري) رسالة لا تحتاج الى المزيد من التفسير. وفي رأي النائب نفسه ان الحزب ليس في وارد تكرار الخطأ الذي وقع فيه العام 2008 حين وافق على انتخاب قائد الجيش (آنذاك) العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ضمن تسوية أنتجها اتفاق الدوحة وأقنع حليفه العماد عون بالتساهل والتنازل في هذه الانتخابات، لأن قواعد اللعبة الداخلية والإقليمية والدولية كانت تفرض في حينه السير بحل الأزمة اللبنانية. إلا أن هذه القواعد ــ يضيف النائب نفسه ــ اختلفت هذه المرة، والحزب سيكون ملتزماً مع العماد عون استجابة لحق التمثيل الشعبي المسيحي عموماً والماروني خصوصاً، لاسيما وأن عون ينطلق من قاعدة نيابية كبيرة تضم 25 نائباً من بينهم 19 مارونياً وكاثوليكيين اثنين وأرثوذكسي وأرمني وشيعي ودرزي، ويلتف حول هذه الكتلة تحالف مسيحي عريض وآخر وطني يشمل كل المناطق والطوائف اللبنانية.

14 آذار: الشغور سيطول

حسن-نصر-الله

 

في المقابل، فإن قوى 14 آذار وجدت في كلام السيد نصر الله <سبباً إضافياً للحديث عن الدورين السوري والإيراني> في محاولة <فرض> رئيس معين للجمهورية، أو استمرار الشغور في الموقع الرئاسي الأول. وقال ركن في هذه القوى لـ<الأفكار> ان السيد نصر الله <حصر بنفسه> مهمة التفاوض حول هوية الرئيس العتيد التي حددها من دون أن يسميه، فارضاً بذلك على فريق 14 آذار القبول بالعماد عون رئيساً من دون غيره من المرشحين الرئاسيين، وإلا فإن الانتخابات لن تحصل، كما حدد نصر الله ــ استناداً الى الركن نفسه ــ  نتائج الحوار بين عون والحريري على النحو الذي يريده هو، أي التوافق على عون رئيساً، الأمر الذي يعني ان البلاد ستبقى من دون رئيس حتى إشعارٍ آخر لأن الحوار بين عون والحريري لم يصل بعد الى نهايته، لا بل ان النقاش في بداياته وهو وان استمر خلال الأسابيع المقبلة، قد يحتاج الى المزيد من الوقت ليؤتي ثماره، ما يعني بقاء الامور على حالها، واستمرار حكومة الرئيس تمام سلام في تولي صلاحيات رئيس الجمهورية، وانكفاء الدول الإقليمية والدولية عن التدخل لإنجاز هذا الاستحقاق بعدما <حصره> السيد نصر الله بنفسه وبالعماد عون.

واعتبر الركن الآذاري ان إعلان السيد نصر الله ان الحوار السعودي ــ الإيراني قد لا يشمل الملف الرئاسي اللبناني، يعني عملياً ان طهران ليست في وارد السير بأي <تسوية> يمكن أن تقترحها السعودية بالنسبة الى الوضع اللبناني، لاسيما وأن الرياض حددت موقفها سلفاً من حزب الله وهي ترفض الحوار معه، في حين أن طهران تريدها أن تحاور السيد نصر الله شخصياً وليس العماد عون، إذا ما أرادت الرياض أن تلعب دوراً في الاستحقاق الرئاسي اللبناني. وعليه، أضاف الركن الآذاري، فإن السعودية لن تتدخل بالملف اللبناني وستترك للبنانيين أن يقرروا مسار الاستحقاق الرئاسي، تماماً كما حاول السيد نصر الله أن يقول من ان ايران تركت له ولفريقه القرار في هوية الرئيس العتيد. والنتيجة الطبيعية لمثل هذا <الانكفاء> المزدوج سعودياً وإيرانياً و<تجيير> الملف الى اللبنانيين، ستكون بقاء لبنان من دون رئيس، وسيظل الفراغ قائماً في قصر بعبدا حتى بروز منحى إيجابي يعيد تحريك الأوراق الرئاسية من الخارج، لا سيما وان القوى اللبنانية عموماً والمسيحية خصوصاً لا تملك القدرة على التوافق على اسم يرضي جميع المسيحيين والمسلمين على حدٍ سواء!