23 March,2019

في بعبدا أكثر من ”عتب“ وأقل من ”غضب“ وفي حارة حريك ”تباين“ لا يؤثر على ”الاستراتيجية“!

هل يكفي أن يعلن وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، بصفته رئيس <التيار الوطني الحر> و<تكتل لبنان القوي>، ان العلاقة مع حزب الله <على أحسن ما يكون>، كي <يرتاح> القلقون على الوضع بين الحليفين القويين ولا ينشغل بال أنصار <الحزب الأصفر> و<التيار البرتقالي>، أم ان ما يقال في وسائل الإعلام والحلقات السياسية الواسعة، هو غير ما يُهمس به في الحلقات الضيقة وبعيداً عن الإعلام؟

لا يختلف اثنان في ان <العلاقة الاستراتيجية> بين <التيار الوطني الحر> وحزب الله، ثابتة وصلبة منذ أن أرسى <تفاهم مار مخايل> بين العماد ميشال عون (الذي كان رئيساً للتيار آنذاك) والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وهو ما يحرص الرجلان حالياً، ومن موقعيهما، الأول كرئيس للجمهورية، والثاني كأمين عام للحزب على التأكيد عليه في أكثر من مناسبة وعند كل منعطف. إلا ان <العلاقة اليومية> أو ما يوصف بـ<العلاقات التكتيكية> هي غير ذلك حتماً، وهذا يعود لأكثر من سبب بعيدٍ وآني. وفي هذا السياق يتحدث المطلعون على العلاقة بين <التيار الوطني الحر> وحزب الله، ان مظاهر التباعد بدأت منذ الانتخابات النيابية وما رافقها لاسيما في الدوائر التي يتمتع كل من الطرفين بحيثية معينة فيها والتي لم يتم التوافق على خوضها في حينه بمرشحين يعكسون التحالف الذي يفترض أن يكون طبيعياً بين الطرفين. ذلك انه باستثناء دائرة بعبدا ودائرة البقاع الغربي، لم يتحقق أي تفاهم انتخابي وكانت الذروة في دائرة جبيل وكسروان حيث استُبعد مرشح حزب الله عن لائحة <لبنان القوي> فخسر على رغم حصوله على أصوات فاقت بكثير أصوات مرشحي التيار في قضاء جبيل وحده لكن الحاصل الانتخابي جعل المقعد الشيعي من نصيب النائب مصطفى الحسيني بأصوات قليلة جداً إذا ما قيست بأصوات مرشح حزب الله، والمرشح الشيعي على لائحة <لبنان القوي>. أما في دائرة بيروت الثانية فلم يكن أمام الحزب إلا خيار منح أصوات من ناخبيه لمرشح <التيار> حتى لا يفوز المرشح على لائحة <المستقبل>.

تباين في مقاربة الاستحقاقات

وتضيف المصادر المتابعة انه إذا ما طويت صفحة الانتخابات النيابية، فإن عوائق عدة برزت في طريق التفاهم بين <التيار> والحزب لاسيما في مقاربة عدد من الاستحقاقات السياسية حيث كان يأمل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومعه الوزير باسيل، أن يكون تجاوب قيادة حزب الله مع توجهاتهما أكبر بكثير مما أفرزته الوقائع السياسية سواء في موضوع تركيبة الحكومة أو في مسألة تمثيل النواب السنة الستة من قوى <8 آذار>. فالرئيس عون ومعه الوزير باسيل، لم يرتاحا لتمسك حزب الله بإسناد وزارة الأشغال العامة الى تيار <المردة> أولاً، ثم التمسك بالوزير يوسف فنيانوس ثانياً لهذه الحقيبة على رغم الملاحظات التي سجلها الرئيس عون والوزير باسيل على أداء وزير الأشغال والتي لم تكن عملياً سراً من الأسرار، بل جاهر بها رئيس الجمهورية ورئيس <التيار>، كل من موقعه ووفق ظروف الموقعين، لأن النتيجة ظلت واحدة. كذلك في موضوع توزير النواب السنة الستة، لم يكن موقف بعبدا وسن الفيل وحارة حريك واحداً، وقيل الكثير حول أسباب التناقض في المواقف وصولاً الى حد الحديث عن ان حزب الله <لا يشجع> امتلاك رئيس الجمهورية و<التيار> الثلث المعطل داخل الحكومة، وهو ما تأمن عملياً في التركيبة الحكومية التي كانت موضع إعداد، من خلال الوزراء العشرة من حصة الرئيس و<التيار>، والوزير الدرزي الذي اختاره الرئيس عون من بين الأسماء التي قُدمت إليه في إطار <تسوية> ما عُرف بـ<العقدة الدرزية> والتي تبناها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط وكرّسها في زيارته الأخيرة لقصر بعبدا والتي أتت بعد حملة واسعة النطاق بين الطرفين استعملت فيها كل أنواع <أسلحة> مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة الى منابر الطرفين الوزارية والنيابية على حد سواء…

 

هل الثلث المعطل هو السبب؟

 

وفي تقدير المصادر نفسها ان مسألة الثلث المعطل التي يُقال ان حزب الله لا يحبذ أن يمتلكه رئيس الجمهورية ورئيس <التيار الوطني الحر>، تشكل عملياً أحد <مفاتيح> حل الأزمة الوزارية الراهنة الذي يمسك به حزب الله وإن كانت أوساطه لا تظهر أي اهتمام بهذه المسألة وتقول لمن يتحدث عن هذا الشرط ان هذه القضية غير واردة في الحسابات التي تقف وراء الأزمة لأن ليس في نية الحزب ــ كما تقول مصادر فيه ــ اقتطاع أي وزير من حصة رئيس الجمهورية، وهو ما لمسه الوزير باسيل خلال اللقاء الأخير الذي جمعه مع السيد نصر الله في حارة حريك. لكن المصادر المتابعة تؤكد ان <البرودة> التي تسود حالياً علاقة <التيار> مع الحزب لن تتبدل في المدى المنظور لتصبح <حارة> لاسيما وان كل الرسائل التي تم تناقلها بين بعبدا والضاحية الجنوبية لم ترتقِ الى مستوى يعيد الطمأنينة الى علاقات ركني <تفاهم مار مخايل> في 6 شباط (فبراير) 2006. وأتت حادثة الجاهلية لترفع منسوب التباعد بين الموقعين خصوصاً بعدما آثر رئيس الجمهورية اتخاذ موقف محايد نسبياً وظلت مقاربته لما جرى مع الوزير السابق وئام وهاب دون المستوى الذي كان يتطلع الحزب على ان يكون الموقف الرئاسي عليه. ولعبت المطالبة بتوزير نائب سني من حلفاء <8 آذار> دوراً اضافياً في تعقيد الأمور لاسيما وان رئيس الجمهورية قال عشية بدء ولايته الثالثة كلاماً حول هذا الموضوع كان أقرب الى خيارات الرئيس المكلف سعد الحريري منه الى مواقف الحزب وأمينه العام الذي كان واضحاً في آخر اطلالة اعلامية له قبل أسبوعين، مقدار الدعم الذي قدمه لمطلب توزير سني من <8 آذار>. وثمة <ممارسات> أخرى قام بها الحزب ابتعدت عن توجه بعبدا وسن الفيل على حد سواء، تورد مصادر <التيار الوطني الحر> معلومات كثيرة عنها للدلالة ان <التيار البرتقالي> فوجئ بها، على رغم انه كان يفترض أن يكون الموقف واحداً حيال معظمها!

ومع تطور الأحداث على الحدود الجنوبية، وارتفاع وتيرة التهديدات الاسرائيلية ضد لبنان بعد <عملية الأنفاق> ومحاولة استفراد حزب الله، فإن المصادر المطلعة تشير الى متابعة قيادة الحزب ردود فعل الرئيس عون والوزير باسيل لتقييم الموقف لاسيما وان ثمة من أشار الى ان ردود الفعل الرئاسية على <عملية الأنفاق> لم تكن مماثلة للردود على ما سبقها من ممارسات عدوانية، ما يعكس ــ وفق المصادر نفسها ــ ان <التباين> الذي ظهر بين الجانبين إزاء الملف الحكومي، قد ينسحب على الوضع المستجد جنوباً، وإن كانت هذه المواقف يُفترض أن تدخل ضمن <الخيارات الاستراتيجية> وليس <الخيارات التكتيكية>.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، الى أين ستصل العلاقة بين <التيار البرتقالي> و<الحزب الأصفر>؟ وتجيب المصادر المطلعة على مواقف الطرفين، ان ما من أحد منهما ينوي <المغامرة> بالعلاقة الاستراتيجية المتينة التي يفترض أن تجمع بينهما. ألا انه تبقى بعض التفاصيل التي لا بد من معالجتها كي لا يتسع الشرخ ويلامس القطيعة، لاسيما وان ما ينقل عن بعبدا في ما خص حزب الله لا يعكس <ارتياحاً>، فيما تشير أصداء حزب الله، ان لا تغيير أساسياً في المواضيع المفصلية، وإن كانت مروحة التعاطي مع الأمور <اليومية> يجب أن تكون واسعة لاستيعاب تداعياتها والحد من مضارها. وفي رأي المصادر نفسها ان امكانية إعادة تقريب وجهات النظر تبقى أقوى من التباعد الحاصل حالياً، وإن كانت الزيارة الأخيرة للوزير باسيل لحارة حريك بددت الكثير من الغيوم التي سادت في أجواء العلاقات بين الجانبين… من دون أن تزيلها كلها.