20 September,2018

في «الـبـــيـال »: «ثـــورة الأرز » تستنهـــض نـفـسهـــا بـ «مجلــس وطـنــي » وفي «الحبتور »: عون يستحضر التاريخ... ويحدّد 3 مهمات للرئيس العتيد!

14 آذار/ مارس 2015 لم يكن مثل 14 آذار/ مارس 2005، ولا مثل الأعوام التي تلت، وبدا من خلال المواقف التي أعلنت الأسبوع الماضي ان المناخات الإيجابية التي تميّز جلسات الحوار المتتالية بين حزب الله وتيار <المستقبل> لم تنسحب على مضمون الوثيقة التي أعلنتها قوى 14 آذار التي التقت في مجمّع <البيال> هذه المرة بدلاً من فندق <البريستول> بالتزامن مع الإعلان عن إنشاء <المجلس الوطني لقوى 14 14-ةشقؤاآذار>، بدليل الحملة العنيفة على حزب الله وإيران التي طرحت مصير الحوار القائم بين الحزب وتيار <المستقبل> وتكاد تؤدي الى توقفه.

في المقابل، كان التاريخ نفسه مناسبة لرئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون أعلن فيها ثبات موقفه الداعم للمقاومة في مواجهة إسرائيل والتكفيريين، مؤكداً الالتفاف حول الجيش في جرود عرسال. ورغم أن العماد عون استحضر محطات من التاريخ الاستقلالي الحديث منذ أن أعلن <حرب التحرير> ضد الوجود العسكري السوري في العام 1989، إلا أنه لم يذهب بعيداً في المواقف التي أطلقها آخذاً في الاعتبار الحوار المستمر بينه وبين تيار <المستقبل>، ومقدّماً الحوار على ما عداه لإخراج لبنان من دائرة النار.

إذاً، تاريخ واحد لمناسبتين لم تظهر في المواقف الي أطلقت فيهما الكثير من <القواسم المشتركة> رغم الحوارات القائمة مع أطراف من الذين أحيوا المناسبتين، ما يدل مرة أخرى على ان إمكانية التلاقي بين القيادات اللبنانية لا تزال بعيدة المنال، ما يبقي الوضع الداخلي مفتوحاً على كل الاحتمالات، ويجعل الرهان على إنجاز قريب للاستحقاق الرئاسي من التمنيات غير القابلة للتحقيق في المدى المنظور.

 

<البيال>: وثيقة ومجلس وطني

في مجمّع <البيال>، حيث أحيت قوى 14 آذار الذكرى العاشرة لـ<ثورة الأرز> التي انطلقت تحت عنوان الحرية والسيادة والاستقلال، بدا المشهد مختلفاً عن الأعوام الماضية. الحشد التقليدي الذي كانت تضج به ساحة الشهداء تقلص الى <نخبة> مدعوين لم يتجاوز عددهم الـ400 مدعو، وقادة الانتفاضة الذين كانوا يستعرضون آلاف المؤيدين الذين يهتفون بحياتهم لم يحضروا جميعهم لاعتبارات أمنية وغير أمنية، والأعلام واللافتات والشعارات غابت كلياً عن القاعة الكبرى في مجمّع <البيال> ليحل مكانها شعار باللون الأحمر كُتِب عليه <قوى 14 آذار 2005 – 2015>. أما الحضور الديبلوماسي الذي اعتاد أن يشارك في احتفالات <ثورة الأرز>، فقد غاب لأن لا دعوات وُجّهت الى السفراء والديبلوماسيين.

الحضور ناقش على مدى 3 ساعات في جلسة مغلقة مشروع البيان الذي صدر باسم المجتمعين، وكانت مواقف وآراء لم تصب كلها في اتجاه واحد، وأفرزت تعديلات لم تغير كثيراً في الصيغة المعدة سلفاً والتي تلاها الرئيس فؤاد السنيورة رغم مشاركة الرئيس أمين الجميل في اللقاء، علماً ان حزب الكتائب كان قد أبدى ملاحظات عدة حول فكرة <المجلس الوطني> أدت الى جعله من دون رئيس، ما سيفسح في المجال أمام التشاور على الهيكلية التي ستعتمد له. وبدا من خلال التحضيرات التي سبقت موعد المناسبة، والنقاش الذي دار فيها ان قوى 14 آذار تجاوزت كل الإشكالات التي برزت خلال الأعوام الماضية في مسيرتها السياسية والتنظيمية، واستطاعت الإعلان عن إنشاء <المجلس الوطني> وشكّلت له لجنة تحضيرية موسعة من أكثر من 37 شخصية سياسية ونيابية وإعلامية بدت على الصورة التي سيكون عليها المجلس الذي يفترض أن تنجز التحضيرات لإقرار هيكليته في مهلة شهرين.

استنهاض في مواجهة الترهل

 

واعتبرت مصادر قيادية في 14 آذار أن الذكرى العاشرة كرّست ولادة خطوة تنظيمية طال انتظارها، ولها دلالتها الخاصة لأنها اقترنت بورقة سياسية جديدة تلاها الرئيس فؤاد السنيورة وضمّنها المبادئ والمواقف السياسية والثوابت التي تسير على هديها قوى 14 آذار، لاسيما لجهة إعادة التشبث بمشروع الدولة ورفض الاستقواء بقوة السلاح، ونبذ كل ما يؤدي الى الفتنة.

وأعلنت هذه القوى أنها لا تريد هزيمة أحد ولن تسمح لأحد بأن يهزمها، لكنها رسمت صورة قاتمة للدولة التي <لم تعد قادرة على تأمين استمرارية مؤسساتها>. ولم يشأ البيان السياسي تغييب حزب الله وإيران، فكانت حملة على <تورط> الحزب في القتال في سوريا، مع شرح مستفيض لـ<خطر التوسع الإيراني في المنطقة>، وتحويل الأزمة الرئاسية <ورقة  من أوراق الضغط والمساومة>.

وفيما أكدت الوثيقة السياسية على سعي قوى 14 آذار الى ما سمته <انتفاضة سلام> من خلال شراكة المسيحيين والمسلمين في إدارة دولة مدنية واحدة، جددت هذه القوى تمسكها بالدستور واتفاق الطائف وأعادت الحياة الى <إعلان بعبدا> لتحقيق ما قالت عنه انه <تحييد> للبنان عن صراعات المنطقة. وكان لافتاً تركيز الوثيقة السياسية على <المشروع الفارسي> الذي يسعى إلى إدخال المنطقة في حرب موصوفة وفي الصدام بين السنّة والشيعة، ووضعها على طاولة مفاوضات دولية <كأن الشعوب العربية وقود لمصالحه وأطماعه>. وتضمنت الوثيقة أيضاً إدانة لـ<جرائم النظام السوري> التي قالت انها <أطلقت موجة واسعة من التوترات الطائفية والمذهبية والعِرقية، وفتحت الطريق أمام تطرف عنفي مقابل. كم اتهمت النظام السوري بأنه يقف في <أصل الإرهاب الذي عانى منه لبنان وبات يهدد العالم العربي والعالم بأسره>.

وفي رأي المصادر القيادية في 14 آذار ان ما صدر عن <لقاء البيال> أطلق <رسالة استنهاض> داخل الحركة الاستقلالية بعدما سادت انطباعات على نطاق واسع حيال <ترهّل> هذه القوى وتراجعها خلال السنوات الماضية، الأمر الذي دفع الى الإسراع في تجديد الإطار التنظيمي داخل صفوفها من خلال إنشاء <المجلس الوطني>. أما بالنسبة الى خطاب 14 آذار، فترى المصادر القيادية أنه حافظ على <زخم> المبادئ الأساسية والثوابت التي لم تتأثر بأي تطور من دون أن يعني ذلك التفريط بالحوارات الجارية على مستويات عدة. ودعت المصادر القيادية الى انتظار ردود الفعل على خطوتها التنظيمية وورقتها السياسية <من الأقربين والأبعدين>، لاسيما وان تحفظات عدة ظهرت في أفق قوى 14 آذار على فكرة إنشاء <المجلس الوطني> ومحاولة ترئيس شخصية معينة له، ما أدى الى استبعاد فكرة الرئيس وترك الأمر لمزيد من التشاور من خلال اللجنة التحضيرية التي أعطيت مهلة شهرين لاقتراح الهيكلية. وهكذا كان رأي الرئيس أمين الجميل والكتائب.

8 آذار: استيعاب المستقلين المعترضين

في المقابل، لم تكن ردود الفعل من قوى 8 آذار على ما صدر عن <لقاء البيال> مختلفة عن تلك التي تصدر في مناسبات مماثلة، لكن مصادر في هذه القوى رأت أن قوى 14 آذار لم تقدم جديداً يمكن استثماره في الأجواء الحوارية السائدة، لا بل على العكس، فهي استحضرت <مفردات وتوصيفات> تكررها دائماً ضد حزب الله وإيران، شبيهة بتلك التي رددها الرئيس سعد الحريري في خطابه لمناسبة ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في <البيال>، والتي أمكن تجاوز <تداعياتها> من خلال الحوار  المفتوح بين الحزب و<التيار الأزرق>، وهذا أمر قد لا يتكرر إذا ما استمرت الحملات.

وفي رأي المصادر نفسها ان <لقاء البيال> هدف بالدرجة الأولى الى <شد عصب> مكونات 14 آذار، بدليل ان التركيز كان على <المجلس الوطني> وتقديمه على أنه <إنجاز تنظيمي غير مسبوق>، في حين ان الغاية الأساسية منه – حسب مصادر 8 آذار – إبقاء قوى 14 آذار موحدة ولو بالشكل واستيعاب <المستقلين> في هذه القوى والذين صعّدوا تململهم من تهميشهم على حساب <اجتياح> الأحزاب الرئيسية في هذه القوى والهيمنة على قرارها السياسي، في حين يسعى <المستقلون> الى <شراكة> في صنع القرار، والحد من <شطحات> بعض الأحزاب التي تجاوزت <الخطوط الحمر> وفتحت على حسابها في التواصل مع قوى 8 آذار وغيرها، من دون التنسيق مع مكونات 14 آذار والتغيب عن حضور اجتماعاتها.

استياء بري وحزب الله

أما في الشق المتعلق بالحوار بين حزب الله و<المستقبل>، فلم تتأخر ردود الفعل السلبية على الوثيقة التي تلاها الرئيس فؤاد السنيورة، لاسيما الرئيس نبيه بري الذي نقل عنه زواره استياءه من مضمون كلمة السنيورة الذي قال عنه انه لا ينسجم مع مناخات الحوار القائمة. في حين كانت ردة فعل حزب الله لافتة من خلال كلمات لمسؤولين فيه، لاسيما رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ورئيس المجلس التنفيذي للحزب السيد هاشم صفي الدين والتي بلغت حد التساؤل عن فائدة الحوار، لاسيما بعد المواقف التي كانت قد صدرت عن الرئيس سعد الحريري في خطاب <البيال> والتي أمكن تجاوزها في حينه بطلب من الرئيس نبيه بري الذي تمنى على الحزب عدم تعليق الحوار مع <المستقبل> واعتبار ما قيل في حينه له أسبابه داخل <التيار الأزرق>.

وقالت مصادر مسؤولة في حزب الله لـ<الأفكار> ان مضمون كلمة السنيورة وقبله كلام الرئيس الحريري وما يصدر من حين الى آخر من قياديين في <المستقبل> جعلت السؤال يطرح بقوة لدى قيادة الحزب حول الجهة التي <دخلت على الخط> لعرقلة الحوار، <فإما أن يلتزموا بموجبات الحوار وقواعده، وإما فليذهب كل فريق في حال سبيله>. وذكّرت المصادر بأن أول نقطة توافق عليها الطرفان كانت وقف الحملات الإعلامية المتبادلة، وقد التزم بها حزب الله بقوة، في حين استمرت المواقف السلبية ضده من أصوات <مستقبلية> متنوعة، ما أثر سلباً على الهدف الأول من الحوار، وهو <تنفيس الاحتقان>، ما دفع قيادة الحزب الى اتخاذ <خطوات حاسمة> لمنع عرقلة الحوار، لكن استمرار الحملات أمر لا يمكن القبول به، وفق المصادر نفسها التي تحدثت عن <خروقات> داخل <المستقبل> تدفع في اتجاه استمرار <التحريض> ضد الحزب. وأكدت المصادر ان لا سكوت بعد اليوم على <التجني>.

 

في الحبتور: 3 مهمات للرئيس العتيد

وإذا كانت <المشهدية الاستعراضية> التي ترافق عادة احتفالات قوى 14 آذار في مجمّع <البيال> أو خارجها قد غابت هذه السنة لأن الأمر اقتصر على <نخبة> من المدعوين ناقشوا سياسياً ما آلت إليه الأوضاع داخل <ثورة الأرز>، فإن مشهدية فنية من نوع آخر رافقت الاحتفال الذي نظمه <التيار الوطني الحر> في فندق <الحبتور> في سن الفيل، إحياء لذكرى 14 آذار من العام 1989 تاريخ اندلاع <حرب التحرير> ضد الوجود العسكري السوري في لبنان التي اعلنتها حكومة الرئيس العماد ميشال عون عامذاك. وشارك في <المشهدية الفنية> في فندق <الحبتور> الفنانون معين شريف وملحم زين وسمير صفير الذين أنشدوا أغانٍ خاصة بالعماد عون ورافقوا منفردين دخوله الى القاعة، ثم انتقاله لإلقاء خطابه، ثم العودة الى الطاولة الرئيسية التي جلس إليها مع زوجته ناديا وصهره الوزير جبران باسيل وشخصيات أخرى.

إلا أن المواقف التي أطلقها العماد عون في المناسبة خلت من الحدة التي كانت تتسم بها خطاباته في المناسبة إياها، ولعلّه <استوحى> الليونة التي تميّز إطلالاته منذ مدة بفعل <الحوارات> التي فتحها في كل اتجاه، لاسيما مع تيار <المستقبل> والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وغيرهم. وعليه اكتفى العماد عون بعرض تاريخي لأبرز ما حصل خلال السنوات الـ26 الماضية منذ إعلان <حرب التحرير> تحت الشعار المثلث <حرية، سيادة، استقلال> (الذي تبنّته قوى 14 آذار في ما بعد)، وملابسات صدور القرار 1559 ونفيه القسري الى فرنسا، ثم عودته عام 2005 مع <التسونامي>، و<الحلف الرباعي> والتفاهم مع حزب الله وحرب تموز 2006 وأحداث 7 أيار/ مايو 2008، وصولاً الى مؤتمر الدوحة وانتخاب الرئيس ميشال سليمان (من دون أن يسميه)، وتأكيده ان <هذه الغلطة لن تتكرر ولن تكون هناك دوحة ثانية>.

وفيما لم يدخل العماد عون في تفاصيل الحوار مع <المستقبل> وملابسات المشاركة في حكومة <المصلحة الوطنية>، خلص الى المطالبة بإنهاء <مهمات ملحة> حصرها بـ3: انتخاب رئيس قوي لدولة قوية بجيش قوي يمثل بيئته تمثيلاً صحيحاً، وبناء قوات مسلحة رادعة تحد من الأطماع في لبنان، وتماشي الانتظار لإنجاز جميع المشاريع الإنمائية المخططة وتنشيط الإدارة وآلة الحكم. واستكمالاً لخيار <الليونة> في المواقف، دعا العماد عون الى الاتحاد وفتح صفحة جديدة <مستفيدين من عِبَر الماضي القريب والبعيد بيد ممدودة لبعضنا البعض متصافحين وعاقدين العزم على العمل معاً لدرء الأخطار عن الوطن>. إلا أن هذه <الليونة> لم تمنع عون من إطلاق شعار جديد – قديم: <كلنا جيش في جرود عرسال وفي كل لبنان، وكلنا مقاومة ضد إسرائيل وضد التكفيريين والإرهابيين الذين يشكلون خطراً وجودياً على لبنان>.

aoun

مواصفات رئاسية… عونية!

واعتبرت مصادر متابعة أن العماد عون أراد من المواقف التي أطلقها تجاوز موضوع الاستحقاق الرئاسي من حيث الجدل والنقاش الدائرين حوله الى وضع مواصفات للرئيس العتيد يرى أنها تنطبق عليه، لاسيما القدرة على الاضطلاع بالمسؤوليات في هذه المرحلة <باستقلالية تامة، ما يمكّنه من التوفيق بين كل الأطراف>، وهو بذلك أعاد طرح نفسه <رئيساً وفاقياً قوياً>، في مناسبة أراد منها استخلاص العِبَر وليس نكأ الجراح، داعياً اللبنانيين الى تحديد خياراتهم، لأن لا قبول بعد اليوم بـ<دوحة ثانية>. وأشارت المصادر نفسها الى ان العماد عون حصر <المهمات الملحة> على نحو شكّل خلاصة لـ<برنامجه الرئاسي> للمرحلة المقبلة، مفسحاً في المجال أمام الراغبين في مناقشته في ما طرحه الى أن يعلنوا مواقفهم <جهاراً> لاسيما إذا كانوا لا يوافقونه الرأي والخيار.

ورغم أن العماد عون قد تفادى التطرق مباشرة الى مواقفه من تأجيل تسريح قائد الجيش العماد جان قهوجي ورئيس الأركان اللواء وليد سلمان والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء محمد خير ومدير المخابرات في الجيش العميد إدمون فاضل كما كان يتوقع بعض المسؤولين في التيار الوطني الحر، فإن المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> تشير الى أن عون أكد لصديق مشترك بينه وبين العماد قهوجي يسعى الى <مصالحة> الرجلين انه مستمر في <مواجهة> ما يسمى <التمديد غير القانوني> للقادة الأمنيين في الجيش وقوى الأمن وان ذلك ليس مرتبطاً بأي اعتبار شخصي، بل بالانعكاسات <السلبية> لهذه القرارات على أوضاع المؤسسات الأمنية. وأشار عون الى انه سيطالب بتعيين مدير عام جديد لقوى الأمن خلفاً للواء بصبوص وبعدم التمديد لكبار الضباط في الجيش.