16 November,2018

في الذكرى الـثالثة والثلاثين لاغتيال الحلم، «الافكار» تنشر أهم ما جاء في خطاب القسم للرئيس بشير الجميل الذي كان يستعد لإلقائه قبل استشهاده...!  

 

بقلم صبحي منذر ياغي

Mahatta00096      <أولاد الشيخ بشارة الخوري عندما رأوا تمثال والدهم قالوا لي: <هذا لا يشبه أبانا، لكن لا بأس بكرا منتعوّد عليه>. هكذا بعض اللبنانيين لم يعجبهم بشير و<لكن سوف يتعودون عليّ خلال رئاستي>، هو آخر ما قاله الرئيس الراحل بشير الجميّل أمام رفاقه قبل ثوانٍ من استشهاده!

حين ذكر الجميّل هذه الجملة ضحك الجميع إلا الشيخ بشير الذي بدا متوتراً وغير مرتاح يومها، اقتربت منه سكرتيرة بيت الكتائب وأبلغته أنها لم تجد الشخص الذي كلفها الاتصال به، فقال لها بشير <OK>، ابتعدت أربع خطوات عائدة الى مكتبها ودوّى الإنفجار فقضى بشير ومعه 21 شخصاً من رفاقه. أما من نجا وخرج من تحت الركام فقد روى هذه التفاصيل التي لن تُمحى من ذاكرته.

عند الساعة الرابعة وعشر دقائق من بعد ظهر يوم 14 أيلول/سبتمبر من العام 1982، دوى الانفجار الكبير داخل بيت الكتائب في الاشرفية، واستشهد الرئيس المنتخب بشير الجميل الذي كان يخطب في رفاقه الكتائبيين مودعاً. كان استشهاد بشير بنظر مؤيديه ومحبيه <اغتيالاً للحلم> في إقامة جمهورية، رغم ان معارضيه اعتبروا ان اغتياله كان ضربة موجعة لمشروع أميركي – اسرائيلي في لبنان.

دون شك احدث انتخاب الرئيس بشير الجميل إشكالية في الساحة السياسية، وانقسامات، إلا انه وبعد مرور 33 عاماً على اغتياله، ادرك اللبنانيون ان <البشير> كان يسعى فعلاً <للجمهورية الحلم>، وهو الأمر الذي أسرّه للرئيس صائب سلام بعد انتخابه قائلاً: <سوف تجدون بشير جميل آخر غير الذي تعرفونه>!

بشير كان الابن الاصغر لمؤسس ورئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل، تلقى دروسه الجامعية في كلية الحقوق التابعة لجامعة القديس يوسف، وعام 1971 نال شهادتين في الحقوق والعلوم السياسية. وعلى الرغم من سفره الى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراساته العليا عام 1972، فقد عاد الى لبنان ليفتتح مكتباً للمحاماة ما لبث ان أقفله بعد اندلاع شرارة الحرب الأهلية عام 1975 ليتفرغ للعمل العسكري والدفاع عما سماه بـ<القضية اللبنانية> وكان الانفجار-في-مبنى-حزب-الكتائبمكتبه مع أخيه أمين الجميل في بناية <تابلاين> عند شارع الحمرا..

 

مشاكس و<راديكالي>

تدرج بشير في حزب الكتائب، وكان مشاكساً وراديكالياً وفي عام 1976 وبعد وفاة القائد الكتائبي وليم حاوي، تولى القيادة العسكرية لمليشيات الحزب، وكانت حياة بشير العسكرية والسياسية صاخبة جداً، ومن أبرز محطاتها اتهامه بالوقوف وراء إرسال مجموعة من الكتائبيين في حزيران/ يونيو 1978 الى اهدن لاختطاف النائب طوني فرنجية (نجل الرئيس سليمان فرنجية)، إثر مقتل العضو في الكتائب جود البايع على يد قوات المردة، لإجباره على تسليم المسؤولين عن مقتل العضو الكتائبي، إلا أن العملية انتهت بمقتل طوني وأفراد من عائلته وهي الواقعة التي سميت فيما بعد بـ<مجزرة إهدن>، وكانت هذه الحادثة سبباً لإنهاء الرئيس سليمان فرنجية ارتباطه بالجبهة اللبنانية.

ومن المحطات الاخرى إرسال بشير الجميل قواته الى منطقة الصفرا صيف 1980 للقضاء على مليشيات حزب الوطنيين الأحرار التي كانت تمارس سطوتها على الناس بزعامة <الحنش> وتم القضاء تماماً على <ميليشيا النمور>، واستطاع الشيخ بشير من خلال هذه العملية توحيد البندقية المسيحية في إطار القوات اللبنانية، ليصبح القائد الاعلى، وصاحب الكلمة النافذة، وهو الذي كان يتمتع بشخصية قوية، و<كاريزماتية> جماهيرية.. وفي العام 1980 قتلت ابنته مايا وعمرها 18 شهراً إثر تفجير بسيارة مفخخة كانت تستهدف الجميّل شخصياً عند طلعة وزارة الخارجية.

مع-كامل-الاسعد

 في الميدان العسكري

وسجل الشيخ بشير مواقف وطنية لافتة خلال محاصرة الجيش السوري للمنطقة الشرقية اثر ما عُرف بـ<حادثة الفياضية> في تشرين الاول/ أكتوبر 1978، وقصفه الاشرفية في إطار ما عُرف بـ <حرب <المئة يوم>، وخرج بشير منتصراً بعد وساطة عربية أدت إلى وقف إطلاق النار، ثم في عام 1981 كان حصار القوات السورية لمدينة زحلة عروس البقاع، فأرسل بشير مجموعات من قواته لمساندة الاهالي والصمودبوجه الحصار السوري وانتصر مرة اخرى وانتصرت زحلة.

عام 1982 العام المفصلي

عام 1982 كان مفصلياً في حياة البشير، اذ اجتاحت اسرائيل لبنان بجيشها الجرار حتى وصلت الى بيروت فكانت اول عاصمة عربية تحتلها اسرائيل، ويؤكد أحد النواب السابقين في هذا الاطار <ان بشير الجميل وحده كان على علم بهذا الاجتياح وقد ابلغ ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان هاني الحسن بهذا الأمر، ونصحه بأن يترك الفلسطينيون لبنان ويغادروا بسلام قبل فوات الأوان، غير أن هاني الحسن لم يرد على بشير..>.

والاجتياح الاسرائيلي كما يقول الرئيس أمين الجميل <لم يكن سراً وسببه فتح لاند> في الجنوب، مضيفاً <كان لدينا انطباع عن حصول الاجتياح الاسرائيلي لأن سيادة لبنان كانت غائبة بسبب عمل منظمة التحرير الفلسطينية التي عطلت عمل الدولة اللبنانية>.

وأشار الجميل <عندما دخل الجيش الاسرائيلي الى لبنان، كان الشيعة هم من استقبلوه بالأرز والورود وهذا مؤرخ بسبب الممارسات الفلسطينية، ولكننا تجاوزنا ما يسمى <العقدة> الفلسطينية وحصل لقاء مصالحة بشير-الجميلومصارحة مع منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنوات..>.

 مرشح الرئاسة

بعد ان تمكنت اسرائيل من ترحيل منظمة التحرير من لبنان أعلن حزب الكتائب ترشيح الشيخ بشير الجميل لرئاسة الجمهورية ولاقى هذا الترشيح دعماً أميركياً وعربياً، رغم معارضة سوريا والاحزاب اليسارية في لبنان وكان الشيخ بشير المرشح الوحيد، وبنظر النائب السابق ادمون رزق ان انضمام رجالات من غير الطائفة المسيحية كالأمير مجيد ارسلان أعطى الحدث صفة وطنية، إضافة الى التحرك السعودي الذي منحه غطاء الشرعية العربية لكن لا هذه الصفة ولا ذاك الغطاء يلغيان <الكاريزما> التي كان يتمتع بها الرئيس الراحل بشير الجميل الذي كان معروفاً بصراحته وجرأته و<ديناميكيته>، ما جعله محط أنظار الشباب الذي كان يحلم باعادة تركيب الدولة الواحدة>.

انتخاب الحلم

ويوم 23 آب/ أغسطس 1982 كان موعد انتخاب رئيس الجمهورية، وهذا اليوم برأي الزميلة جومانا نصر لم يكن يوماً عادياً: <اذ كانت الخطوط مقطوعة بين المنطقتين الشرقية والغربية، لكن النواب الذين قرروا NB-19084-635443790947925212الوصول الى البرلمان، أمضوا ليلتهم في بيروت الشرقية. وفي الساعة الحادية عشرة افتتحت الجلسة، 62 نائباً دخلوا القاعة تباعاً، فالكل كان مصراً على عدم دخول الجمهورية في الفراغ..

وتصف الزميلة نصر وقائع ما جرى <الثانية عشرة والربع دخل النائب موريس فاضل تبعه النائب ميشال المر وأعلن عن وصول أربعة نواب هم: سالم عبد النور (روم كاثوليك) فؤاد طحيني (ماروني) اميل روحانا صقر (كتلة ريمون اده) وفؤاد لحود (ماروني)،فساد الهرج والمرج القاعة،اكتمل النصاب لا بل تم تجاوزه: 44 نائباً مسيحياً و12 نائباً شيعياً و4 نواب سنة ودرزيان، المجموع 62 نائباً.. وافتتح الرئيس كامل الاسعد الجلسة وجرت عملية الاقتراع وتولى النائبان طارق حبشي وميشال معلولي فرز الأصوات ليعلن الرئيس الأسعد بعد ذلك فوز بشير الجميل رئيساً للجمهورية بـ57 صوتاً وخمس أوراق بيضاء.

وانتخاب بشير الجميل برأي الزميلة نصر شكل انتصاراً لمنطق الدولة على الفوضى ومملكة العصابات والقبضايات..

الجلسة

ويعتبر النائب السابق ادمون رزق ان الرئيس كامل الاسعد كان بطل جلسة انتخاب بشير الجميل فهو رفض الانصياع لطلب الرئيس حافظ الاسد بعدم ترؤس الجلسة، وانه لولا الرئيس كامل الاسعد لما وصل بشير الجميل الى رئاسة الجمهورية ولا حتى شقيقه امين لاحقاً.

وكان الشيخ بشير وقبل اغتياله التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي <مناحيم بيغن> في مستوطنة <نهاريا>. كان اجتماعاً صاخباً، اذ رفض بشير دعوة <بيغين> لتوقيع اتفاقية سلام منفردة بين لبنان واسرائيل، مؤكداً له ان السلام يكون بإجماع وطني، ومع الدول العربية مجتمعة، عندئذٍ قال <بيغن> لبشير أن قوات الدفاع الإسرائيلية ستبقى في جنوب لبنان إذا لم توقع معاهدة السلام غير أن بشير غضب وقال: <نحن لم نكافح لمدة سبع سنوات ونخسر الآلاف من جنودنا لتخليص لبنان من الجيش السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية من أجل أن تأخذوا مكانهم>.

وحسب أوساط سياسية ان بشيرالجميل قتل بعد 48 ساعة من اجتماع <نهاريا> الذي قال فيه <لا> لإسرائيل، ولو قال لـ<بيغن> يومئذٍ <نعم> لبقي على قيد الحياة وبقي رئيساً، وبقي زعيماً! فليس صدفة أن يقتل بشير الجميل بقنبلة كانت مخبأة فوق رأسه منذ أشهر طويلة، ولم تنفجر إلا يوم قال <لا> لإسرائيل.

رجل الدولة

شكل انتخاب بشير بارقة أمل لدى الكثيرين من اللبنانيين الخارجين من تحت دمار الاجتياح الاسرائيلي والمتطلعين لدولة قوية، ولاقى انتخابه ترحيباً حتى من الكثيرين في الطوائف الاسلامية ورفعت له لافتات التأييد في عدة قرى شيعية من بينها بلدتي مارون الراس وبنت جبيل …. وتمكن الشيخ بشير من زرع الأمل في النفوس معلنا برنامجه في سبيل تحقيق قيامة جمهورية فاعلة وقوية، معلناً استقالته من حزب الكتائب وعمد الى منع القوات اللبنانية من ارتداء الزي العسكري وترك الساحة الأمنية للجيش والقوى الأمنية، والتقى الشخصيات والوفود والزعامات الاسلامية من الرئيس صائب سلام (في 11 أيلول/سبتمبر) الى الأمير مجيد ارسلان ووليد جنبلاط.. مؤكداً لهم انه بات رئيساً لكل الوطن معلناً الدعوة لتوحيد الشهداء كل الشهداء الذين أحبوا لبنان وفق قناعاتهم وسقطوا دفاعاً عنه.

اغتيل بشير في 14 أيلول/سبتمبر في الاشرفية في انفجار داخل بيت الكتائب، واتُهم بالاغتيال حبيب الشرتوني وهو مسيحي ماروني وعضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي وقد تم اعتقاله وسجنه حوالى 8 سنوات قبل أن تحرره القوات السورية التي دخلت قصر بعبدا يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990.

 

نديم الجميل: اغتيل <حلم الجمهورية>

زيارة-للامير-فيصل-ارسلان-وبدا-النائب-طلال-ارسلان

باغتيال بشير اغتيل <حلم جمهورية> كما قال نجله النائب نديم الجميل خلال دردشة مع <الافكار> ورأى <انه لو كان بشير حياً لكنا في عصر غير هذا العصر، وكنا بعيدين جداً عن هذا الجو المتوتر ونعيش في ظل جمهورية قوية وعادلة لا جمهورية تبعية وارتهان، كان الأمر للجمهورية لا لغيرها من القوى كحزب الله وغيره.. لو عاش بشير الجميل ومارس الحكم لاستعاد لبنان بناء الدولة، ولما كانت فيه وصاية لا سورية ولا غير سورية! ولكان الوطن الذي رفرفت عليه رايات السيادة والاستقلال قد تابع المسيرة وربح معركة الاستقلال..>.

واعتبر الشيخ نديم الجميل <ان الأمل موجود ولولا هذا الأمل لما كنا مستمرين في نضالنا ومسيرتنا، وبالطبع ان لبنان هو الذي سينتصر في النهاية والجمهورية هي المنتصرة>.

 

اللحظات الأخيرة قبل اغتياله

ويستذكر الزميل جوزف توتنجي (شقيق السيدة صولانج أرملة الرئيس بشير الجميل) ما حصل يوم اغتيال بشير ويقول مقلباً أوراق الذاكرة <يوم السبت الواقع في 14 أيلول/سبتمبر 1982، كان الجميّل يمضي يومه بشكل عادي، ذهب ظهراً إلى <دير راهبات الصليب> في منطقة جل الديب وتناول الغداء مع المشرفين والنزلاء في الدير. بعد الظهر ولدى عودته قصد مستشفى اللبناني – الجعيتاوي (الأشرفية) ليزور والدة زوجته صولانج توتنجي للإطمئنان عليها، وبعد ذلك توجّه إلى مكتب حزب الكتائب قرب ساحة ساسين حيث كان لديه إجتماع مع الرفاق في الحزب.عند الساعة الرابعة من بعد ظهر هذا اليوم دوّى انفجار كبير هزّ محيط الأشرفية، وبعد دقائق تبيّن انه استهدف مبنى الكتائب ومن بداخله، سقط الرئيس ومعه 21 شهيداً آخر بينهم كوادر مهمة من الحزب>.

وكشف الزميل جوزف توتنجي انه لم يُكتب لبشير أن يُلقي خطاب القسم في مقر مجلس النواب، بعد أن أصرّ على الرئيس كامل الاسعد، رئيس مجلس النواب آنذاك، أن يفتح المجلس أبوابه لأول مرة منذ اندلاع أحداث 1975 وانتقال المجلس ودوائره الى قصر منصور قرب المتحف.