18 November,2018

فيروز نجمة الاستقلال في مدينة بعلبك!  

miniature في الواحد والعشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1936 أهدى الرب الى اللبنانيين والعرب المطربة نهاد حداد، بنت منطقة زقاق البلاط في بيروت قرب قصر توفيق مفرج ولم يكن يدور في خلد هذه الصبية الرقيقة أنها ستصبح مطربة لبنان الأولى، وسفيرته الى النجوم كما التسمية للشاعر الكبير الراحل سعيد عقل.

بدأت مشوارها الفني هناك في الإذاعة اللبنانية التي كان موقعها في الطابق الأول من السراي الحكومي، من خلال <كومبارس> الإذاعة وكانت الدائرة الموسيقية تحت إشراف الملحن والمغني حليم الرومي، يساعده في المهمة عازف الكمان البارع والملحن خالد أبو النصر صاحب لحن أغنية <الله يا لبنان ما أجملك>، وكانت بصوت المطربة زكية حمدان. وفي الفرقة الموسيقية كان هناك عازف البزق عاصي الرحباني الآتي من سلك الدرك حيث غلب عنده حب الموسيقى والشعر، فترك ضبط مخالفات السير الى ضبط الإيقاع، وانضم إليه شقيقه الآتي أيضاً من سلك الدرك منصور الرحباني ليؤلفا الثنائي الرائع <الاخوان رحباني>، وقد اكتشفا في صوت فتاة الكورس نهاد حداد خامة صوتية رائعة لا ينقصها إلا الصقل والتدريب.

وقد شاركهما الرأي في صوت نهاد حداد مدير الإذاعة يومئذ الأديب فؤاد قاسم الذي كانت غرفته الى يمين رواق الإذاعة، والموسيقار حليم الرومي والد المطربة ماجدة الرومي، وأحب أن تتوسع شهرة هذه الفتاة الخجول ذات الصوت المخملي فاختار لها اسم فيروز، وبهذا الاسم قدم الأخوان رحباني الى إذاعة دمشق زمان الرئيس شكري القوتلي، وكانت عميدة الإذاعات العربية يومئذ، أغنية <الى راعية> ووقع إشكال في عبارة <وتعيب ليس يشكو الوهنا>، فاحتكم الأخوان رحباني الى مدير الإذاعة فؤاد قاسم لأن كلمة <تعيب> غير موجودة في القاموس، فتبسم فؤاد قاسم وقال لهما: يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره، وما دام في اللغة بشير-خضر العربية <غريب> و<لبيب> و<نجيب> فلا بأس أن ينضم اليها اسم <تعيب>. وهكذا كان.

ومن حظ فيروز والأخوين رحباني يومئذ ان تكون إذاعة الشرق الأدنى قد انتقلت من القدس الى بيروت بعد نكبة فلسطين، وكان يشرف على برامجها صبحي أبو لغد، وعبد المجيد أبو لبن، وغانم الدجاني، وكامل قسطندي، وشريف العلمي، وصبري الشريف الذي اختاره الاخوان رحباني للانضمام الى مكتبهما في شارع بدارو، والقيام بإخراج أعمالهما الغنائية مع فيروز، وصولاً الى إذاعة دمشق. ومن حياة أهل الجبل اللبناني صاغ الأخوان رحباني أغنياتهما لفيروز، مثل <بيتك يا ستي الختيارة بيذكرني ببيت ستي>، و<اطلعي يا عروسة عالكرم نقي عنب>، و<يارا الجدايلها شقر> (شعر سعيد عقل)، و<الله معك يا هوانا>.

وحتى يقتحم الأخوان رحباني عاصمة الفن التي كانت يومذاك هي القاهرة، فقد أعادا توزيع أغنيات سيد درويش بصوت فيروز مثل <طلعت يا ما احلى نورها شمس الشموسة>. ويروي الاعلامي الكبير مفيد فوزي ان ورشة سينمائية كبيرة كانت تدور في ستوديو مصر، حين أدار أحد الموظفين اسطوانة أغنية سيد درويش، فركز الجميع أسماعهم على صوت فيروز وقالوا: صوت رائع لم نسمع مثله حتى الآن بعد صوت أم كلثوم.

ولم تربح السينما المصرية فيروز المطربة والممثلة ولكن ربحها مخرجان مصريان هما يوسف شاهين في فيلم <سفربرلك>، وهنري بركات في فيلم <بنت الحارس>، وفيلم <بياع الخواتم>، وكان وراء هذه الأفلام المنتج السوري نادر الأتاسي، كما كان وراء مسرحيات فيروز في مسرح سينما <بيكاديلي> صبري الشريف، إلا ان مسرحياتها التي دخلت التاريخ هي التي جرى عرضها على أدراج بعلبك ومنها <أيام فخر الدين> من بطولة نصري شمس الدين، ومسرحية <جبال الصوان>. وكان عاصي الرحباني يقود الأوركسترا وهو يرتدي الشروال، مثل باقي أفراد منزل-فيروزالأوركسترا.

ولأن بعلبك وفيروز توأم الروح، فقد انتهز محافظ بعلبك ــ الهرمل بشير خضر بالتعاون مع بلدية بعلبك ولجنة <مهرجانات بعلبك الدولية> برئاسة نايلة دوفريج، الاحتفال بعيد ميلاد فيروز وذكرى وقوفها الستين على أدراج بعلبك، وذكرى استقلال لبنان، ولهذه المناسبة المزدوجة دعا المحافظ خضر الى زيارة قلعة بعلبك يوم الثلاثاء المقبل حيث تضاء القلعة بالعلم اللبناني وبصور فيروز الاحتفالية مع بث أغنيات شهيرة مثل <يا قلبي لا تتعب قلبك> الخاصة بمدينة بعلبك.

ولو صحّت الأحلام لكانت فيروز قد اخترقت عزلتها وجاءت شخصياً الى بعلبك لتكون سيدة العيد ونجمة الاستقلال.