19 February,2020

فيروز أيقونة لبنان بلا... تمثال!

بقلم وليد عوض

فيروز

غياب المشاهير حافز للسؤال عن أخبارهم، ومدعاة للتساؤل عن سر رحيلهم وهم في أمتن صحة، وأفضل عافية، وكذلك الدخول في أسرار احتجابهم عن الجمهور. وهكذا الآن حال المطربة الكبيرة فيروز التي حجبت وجهها عن الناس سبع سنوات دون اطلالة غنائية ولا أنشودة جديدة حتى تساوت في هذا الغياب مع الراحلين والراحلات في ظروف يتنازعها الغموض. وكلما افتقد الكاتب الأجواء التي كان يسرح فيها ويمرح مد يده الى ذاكرته ليستخرج منها قصة قد لا تزال مجهولة عند الكثيرين.

ففي عام 2001 افتقد مشاهدو السينما سندريلا الشاشة سعاد حسني حين قضت في حادث ارتماء من الشرفة في لندن، واتهم باغتيالها وزير الثقافة المصري الراحل صفوت الشريف، لمنعها من الادلاء بمعلومات مخابراتية، فقد كان صالون سعاد حسني مقصداً لكل متحرش بالمعلومات، وحجب المعلومات التي كانت سعاد حسني تملكها عن عهد الرئيس حسني مبارك كان واجباً <قومياً> وضرورة <وطنية>. ورحلت سعاد حسني طاوية جملة من الأسرار ومنها زواجها من المطرب عبد الحليم حافظ في الاسكندرية زمان السبعينات!

ورحيل المطربة أسمهان (آمال الأطرش) عام 1945 في حادث غرق سيارة وسط نهر النيل لا يزال سراً من الأسرار، يطوف به السؤال: هل كان الملك فاروق الأول وراء هرب سائق السيارة ونزولها مقفلة الزجاج في نهر النيل عند إحدى مناطق الأرياف؟! أم كانت المخابرات المصرية بقيادة صلاح نصر وراء استحمام السيارة وزهق روح أسمهان؟

والآن نحن مع المطربة الكبيرة فيروز حفظ الله عافيتها. إنها غائبة عن المشهد الغنائي منذ سبع سنوات، فجاءت ابنتها ريما التي ظهرت معها وهي طفلة في فيلم <بنت الحارس> لتعلن عن ولادة <ألبوم> غنائي جديد من تسع أغنيات لفيروز على حسابها في موقع <الفايسبوك>. واختارت يوم 21 حزيران (يونيو) ذكرى رحيل والدها الموسيقار عاصي الرحباني عام 1986 لتعلن هذه الولادة جامعة بين حب الأم وحب الأب.

وفيروز أو نهاد حداد المولودة في حي مار الياس عام 1933 هي أيقونة الغناء في لبنان، وجزء لا يتجزأ من حياتي الصحافية. وكانت معرفتي الأولى بها مطلع الخمسينات وأنا في زيارة طالبية لمدير الإذاعة فؤاد قاسم، وقد دخل عليه عاصي الرحباني يومئذ ليستشيره في قضية شعرية، قال له: <في أغنية عنوانها <الى راعية> أوردت شعراً يقول: <وتعيب ليس يشكو الوهنا>، وقد تفقد عدة قواميس بحثاً كلمة تعيب فلم يعثر عليها. فهل يجوز أن يدخلها في أغنية>؟ قال له فؤاد قاسم ضاحكاً: <حتماً تستطيع يا عاصي. فكما هنا كلمة سميع، وكلمة بديع، وكلمة نجيع أي دم، تستطيع أنت أن تستخدم كلمة تعيب!

غير مرة دعتني فيروز الى بيتها قرب بكفيا، وغير مرة جئتها مع نساء فلسطينيات أحببن أن يحيينها عل توجهها القومي في أغانيها، مثل <زهرة المدائن> و<الآن الآن وليس غداً أجراس العودة فلتقرع>، وقالت لها أم عمر زوجة المخرج الفلسطيني الراحل عبد المجيد أبو لبن:

ــ قصائدك تعلن لنا أن فلسطين قضية لا تموت، وان أجراسها ترن في مسامعنا!

وفيروز ضد التقسيم.. فلها بيت في عمارة رفيق غندور عند منطقة الروشة، ومنزل في بكفيا، وثالث في طريق بكفيا، وما شعرت ولو لمرة واحدة ان هذه المرأة اللبنانية التي اختارت بيتها الوالدي في بيروت متحفاً، قد نطقت بأية كلمة تنم عن عصبية جغرافية، أو مرض طائفي. كانت فيروز عندي ولا تزال أغنية وطنية دائمة، منذ أن صرخت من على المسرح: <بحبك يا لبنان يا وطني بحبك>.

ولا يكفي أن تحتفل وزارة الثقافة بيوم لفيروز، بل ينبغي أن يكون لفيروز تمثال كتماثيل سعيد عقل شاعر أغانيها الوطنية في حديقة الجامعة اللبنانية الأكاديمية، أو حدائق باقي الجامعات، بل أن تكون حديقة <اليونيسكو> مضافة لتمثال فيروز.

وهكذا نكون قد عشنا أغنيتها <بحبك يا لبنان>، ولم نردد الكلام بدون معنى!

وعيد ميلاد سعيد يا فيروز!