23 September,2018

فــي حضـــرة الـمــلك ســلـمـان!

ebrahim-awad

الى المملكة العربية السعودية توجهت لتقديم التعزية بوفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ولكي أهنئ خلفه الملك سلمان على تسلمه القيادة، خصوصاً أنني عرفت الأخير عن كثب، والتقيته مرات، حين كنت أعمل في <الشركة السعودية للأبحاث والنشر> ناشرة صحيفة <الشرق الأوسط> وأربع عشرة مطبوعة، وهي الشركة التي يرئس مجلس إدارتها نجله فيصل.

بداية لا بد من شكر السفير السعودي لدى لبنان الأستاذ علي عواض عسيري على منحي تأشيرة <زيارة حكومية> خلال دقائق، رغم انشغاله بترتيب سفر الوفود اللبنانية الرسمية الى الرياض، واستقباله جموع المعزين في مسجد محمد الأمين أيام السبت والأحد والإثنين الماضية. أما الشكر المضاعف، فلرجال المراسم في الرياض الذين أولوني اهتمامهم، وهم الذين أصيبوا بالدوار نتيجة انهماكهم باستقبال الملوك والرؤساء والقادة والوفود العربية والأجنبية، حيث كاد مطار الملك خالد الدولي يتعذر عليه استيعاب الطائرات التي تقلهم، وكثيراً ما كنا نشاهد وقوف بعضها على المدرجات قبل أن يتسنى لها بلوغ مكان التوقف المحدد لها.

قلت في نفسي، وأنا أتابع على شاشات التلفزة السعودية التي كانت تنقل مباشرة على الهواء وقائع استقبال الملك سلمان والأمير مقرن بن نايف بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء، والأمير محمد بن نايف ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية: ماذا أفعل وسط هذه الحشود التي غصّ بها الديوان الملكي؟!. وهل سيتنبه أحد الى تقديمي العزاء باسم المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع الذي انتدبني رئيسه الزميل عبد الهادي محفوظ لهذه الغاية، وباسمي الشخصي تعبيراً عما أكنّه من تقدير واحترام للملك سلمان وأنجاله، خصوصاً الأمير فيصل، الذي عملت تحت إشرافه أحد عشر عاماً، حين توليت إدارة مكتب الشركة المذكورة سابقاً في بيروت، وأصدرنا فيها الطبعة الخاصة بلبنان لصحيفة <الشرق الأوسط>، وقبلها ثلاث عشرة سنة في مجلة <المجلة> في لندن التي تملكها الشركة المذكورة أيضاً. أوَليس الوفاء يقتضي مني ذلك؟.

كما ذكرت، وقفت في الديوان الملكي وسط الزحام الشديد أطرح على نفسي الأسئلة. ولا أخفي عنكم أنني وجدت صعوبة كبرى في الوصول الى حيث يقف الملك سلمان. وأظن أنكم شاهدتم جميعاً على التلفزيون ما عنيت في كلامي هذا. لكن لم يكن يدر في خلدي أبداً أن تحصل المفاجأة.

نعم، لقد فاجأني الملك سلمان بن عبد العزيز وأنا أقدم له التعازي برحيل الملك عبد الله بقوله لي: <كيفك يا ابراهيم>، علماً أن سنوات كثيرة مضت من دون أن ألتقيه سوى مرة واحدة في الرياض قبل أربعة أعوام أثناء تمثيلي المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع للتعزية بوفاة الأمير سلطان بن عبد العزيز، ولي العهد السابق، الذي خلفه الأمير سلمان يومها بقرار من الملك الراحل عبد الله.

مناداة الملك سلمان لي باسمي عادت بذاكرتي الى محطات مضت تعرفت فيها على الملك سلمان، وكان أميراً للرياض حينئذٍ، أذكر منها اثنتين: الأولى في لندن والثانية في بيروت.

في لندن، حيث كنت أعمل مدير تحرير لمجلة <المجلة> التي كان يرئس تحريرها الزميل عبد الرحمن الراشد، ذلك الرجل الذي خصني بعناية خاصة لن أنساها مدى الحياة، جاء الأمير سلمان حاملاً معه معرضاً أطلق عليه اسم <السعودية بين الأمس واليوم>. وقد سعى من خلاله لإظهار الوجه الحضاري والثقافي والعلمي للمملكة العربية السعودية، في وقت كان يصوَّر فيه الإنسان الخليجي على أنه ابن الصحراء الجاهل يرتدي <الدشداشة> ويعتمر العقال. وكثيراً ما كان يسخر من جهله وتصرفاته، كما شاهدنا في العديد من الأفلام الأميركية والأجنبية.

معرض الأمير سلمان هذا جاء ليدحض التصور المذكور. وقد جال به في العديد من عواصم الدول الكبرى، أذكر منها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا، وحظي بإهتمام رسمي وشعبي واسع في كل المدن التي حط رحاله فيها. وثمة وسائل إعلامية غربية ذكرت أن الأمير سلمان بن عبد العزيز أعاد بلاده من خلال هذا المعرض الى خارطة العالم المتحضر.

وفي بيروت التي جاء إليها العام 2003 حيث استقبله في المطار الرئيس الراحل رفيق الحريري، وكنت في عداد المستقبلين (كما تدل على ذلك الصورة المنشورة جانباً) عرفت الأمير سلمان المحب لأهل القلم والفكر كحبه للعلم والتطور والرقي، إذ كان أول ما فعله، بعد إتمامه الإستقبالات الرسمية، دعوة مجموعة من كبار الإعلاميين والكتاب اللبنانيين الى جلسة حوار عقدت في جناحه الخاص في فندق <الإنتركونتيننتال>. ولا يمكن لمن استمع إليه متحدثاً أمام ضيوفه في السياسة ومعلّقاً على آرائهم وأفكارهم في هذه القضية أو تلك إلا ولحظ تشديده على ضرورة أن يعتمد الحاكم الصدق مع شعبه، وأن يكون صريحاً، وعليه أن يتخذ القرار بشكل صحيح مع تحمل عواقبه، كما ذكر مخاطباً الحاضرين في الوقت نفسه بالقول: <ان الكلمة أمانة ومسؤولية>، موضحاً <أن علاقتي مع الصحافة وثيقة. فأنا ناقد ومؤيد عندما أرى شيئاً أعتقد أنه يجب أن ينقد وان اقتنعوا فهذا طيب ولله الحمد>.

عندما تغادر السعودية عائداً الى بيروت، يلتقيك لبنانيون في مطار الرياض، بعضهم مضى عليه أكثر من ثلاثين سنة وهو يعمل فيها، واللافت أن جميعهم يستبشرون خيراً بتسلم الملك سلمان القيادة، ويؤكدون أن المملكة ستشهد معه عهداً أكثر إزدهاراً وتطوراً وانفتاحاً.