15 November,2018

فــــــتـش عــــن ”الـيــــــــزابـت“ الأمـيـركـيـــــــــة فــــي الاســــم الـرئــــــــاســي الـجـديــــــــد

بقلم وليد عوض

elisabeth

الخيوط لا تزال موصولة الى أبعد مدى بين الرئيس سعد الحريري والمملكة العربية السعودية، وليس أدل على ذلك من المقالة الصحافية التي نشرتها جريدة <الحياة> السعودية الصادرة في لندن، ومالكها هو الأمير خالد بن سلطان، إذ جرى تتويج المقالة في الصفحة الأولى بعنوان <الحريري: أنا من شربت كأس السم ومشيت بالمبادرة السعودية للمصالحة>. وهذا يعني ان الذي قاله وزير الداخلية نهاد المشنوق عن خطأ ارتكبه الحريري بالذهاب الى دمشق لمقابلة بشار الأسد كان صحيحاً.

وفي مفهوم الحريري ان الذهاب الى دمشق، بدعم من العاهل السعودي الملك عبد الله والرئيس الأميركي <باراك أوباما> والرئيس الفرنسي السابق <نيقولا ساركوزي> والرئيس المصري السابق حسني مبارك وأمير قطر السابق الشيخ خليفة بن حمد والرئيس التركي <رجب طيب أردوغان>، كان بقصد فك العلاقة بين الأسد وإيران ورده الى الحضن العربي.

صحيح ان رحلة سعد الحريري المدعومة من جميع تلك القيادات كانت أشبه برسم على الماء لأن بشار الأسد، في نظر سعد الحريري، كان يراوغ ولم يكن صادقاً في سلوكه العربي، إلا أن محاولة كسر الطوق السوري ــ الإيراني كان يجب أن تأخذ مجراها، وتفتح ثغرة في الجدار السوري ــ الإيراني. وتلك هي السياسة، وفي السياسة لا تسل عن المفاجآت!

والحلف السوري ــ الإيراني هو العقبة الكبرى أمام الخلاص من الشغور الرئاسي في لبنان، والوصول برئيس جديد الى قصر بعبدا. فالمطلوب لاتمام هذه المبادرة أن ينزل نواب حزب الله والتيار الوطني الحر الى مجلس النواب، ولو فعلوا لكان في قصر بعبدا رئيس يوقع المراسيم المتخذة في مجلس الوزراء، والقوانين المعقودة في مجلس النواب، ويستقبل السفراء الجدد ويتسلم أوراق اعتمادهم.

وهكذا فإن كرسي الرئاسة في قصر بعبدا أسير السلاسل السياسية لإيران وحزب الله والتيار الوطني الحر، ولا يفك أسر هذا الكرسي، حسب هذا التحالف، سوى تسليم وشاح الرئاسة للعماد عون باعتباره الزعيم المسيحي الأكثر شعبية وحضوراً، ويتلاقى في هذه الزعامة مع زعامة الرئيس نبيه بري الشيعية، وزعامة الرئيس سعد الحريري السنية، علماً بأن الرئيس بري منفتح على كل الطوائف، والرئيس سعد الحريري الذي جعل شعاره <لبنان أولاً> جدار صلب ضد أية تفرقة اسلامية ــ مسيحية.

وقد سأل الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> ضيفه في قصر <الإليزيه> البطريرك بشارة الراعي عما إذا كان اسم ميشال عون قابلاً للمرور الى قصر بعبدا، فكان جوابه انه قابل للمرور مثل سليمان فرنجية، ولكن حسم هذا الأمر متروك لمجلس النواب.

والرئيس سعد الحريري سمع السؤال نفسه من سيد قصر <الإليزيه> فكان جوابه نسخة من جواب سيد بكركي. وقد تضمنت أجندة الرئيس الحريري منذ أن فتحت معركة رئاسة الجمهورية الأسماء الثلاثة تباعاً: سمير جعجع حليف قوى 14 آذار وثورة الأرز، وميشال عون في اجتماع روما المشهور، ثم سليمان فرنجية في اجتماع باريس، ومحصلة هذه التسميات تعني ان الحريري جاهز مع كتلته النيابية لانتخاب أي من الأسماء الثلاثة إذا ضمن صاحبه النصاب البرلماني،أي 62 صوتاً.

عون وروكز!

الحريري عسسيري

وتأتي في الدرجة الرابعة أسماء مرشحة للقب <صاحب الفخامة> قائد الجيش العماد جان قهوجي المشرف على سن التقاعد، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والنائب بطرس حرب إذا استعاض به تكتل 14 آذار عن اسم سمير جعجع الذي عزّ عليه الحصول على الأكثرية النيابية المطلوبة لالباسه وشاح الرئاسة، وأخيراً وزير الخارجية الأسبق جان عبيد صاحب النسيج الوطني المقبول من معظم الشرائح السياسية، ثم العميد شامل روكز إذا لم يعترض عليه والد زوجته العماد ميشال عون.

ويتساءل وزير العمل سجعان قزي في هذا البازار الرئاسي: ماذا يشكو الرئيس أمين الجميّل وهو المعروف بنسيجه الوطني التعايشي وصداقاته الدولية؟ ومن حضن هذا السؤال والاحتجاج على مشكلة النفايات أعلن رئيس الكتائب سامي الجميّل استقالة وزير العمل سجعان قزي ووزير الاقتصاد آلان حكيم وترك حرية قرار الاستقالة للوزير رمزي جريج حليف الكتائب.

ومشكلة أهل هذه الترشيحات انهم معتقدون انهم أصحاب القرار في تسمية رئيس الجمهورية مع انهم يعلمون علم اليقين بأن للقوى الخارجية دورها وثقلها وتأثيرها في هذا الموضوع. وكان الرئيس <دوايت أيزنهاور> بالتحالف مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر صاحب الاختيار لاسم اللواء فؤاد شهاب عام 1958، وأرسل الى بيروت مبعوثه <روبرت مورفي> الذي نجح في اقناع زعيم المقاومة الشعبية الرئيس صائب سلام باسم فؤاد شهاب بدلاً من اسم ريمون اده.

كذلك دخل الرئيس عبد الناصر الى خشبة المسرح الرئاسي صيف 1964، واضاء على اسم وزير التربية شارل حلو فكان هو الرئيس بينما كان الأمير عبد العزيز شهاب قد جمع العدد الكافي من الأصوات التي تكفل له كرسي قصر بعبدا، تماماً مثلما حال العماد ميشال عون الآن. أي <أنا أريد وأنت تريد والخارج يفعل ما يريد>.

فأي أهل الخارج الآن يحيك عباءة الرئاسة في لبنان، بعد سنتين من الشغور الرئاسي والبطالة الرئاسية؟

فتشوا عن <اليزابت>!

آخر المستجدات على هذا الموضوع هو عودة الرئيس الأميركي <باراك أوباما> الى مسرح السياسة اللبنانية، بعدما انكفأ عنها أكثر من ثلاث سنوات، وترك الملعب الرئاسي اللبناني لكل من الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، وإن كان يعلم هو الآخر عدم القدرة على حجب الدور السعودي والدور الإيراني في معركة الرئاسة اللبنانية. والغريب في هذا الموضوع بقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خارج الملعب الرئاسي اللبناني، على عكس الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان هو المرجع الأول في هذا الموضوع.

كأننا بالوحي هبط مرة واحدة على الرئيس <أوباما>، فقرر أن يختم عهده بالنزول بكل ثقله في معركة الرئاسة اللبنانية، وترجيح كفة مرشح على كفة مرشح آخر. والسفيرة الأميركية الجديدة في لبنان <اليزابت ريتشارد> هي نسخة من <روبرت مورفي> زمان 1958، وتحمل كلمة السر الخاصة بالرئيس اللبناني المقبل. والاسم الذي يقف عنده الرئيس <أوباما> لا بد أن يستأنس في أمره بالرأي السعودي، كما بالرأي الإيراني عبر قنوات أخرى.

وتأتي زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لواشنطن، واجتماعه تباعاً بوزير الخارجية <جون كيري> ومدير الاستخبارات المركزية <جون برينان> ورئيس الاستخبارات الوطنية <جيمس كلابر>، وبعد ذلك بأعضاء الكونغرس، لتسجل عدة أهداف:

ــ الهدف الأول عرض <رؤية العام 2030> التي رسمتها السعودية سياسياً واقتصادياً، واستكشاف نقاط التلاقي في موضوع التجارة والسياحة والاستثمار والنفط والمصالح الاقتصادية الاستراتيجية.

ــ الهدف الثاني اختبار موقف الادارة الأميركية من تدخلات إيران في شؤون دول المنطقة والاضرار بالمصالح الخليجية والأميركية معاً. وهذا علي طلبة المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس السابق <جورج بوش> يؤكد يوم الاثنين الماضي حتمية العلاقات الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن على كل الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية، منوهاً بأن القمة الخليجية ــ الأميركية التي انعقدت في الرياض مؤخراً أكدت على ضرورة العمل على إبقاء الشراكة الاستراتيجية لأجل الوصول بالتعاون بين الطرفين الى أعلى مستوى.

ومما قاله علي طلبة، وهو مصري الأصل، ان النشاطات العدوانية الإيرانية وانتشارها في سوريا واليمن ولبنان يحتمان تعزيز الشراكة الاستراتيجية الخليجية ــ الأميركية بقدر الأهمية التي نحاول من خلالها الوصول الى <إيران مسالمة>.

إنه وقت الحيطة والحذر

kerry 1

و<إيران مسالمة> هي الدولة المطلوبة في المنطقة لتنتظم مع سائر الدول الاقليمية، وأولها الدول الخليجية، ومصر والأردن وتركيا ولبنان الذي تتعثر فيه المؤسسات الدستورية بسبب الحواجز التي نصبتها إيران أمام انتخاب رئيس جمهورية جديد للبنان، إلا إذا كان هذا الانتخاب على مقاس حليفها العماد ميشال عون.

وقد استجد عامل جديد تلوح فيه مصالح إيران وحليفها حزب الله وهو حركة التصدي للعقوبات المالية الأميركية بحق التحويلات المالية والأرصدة المصرفية لحزب الله، وظهور خيوط مصالح حزب الله في تفجير مبنى بنك لبنان والمهجر، علماً بأن أي اتهام في هذا الخصوص لم يصدر عن ادارة البنك ولا عن جمعية المصارف ولا عن الاجتماع الطارئ الذي عقده الرئيس تمام سلام في السراي وضم وزير المال علي حسن خليل، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ورئيس جمعية المصارف الدكتور جوزف طربيه، وبحث فيه حادث التفجير.

وهي الآن مرحلة الحيطة والحذر. فقد تكون الأصابع المخابراتية وراء تفجير مبنى <بنك لبنان والمهجر> وقد تنتقل هذه الأصابع الى بنك آخر، وكل الاحتمالات واردة وإن كانت أجهزة الجيش وشعبة المعلومات بالمرصاد والقطاع المصرفي في أعلى درجات التماسك!

يبقى السؤال: هل تطرق اجتماع الأمير محمد بن سلمان مع المسؤولين الأميركيين الى الشغور الرئاسي في لبنان، على أساس انه واحدة من مشاكل المنطقة؟ ربما حصل ذلك من خلال عودة الإدارة الأميركية الى الاهتمام بالوضع اللبناني بعدما انصرفت عنه أكثر من ثلاث سنوات، وتركت الملف لمقاولين آخرين.

راقبوا تحركات السفيرة الأميركية الجديدة <اليزابت ريتشارد> للقبض على الجواب، ومعرفة الاسم الرئاسي الجميل عند <باراك أوباما> كما كان اللواء فؤاد شهاب عام 1958 الاسم الجميل عند الرئيس <دوايت أيزنهاور>!