18 November,2018

فضيحة تصدير النفايات الى الخارج تكبر بعد قرار مجلس الوزراء ومعرفة حجم كلفتها!

 

بقلم جورج بشير

فرنجية-الراعي لا يبدو على بعض حكّام وسياسيي لبنان مع إطلالة العام الجديد 2016 أنهم تأثروا بالأصوات العالية المرتفعة في كل الأنحاء اللبنانية على امتداد الجمهورية من قبل المرجعيات السياسية والروحية والإعلامية، والمستنكرة لصفقات الفساد التي فاحت روائحها الكريهة في أنحاء الجمهورية الـ<بلا رأس>، والمعقودة على حساب القانون والمصلحة العامة والمال العام، سواء لمضاعفة ثروات الحرام لحكّام حاليين وسابقين، أم تلك الصفقات المؤدية الى تعزيز مراكز نفوذ بعض هؤلاء في السلطة أم في عالم السياسة، بل على العكس، فإن هؤلاء بدلاً من أن يفرملوا جهودهم للتصدي لعقد الصفقات المشبوهة خصوصاً تلك المعقودة أخيراً في مجال تلزيم فرز وتصدير النفايات من لبنان الى الخارج أو إحالة المرتكبين السابقين في مجال عقد الصفقات السابقة الى العدالة ومحاسبتهم بإخضاعهم لنظام مساءلة ومحاسبة لم يتعوّد عليه لبنان في الماضي، عمد هؤلاء، وكأن اللبنانيين غائبون عن الوعي أو أنهم طرش وعميان، لا يسمعون ولا يقرأون ولا يفهمون ما يجري في كواليس ومغاور السياسة والسياسيين وبعض الحكام على هذا الصعيد بالنسبة لصفقة تصدير النفايات الى خارج لبنان بحيث أن تكلفة الطن الواحد باتت تتجاوز بعد الموافقة المشبوهة عليها في مجلس الوزراء الثلاثمئة دولار وما فوق بعد أن كانت أيام <السوكلين> تبلغ 180 دولاراً للطن، والشكوى منها عارمة…

صحيح أن جبال النفايات باتت مشوّهة لصورة لبنان الجميلة، وأن الروائح والجراثيم المنبعثة من هذه الجبال لا تزكم الأنوف فحسب، بل هي نشرت الأوبئة في طول لبنان وعرضه، وبات من الضروري تقديم معالجة هذا الموضوع على ما عداه من رئاسة جمهورية، الى حكومة جديدة، أو الى قانون جديد للانتخابات النيابية.

وصحيح أيضاً وأيضاً أن لبنان وُضع أمام الأمر الواقع بعد إقفال المطامر ونشوب أزمة نفايات غير مسبوقة في لبنان، ولكن الواضح أن لا صفقة <سوكلين> سابقاً كانت شفافة بل تميزت بالفساد والإفساد، ولا <مسرحية> مناقصة تلزيم النفايات التي أُجريت ومن ثم أُلغيت بحجج واهية، مع أن بعض أصحاب الخبرة في هذا المجال الذين <يستفظعون> أن تقدم الحكومة على إقرار الصفقة الأخيرة لتصدير النفايات من دون معرفة من هو الوكيل ومن هو المصدّر، ومن هي الدولة التي وافقت سلفاً على القبول بنفايات لبنان على أراضيها، وقبل المناقصة، يقولون: إن السعر 350 دولاراً للطن الواحد تدفعه خزينة الدولة بالاشتراك مع البلديات بحصة 40 بالمئة، تُحسم من أصل الحقوق المالية المترتبة لبلديات لبنان في ذمة وزارة المال من عائدات الخلوي، وهذه العائدات أصلاً هي وديعة لهذه البلديات تجبيها وزارة الاتصالات من المشتركين على أن تسدّدها الخزينة لحساب البلديات غبّ الطلب كونها مجرّد أمانة، لكن هذه الأمانة على ما يبدو تصرّفت بها الحكومات المتعاقبة من دون إذن صاحب العلاقة، ألا وهو البلديات لتعمد الدولة بعد ذلك لممارسة الابتزاز مع هذه البلديات كلما طالبت بحقوقها المكتسبة وبالأمانة المودعة لدى الخزينة لحسابها…

انشغالات الطبقة السياسية

وإذا كانت الحكومة منشغلة بقضية واحدة، ألا وهي قضية تصدير النفايات الى الخارج، فإن السؤال المطروح في جميع الأوساط على اثر مهزلة النفايات واستمرار تكديسها لإجبار اللبنانيين على التسليم بالأمور الواقعة التي هي في مصلحة <المافيا> وليست في أي حال في مصلحة لبنان، بماذا ينشغل النواب؟ نواب الأمة والكتل النيابية التي ينتظر كل منها أن يأتي انفراج الازمة السياسية من هذه الجهة الخارجية أو تلك، لحل الأزمات السياسية الخانقة وفي طليعتها أزمة انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، هذا المنصب الشاغر منذ سنة ونصف السنة، لأن هذه الجهة السياسية لديها مبادرة، وتلك الجهة لا تلبّي الدعوات المتكررة لانتخاب الرئيس العتيد ولا تكمل النصاب القانوني المطلوب تأمينه لانعقاد الجلسة لأنها تريد رئيساً قوياً للبلاد…

<القضية ليست رمّانة، بل قلوب مليانة>… وهذه حقيقة بات يسلّم بها الجميع، ألا وهي أن الثقة باتت مفقودة بين الأطراف الداخلية السياسية التي تشكّل <بيضة القبان> بالنسبة للقرار السياسي المؤدي الى ملء سدة رئاسة الجمهورية بإكمال النصاب، فضلاً عن أن أفرقاء معنيين بالانتخاب باتوا يعتمدون سياسة النكاية من خلال تعاطيهم مع بعضهم البعض من جهة، ومع الكتل السياسية المقابلة من جهة ثانية، فيما اسم النائب سليمان فرنجية ما زال معلقاً، وانتخابه رئيساً تنفيذاً للمبادرة التي أطلقها الرئيس سعد الحريري في باريس أمر لم يُحسم من القوى السياسية المؤثرة الى اليوم، مما جعل المراقبين يتوقعون أن تطول أزمة الشغور في سدة الرئاسة الأولى الى ما بعد شهرين أو ثلاثة أشهر على الأقل، خصوصاً بعدما أشار البطريرك الماروني الكاردينال الراعي في عظة يوم الأحد الماضي <مصححاً> ما جاء على لسانه بشأن مبادرة الرئيس الحريري حول موضوع انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، معتبراً إياها مهمة، بأنّه لم يكن يقصد مرشحاً معيناً من خلال تلك المبادرة، إنما كان يقصد المبادرة كتحرّك الى الأمام من أجل حث الكتل السياسية على انتخاب رئيس الجمهورية العتيد وليس بالتحديد مرشح معيّن من بين المرشحين… كلام البطريرك الراعي في بكركي يوم الأحد الماضي اعتبره المراقبون تأكيداً على ان بكركي ما زالت عند موقفها المبدئي القائل بضرورة انتخاب رئيس للجمهورية في أسرع وقت ممكن، وإنهاء الشغور الحاصل بفعل عدم الانتخاب، على أن يستند هذا الرئيس إلى قاعدة سياسية وشعبية، وأن يلازم عملية الانتخاب إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية يصحح التمثيل المسيحي في مجلس النواب ويحقق العدالة ويطبّق اللامركزية في البلاد.

طبعاً، هذا الأمر أو هذا الشرط، ما زال يلقى معارضة قوية من كتلتي التيار الجنبلاطي وحركة <أمل>، ناهيك عن موقف كتلة <المستقبل>، وهذه الكتل تطالب بانتخاب الرئيس العتيد أولاً لإنهاء الشغور في الرئاسة الأولى، وبعد ذلك يُصار الى البحث في أول حكومات العهد الجديد بقانون الانتخابات النيابية المطلوب.

على الوعد يا كمّون!

مجلس-وزراء 

أحزاب التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية وحتى الكتائب تعتبر أن <الوعد> المُشار إليه من المشترطين انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية أولاً، <بأن المرء لا يُلدغ من الجحر مرتين>، فكم بالحريّ ثلاث مرات، لأن مثل هذا الوعد سبق وأن قطعه أصحابه منذ <مؤتمر الدوحة> ونام <نومة أهل الكهف> في الأدراج السياسية، مما أدى الى تمديد ولاية مجلس النواب مرتين متتاليتين.

وأمام هذا الواقع، أصبح لبنان معلّقاً بين أمرين لا ثالث لهما: إنتخاب الرئيس أولاً، أم إقرار القانون الجديد للانتخابات النيابية أولاّ؟ فيما البلاد على كف عفريت الانتظار تحت وطأة انتشار روائح الصفقات وجراثيم النفايات وشلل الإدارة وانتشار الفساد في ربوعها، ناهيك عن تعاظم الدين العام وخدمة هذا الدين…

الأسباب الخارجية لتطورات الحرب في سوريا والعراق، وإسقاط المطلب الأميركي – الأوروبي أمام مجلس الأمن الدولي المتعلق بالنظام السوري وعدم إشراك الرئيس بشار الأسد في محادثات الفترة الانتقالية، وهي – الأسباب – التي دفعت بالوزير وليد جنبلاط لحث الرئيس الحريري والكتل السياسية وحتى الديبلوماسية السعودية على إطلاق مبادرة الانتخاب الرئاسي من باريس واقتراح اسم النائب فرنجية مرشحاً، هذه الأسباب، ما زالت قائمة وهي تكبر وتتضاعف مع مرور الأيام والتطورات الدراماتيكية في الحرب السورية والعراقية ضد المنظمات الإرهابية، خصوصاً مع اقتراب المساعي الدولية بقيادة الأمم المتحدة لوقف النار في سوريا وعقد مؤتمر مشترك في جنيف بين نظام الرئيس الأسد ومعارضيه تنبثق عنه في نهاية الشهر الأول من السنة الجديدة كما هو متوقع أول سلطة انتقالية في سوريا بعد الحرب.

ومع دخول لبنان في العام الجديد 2016 تطوي الأزمة السياسية فيه سنة جديدة، بحكومة من 24 رأساً، وبرلمان معطّل أو شبه معطّل، فيما الأزمة الاقتصادية تتفاقم، وكأن ملامح المؤتمر التأسيسي في البلاد تطل وتتوضح أكثر فأكثر يوماً بعد يوم أمام الشرخ الحاصل في البلد بسبب النزاع السني – الشيعي من جهة، والخلاف المبدئي بين الطرفين حول مشاركة حزب الله في الحرب السورية ووجود السلاح الصاروخي المتطور معه، والصراع الآخر المتمثل في تنازع طرفي 8 و14 آذار إذا صحّ التعبير على مراكز النفوذ السياسي في السلطة، وانصراف أشقاء وأصدقاء لبنان من الدول الى الاهتمام بمشاكلها ونزاعات الشرق الأوسط، ناهيك عن رغبة هذه الدول بالبقاء بعيدة عن التورط <المكلف> بشجون وشؤون أزمة متواصلة منذ ما قبل <مؤتمر الطائف> الى اليوم. وكل المبادرات التي حُكي عنها وروّج لها (فرنسية، فاتيكانية، سعودية)، وغيرها لم تتحرّك الى اليوم، ولا توجد أية مؤشرات في الأفق الديبلوماسي الى إمكانية تحوّل هذه المبادرات من شائعات الى حقائق ملموسة.