6 June,2020

فرنجيّة يفتتح مزاد الرئاسة وباسيل يُجنّد طاقاته

[whatsapp]

 

بقلم علي الحسيني

 

مجلس النواب الحالي…مركز القرار والتسويات

فُتحت معركة الرئاسة الأولى في لبنان، ليس من الآن فحسب، إنّما منذ أن اشتعلت الحرب السياسية على خلفيّة القانون الإنتخابي الذي جرت على أساسه الإنتخابات النيابية الماضية، حيث صبّ كل الكلام آنذاك عن قانون تم تفصيله على قياس فئة محددة قد يسمح لها بالوصول إلى قصر الحكم في بعبدا. ويبدو أن المناظرة غير المباشرة بين المرشحين الأبرزين رئيس تيّار “المردة” سليمان فرنجية ورئيس “التيّار الوطني الحر” النائب جبران باسيل والرسائل السياسيّة المعطوفة على الإتهامات المُتبادلة، هي التي ستُحدّد مستقبلاً، من هو الرئيس المقبل.

فرنجيّة يفتتح المعركة بهجوم ناري ضد باسيل

سليمان فرنجية…افتتاح المعركة

 بعد عامين وبضعة أيّام على الإنتخابات النيابية التي جرت في السادس من أيّار(مايو) عام 2018 والتي أفضت إلى قلب الموازين السياسيّة في البلاد بعد أن تقلّصت أحجام بعض الكتل إلى ما دون النصف، وأربع سنوات وخمسة أشهر على إنتخاب ميشال عون رئيساً للبلاد، بدأت تلوح في الأفق، جديّة المعركة الرئاسية المقبلة بين الأقطاب الموارنة المعنيين بشكل أساسي بهذه المعركة. وعلى هذا الأساس افتتح فرنجيّة معركته بوجه باسيل الطامح الأبرز بالوصول إلى كُرسيّ بعبدا، لما يرى في نفسه أحقيّة بهذا المنصب مُرتكزاً على كتلة نيابيّة وازنة، وحليف قوي اسمه “حزب الله”، رغم أن هذا الأخير لم يقل حتّى اليوم كلمته الفاصلة.

 لم تكن إطلالة فرنجية الأخيرة مجرد إطلالة إعلامية أو للدفاع عن بعض المتهمين لدى القضاء اللبناني، بل كانت بمنزلة إعلان فتح حرب حول رئاسة الجمهورية وتحديداً مع باسيل، الذي اتهمه الزعيم الشمالي الماروني “بفتح ملف الفيول لأن حرب الرئاسة بدأت عند باسيل”، ليستطرد بعدها بالقول “أنا غير مرشح للرئاسة بل إن اسمي مطروح، وجبران ربّ ربّك ما بيعملو مختار”.

 واللافت أن فرنجيّة كان قد افتتح مؤتمره الصحافي بتفجّير قنبلة سياسية قضائية في وجه العهد وباسيل على خلفية ملف الفيول المغشوش، وذلك من عيار “كذبتم على الناس عام 1989 ودمّرتم لبنان والمناطق المسيحية، وكذّبتم في حرب التحرير وكنتم تفاوضون

سعد الحريري…أول من طرح اسم فرنجية

السوريين، ويوم دخل الجيش السوري إلى بعبدا كان ميشال عون بانتظار غازي كنعان لكي يُبرم معه تسوية رئاسية”. وتوجّه فرنجيّة إلى العهد وباسيل بالقول “إذا أرادوا الحرب فليكن وإذا أرادوا السلم نحن جاهزون، نحن بمشروع سياسي واحد ولكن الضعفاء والجبناء يظلمون ويتمرجلون بالسلطة ولكن التاريخ لن يرحمهم”.

 وتوجّه الى التيار بالقول: الذين آمنوا بكم وناضلوا في 7 آب (اغسطس) تركوكم لأنكم بنيتم مجدكم على السلطة والسلطة لا تدوم، مشيراً إلى أن الرأي العام سواء كان معنا أو لا إلا أنه يصدّقنا ولكنه لم يعد يصدّقهم. وسخر فرنجية من ربط شعار اكتشاف النفط والغاز بجبران باسيل ، كاشفاً “أن البلوكات التي تمّ الحفر فيها خالية من النفط، وعندما رأيت الرئيس على باخرة الحفر “استفولت”.

رئاسة الجمهورية ترد على فرنجيّة

 وتعليقاً على ما أورده فرنجية، قام مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بالرد قائلاً: بدلاً من أن يفاخر السيد فرنجية بحمايته لمطلوبين من العدالة، كان الأجدر به أن يرفع غطاءه عنهم ويتركهم يمثلون أمام القضاء الذي هو الجهة الصالحة لتبرئتهم أو إدانتهم. وفي ما عدا ذلك من كلام السيد فرنجية الانفعالي، فهو لا يمتّ، في معظمه، إلى الحقيقة بصلة وفيه تزوير للوقائع وبالتالي لا يستحق الرد، وإن كان حَفِل بالإساءات التي تضرّ بسمعة لبنان ومصلحته واقتصاده ودوره وحضوره في محيطه والعالم، لا سيما ما ذكره عن موضوع التنقيب عن النفط والغاز.

 وفي السياق أكدت مصادر وزاريّة مُقربة من رئاسة الجمهورية لـ”الأفكار” أن الرئيس عون ورئيس الحكومة حسّان دياب ومعهما الحلفاء، يُصرّون على تبرير فتح بعض الملفات، بالتأكيد على وجوب اتخاذ خطوات عملية وعدوا بها لمكافحة الفساد من دون أي تهاون مع المرتكبين. وتعتبر المصادر أن الخطوات العملية لمكافحة الفساد باتت أولوية لاستعادة أموال منهوبة وإثبات جدية الدولة في ذلك أمام المجتمع الدولي الذي يشترط على لبنان ذلك في هذا المجال، حتى يتلقى المساعدة على تجاوز أزمته. وتؤكد تلك المصادر أن الحسم في هذا الملف متروك للقضاء.

ولباسيل معركته أيضاً..وعلى طريقته

جبران باسيل…اختصار الطريق

 مهّد النائب جبران باسيل الطريق لنفسه لوضع رجله الأولى على طريق الوصول إلى الكرسي الرئاسي من خلال طرح فرضيّة إستقالة رئيس الجمهوريّة في حال أراد هو ذلك، وذلك من باب أن رئيس الجمهورية لا يسقط الاّ اذا اراد هو أن يستقيل وأكيد ليس الجنرال عون من يفعل ذلك، لكن إذا تحقّقت فرصة التصحيح سيخرج أقوى مّما دخل ولذلك هم لا يريدون للفرصة أن تتحقّق ويتمنون الانهيار. ودافع عن تيّاره السياسي بأن “التيّار شعب له قضية ولا ينتهي الاّ اذا انتهى الشعب، وشعبنا سيواجه كل الصعاب وينتصر عليها والتيّار سيبقى قوياً في طليعة شعبه”.

 كما افتتح باسيل بازار العلاقات مع الخارج بهدف تصحيحها إفساحاً في المجال لتسويق نفسه كشخص توافقي في الخارج وفي الداخل، من هنا كانت دعوته “أننا جاهزون دوماً لتحسين العلاقة مع أي طرف خارجي إذا كان الأمر يساعد لبنان على النهوض ولا يمسّ بسيادتنا، وجاهزون للتفاهم الوطني أو التلاقي الموضعي مع أي طرف داخلي إذا كان الأمر يساعد لبنان على النهوض ولا يمسّ بمبادئنا ودوماً جاهزون للوحدة حول أي فكرة مع أي طرف في مجتمعنا إذا كان الأمر يساعد لبنان على النهوض ويساعد مجتمعنا على الصمود ولا يمسّ بتنوّعنا ووحدتنا الوطنية”.

أولى إشارات الطموح “الباسيلي”

 مصادر مقرّبة من “المردة” تؤكد لـ”الأفكار” أن أولى الإشارات الأساسية والرئيسية التي أظهرت توجه باسيل الرئاسي، برزت عند زيارته الى موسكو في أذار (مارس) من العام الماضي ضمن الوفد المرافق لرئيس الجمهورية واجتماعه مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، وكانت المرة الاولى التي يتحدث فيها وزير الخارجية مع زعيم الكرملين.

 وتضيف المصادر: يومها لم يشأ عون تقديم باسيل إلا بصورة الرجل القادر على الحفاظ على النهج الرئاسي الذي يسير عليه والذي سيكون وسيبقى محل اطمئنان عند القيادة الروسية التي تتابع عن كثب مسار السياسة اللبنانية وتشعباتها، وأيضاً في موضوع النفط والغاز المُنتظر، وكان مقرراً يومها أن يضم الوفد سفير لبنان في موسكو شوقي بو نصار، لكن باسيل شطب اسمه وقد فوجئ الروس بهذا الأمر، ليتبيّن لاحقاً أن عون أراد أن يفاتح الرئيس “بوتين” بأمر دعم باسيل للرئاسة.

 اليوم، ثمة إجماع سياسي على أن شرارة المعركة الرئاسية كانت انطلقت منذ بداية المشاورات الرسمية لتشكيل الحكومة العتيدة، حيث أن باسيل حاول آنذاك ومن خلال مناوراته، انتزاع وعد من “حزب الله” برئاسة الجمهورية، الا أن الحزب رفض ذلك معتبراً أن تجربة الرئيس عون استثنائية ولا يمكن تكرارها لجهة تعطيل البلاد من أجل رضوخ باقي الأفرقاء للسير بباسيل أو سواه، كرئيس توافقي للجمهورية، وبالتالي فإن الوعد القاطع لا يسري على أي من الطرفين معتبراً أن لكل مرحلة ظروفها.

بين حيوية باسيل وأخطائه

 وفيما يدرج مراقبون ضغوط باسيل للهيمنة على الحكومة ضمن جهوده لتحسين شروط وصوله إلى بعبدا بعد انتهاء عهد الرئيس عون أو بسبب أي طارئ قبل ذلك، فإن فرنجية يعتبر نفسه مرشحاً قوياً لهذا الموقع ولا يريد لباسيل أن يحرمه من فرصة سبق لعون أن أبعده عنها حين اتفق حزب الله وتيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية على دعم عون لرئاسة الجمهورية في انتخابات تشرين 2016.

 المؤكد، أن كل هذا، لا يُلغي أن خصوم باسيل يعترفون بحيويته وقدرته على مجاراة الأمور، لكنهم في المقابل يستغلون الأخطاء التي يرتكبها ولعلّ أبرزها  المسلسل الأمني الفاشل في وزارة الخارجية والمغتربين يوم كان على رأسها وإهانة الطاقم الديبلوماسي فيها. وهنا يخرج البعض ليحكم على مسيرة باسيل بأن مجده يبقى من مجد الرئيس عون، والأيام كفيلة بتكذيب هذا الحكم او تثبيته

موقف حزب الله

نواب حزب الله…دراسة وتأن

  دائماً يلعب حزب الله دور “الحكم” في كل خلاف بين حلفائه، بمسايرتهم أحياناً أو بإجبارهم على طريقته بالسير بما يراه مناسباً، ولكن هذه المرة يبدو أن الحزب يقف متفرجاً في الصراع القائم بين فرنجية والعهد، وهو لم يبادر بأي وساطة حتى الساعة للقاء الأفرقاء أو الجمع بينهم، كما كان لافتاً عدم تدخله قبل مؤتمر فرنجية الصحفي لحثه على تخفيف خطابه، وهذه العادة التي درج على فعلها مع حلفائه. 

 وفي هذا السياق، يرجح مراقبون أن الحزب فعل ذلك عن قصد للضغط على العهد وباسيل وإحراجهم وتذكيرهم بأن مرشحه لرئاسة الجمهورية جاهز دائماً، والسبب في ذلك أن حزب الله غير راض كثيراً عن أداء باسيل وفريقه، ودائماً ما ألمح إلى ذلك مفضلاً دائماً الحديث مع الرئيس عون بدلاً من باسيل. ويرى المراقبون أن حزب الله لم يعارض خطوة فرنجية تجاه باسيل والعهد، وذلك بهدف ضبط الإيقاع من جديد ولكن على “نغمة مسيحية” كي لا يظهر موقفه من العهد على أنه طائفي، فلذلك ترك الحرية لفرنجية في مؤتمره، وخصوصاً أن الحزب ستعود له كلمة الفصل خلال الاستحقاق المقبل، لاختيار الرئيس الذي يراه مناسباً.

ماذا عن القوات اللبنانية ؟

سمير جعجع…حذر وترقب

 الجميع يذكر أن ترشيح الرئيس سعد الحريري لسليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، هي “النقزة” التي جمعت بين الرئيس عون  الذي كان يومهاً نائباً ورئيساً لـ”التيار الوطني الحر” وبين رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، وهي التي دفعت الأخير إلى دعم ترشيح الأول لرئاسة الجمهورية. لكن اليوم، يعتبر حزب “القوّات” أن الشغل صعب و”العدّة” التي تُستخدم لمواجهة منظومة الفساد متعددة الأوجه، ورغم هذا فإن المعارك السياسية بالنسبة اليه والتي تُخاض للوصول إلى كرسي الرئاسة، هي حق مشروع، لكن شرط أن تكون ضمن الضوابط السياسية وأيضاً الأخلاقية، لا أن تُستخدم فيها المواقع والمراكز والصلاحيات وتُجيّش فيها الإدارات.

 وبرأي مصادر “قواتيّة” فإن اتفاق “معراب” لم يكن يتعلق بانتخاب الرئيس عون فقط، بل هو اتفاق له ما قبله وما بعده يتعلق باستراتيجية كاملة للعلاقة بين الطرفين، ولا تتعلق المسألة بالنصوص فقط وبالبنود. والأبرز أنه لا يجوز أو يُمكن “التحايل” على الإتفاق أو نكرانه لأنه لا يزال عليه أن يحقق الكثير ولأن المنتظر منه كثير بعد. وبرأي المصادر أن ثمة عمليّة تحايل بدأت مع مرحلة تأليف الحكومة السابقة ثم كرت سبحة التعيينات بعدها ومحاولات الإستئثار بها. مع هذا ظللنا ننتظر العودة إلى تطبيق بقيّة تفاهم معراب الذي أمّن نقاط القوّة للعهد.

 وفي ختام موقف القوات، تعتبر مصادره أن “القوطبة” على القرار المسيحي، هي محاولات لن تمر ولن يُكتب لها النجاح، وسنُفاجئ الجميع بما نمتلكه من قدرات إيمانية بشعبنا وقدراته، ومن يظن أن البلد يُمكن أن يكون لقمة سائغة له، هو مُخطئ وسيكتشف حجم الخطأ الذي ارتكبه في ساعتها. وهذا لا يعني أننا سنقف مكتوفي الأيدي إلى حينه، بل أن سعينا لإقامة دولة ومؤسسات اتفق على طبيعتها في اتفاق “معراب”، لن توقفه أطماع شخصيّة ولن تكسره محاولات الإلتفاف على المبادئ العامة.