13 November,2019

فراغ حكومي في الأسبوع الثالث.. متى تكون القيامة؟

بقلم علي الحسيني

يستمر الحال في لبنان على حاله. فالحكومة ما زالت تبحث عن نفسها وسط ضياع سياسي عالق بين حكومة سياسية أو تكنوسياسية، وبين حكومة تكنوقراط، وفي كلتا الحالتين، يعود الأمر للشارع الذي يُصر في اسبوعه الثالث البحث عن المتهمين بالفساد وأيضاً على قاعدة <كلن يعني كلن>، لكن الامر الوحيد الذي تغيّر أو طرأ على الحراك في الميدان هو التوقيت حيث إن المواعيد تغيّرت من ثابتة إلى حيث تستدعي الضرورة. وقد استدعت هذه الضرورة يوم الاحد الماضي، الدعوة إلى تظاهرة حاشدة في وسط بيروت والشمال تحت عنوان <أحد الوحدة> والتي بدت وكأنها رد على التظاهرة الغفيرة التي خرجت دعماً للعهد والتي تميّزت بلونها <البرتقالي>.

 

وجهة الحكومة المقبلة.. من يقررها؟

لا تزال عملية تشكيل الحكومة تُشكل المعضلة الأساس بالنسبة إلى جميع الأفرقاء السياسيين الذين يصبون جل اهتماماتهم على النوعية التي من المفترض أن تكون عليه، في وقت يقوم كل فريق بجمع حسابات الربح وضربها بنتائج المقاعد حتى لا تتحول الأمور إلى نقصان وخسارة سياسية مع مرور الوقت،  وذلك بعد ان عجز الرئيس سعد الحريري عن مد حكومته بجرعات الإستمرار وعن تأمين <الاوكسجين> السياسي المطلوب لإطالة عمرها أو حتى إخراجها من عنق الزجاجة بعد الإحتجاجات الشعبية التي لم تطالبه بشيء سوى بالإستقالة. ويبدو أن الإستقالة هذه، قد تُدخل البلاد في مأزق جديد كان حذر منه الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله بقوله <في زمن الإتفاق السياسي بقينا 9 أشهر لكي نؤلف الحكومة، ومن يضمن تأليف حكومة جديدة بالسرعة المطلوبة، في حال استقالة الحكومة الحالية؟>.

والصحيح القول، إن الاحتجاجات التي شملت مدن لبنان الكبرى، ومنها المعاقل الشعبية المهمة لقوى الحكومة الأساسية كتيار <المستقبل> بزعامة الحريري وحركة <أمل> وحزب الله و<التيار الوطني

الحر>، قد أدخلت فعلاً السلطة اللبنانية قاطبة في أتون إيجاد مخرج يحفظ ماء وجهها والتسليم بالجروح والندوب التي أصابتها على مدى الأسابيع الثلاثة، واستقالة الحريري وقبول الرئيس ميشال عون لها، والطلب منه تصريف الأعمال، جاءت في توقيت حرج لرئيس البلاد نفسه وربما لتياره السياسي برئاسة وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل ولبقية الأحزاب على حد سواء. لكن الحقيقة الثابتة، وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة والبحث عن مخرج يرضى به كل الأفرقاء السياسيين، هي الإهتزاز الكبير التي تعرضت له التسوية السياسية بين عون والحريري، والتي كانت نسجت بينهما قبل ثلاث سنوات، وأفضت إلى وصول عون لرئاسة الجمهورية والحريري للحكومة. فاليوم بدا الحريري وكأنه رمى بقنبلة دخانية في ملعب العهد الذي لم يجد سوى شارعه <البرتقالي> ليستنجد به، فكانت أولى المحاولات، تظاهرة حاشدة على طريق قصر بعبدا خاطبها عون بجملة معبرة: <بحبكن كلكن يعني كلكن>.

 

العودة إلى الشارع.. ومشانق في <وسط بيروت>!

 

الاسبوع المنصرم طوى الرئيس عون عامه الثالث في الحكم، على وقع بداية الاسبوع الثالث الانتفاضة الشعبية الرافضة للواقع السياسي الحالي والمطالبة بالتغيير الجذري، وعلى وقع فراغ في السلطة التنفيذية عقب استقالة الحريري تحت ضغط الشارع. وعلى الرغم من ان الحراك الشعبي تمكن من اسقاط الحكومة، وتحقيق أولى مطالبه، الاّ أن هذا الأمر لم يكن كافياً لديه لاعادة فتح الطريق. فبعد بيان قيادة الجيش الذي ساهم بإعادة الحياة الى طبيعتها لفترة زمنية قصيرة، عادت الطرقات الى الاقفال مساء الأحد رفضاً لتكلؤ السلطة في الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة وتشكيل حكومة جديدة.

وتحت عنوان <أحد الوحدة>، وتلبية للدعوة إلى التظاهر التي أطلقها الحراك اللبناني بهدف مواصلة الضغط في الشارع من أجل الإسراع بتحديد موعد للإستشارات النيابية بتكليف رئيس حكومة جديد، واصلت الحشود توافدها يوم الأحد الماضي إلى ساحة الشهداء في بيروت. وقد غصّت أبواب العاصمة منذ الصباح، بتوافد المتظاهرين حاملين شعارات تطالب بحكومة تكنوقراط وبمحاسبة المسؤولين عن الهدر والفساد. ومنذ الفجر، أٌقيمت التحضيرات اللازمة في ساحة الشهداء لاستقبال الأعداد الوافدة من معظم المناطق والبلدات اللبنانية حاملين الاعلام اللبنانية وسط تدابير امنية مشددة اتخذها الجيش والقوى الأمنية في محيط الساحة. كما أُقيمت جلسات حوارية بين المتظاهرين داخل الخيم المخصصة للنقاشات السياسية والإجتماعية والإقتصادية.

وكان لافتاً المشهد المُعبّر عن رفض الحراك لما آلت اليه الأوضاع في البلاد والذي تمثّل بـ3 مواطنين بدوا وكأنهم معلقون على حبال المشانق، وذلك تعبيراً عن رفضهم المطلق للطائفية والعودة للحرب الأهلية، وض

دّ السرقة والتجويع، ومطالبة باسترجاع المال العام ومحاسبة الفاسدين. وفيما كان حراك الشارع من بعبدا إلى <وسط بيروت> يعيش ساعات النشوة بـ<الإنتصار>

الجماهيري الذي حققه <الشارعين>، خرجت عن دوائر القصر الجمهوري تطمينات تُفيد بأن الرئيس عون سوف يدعو في أقرب وقت إلى إستشارات نيابية مُلزمة إنطلاقاً من قاعدة الإتفاق بين جميع المكونات السياسية بضرورة إنهاء الوضع الحالي واستبداله بحكومة تنال رضا الشارع، ولو بأقل الممكن. وقد رشحت المعلومات أن عودة الحريري لرئاسة الحكومة ولو بشروط مُسبقة قد يُقابلها الرجل بشروط مضادة. لكن الأهم هو أن أي حكومة لا بد لها أن تعمل اولاً، على تنفيذ الورقة الإصلاحية ومكافحة الفساد كخطوة أولية لاسترضاء الشارع وفك أزمة تسكير الطرقات.

بين الحريري وباسيل.. أين يقف حزب الله؟

 

بحسب الواقع التي آلت اليه الأمور في البلاد، وبحسب القراءات السياسية للأزمة التي تطال الجميع دون إستثناء، تمخض لدى البعض بأن تسويق الحريري لحكومة <تكنوقراط>، إنما المقصود من الفكرة استبعاد الوزير باسيل المُستهدف الأول والأبرز من حراك الشارع، حتى ولو قيل إن حزب <القوات اللبنانية> هو من يقف خلف هذه المطالب. لكن قلق الحريري اليوم، هو ان الجهات المعنية داخل الحكومة المستقيلة والتي لها اليد الطولى في تشكيل الحكومة المقبلة، لم تُعلن بعد عن مواقفها لا بالنسبة إلى نوعية مجلس الوزراء المقبل، ولا حتى بالنسبة إلى الأسماء التي ستتمثل فيها رغم ان الحريري من أكثر المؤيدين للطرح الذي يدعو إلى تسمية شخصيات مُحايدة لا تتبع سياسياً

لأي جهة حزبية أو إلى حكومة حيادية إنقاذية تقوم على فصل الوزارة عن النيابة، والقوى السياسية ولاسيما منها الثنائي الشيعي لا تزال تدرس هذا الخيار اضافة الى خيارات اخرى.

من جهة مقابلة، تُدرك هذه الجهات كافة، أن تسمية أي شخص غير الحريري سيؤدي إلى مواجهة واسعة في الشارع على اعتبار أن الحراك من أقصاه إلى أقصاه، خرج تحت شعار <كلن يعني كلن>، وإخراج الحريري وحده من مملكة الحكم، يُناقض هذا الشعار ويمنح الحصانة ضد المحاسبة، لفريق دون آخر، كما وأنه سوف يأكل بكل تأكيد من رصيد <الثورة> ويُفرغها من مضمونها. ومنعاً للإحراج أو الدخول في سجالات سياسية داخل المجلس النيابي، فقد أعلنت رئاسة مجلس النواب صباح يوم الاثنين الماضي انه عملاً باحكام الفقرة الثانية من المادة 44 من الدستور، والمادة الثالثة من النظام الداخلي لانتخاب اميني سرّ وثلاثة مفوضين، وعملاً باحكام المادة 19 من النظام الداخلي لانتخاب اعضاء اللجان النيابية،  يعدل موعد الجلسة التي كانت مقررة في الساعة الحادية عشرة من يوم الثلاثاء في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 الى يوم الثلاثاء الواقع فيه 12 منه الساعة الحادية عشرة. وهنا تقول مصادر سياسية لـ<الأفكار> أن التأجيل جاء بتمنّ من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، قاصداً بذلك إضفاء أجواء إيجابية على عمل المجلس، وهذا يتعلق طبعاً وبشكل أساسي بتوافق الجميع حول كل ما يتعلق بعملية تشكيل الحكومة، كاشفة أن بري أعطى مزيداً من الوقت لكي تتبلور أو تنضج الأمور بشكل أوضح.

وفي السياق، تكشف مصادر مطلعة أن حزب الله الذي يُصر على المشاركة في أي حكومة مقبلة ولو بالحد الأدنى كمثل طرحه حكومة <تكنوسياسية>، كان أرسل الى الرئيس عون مجرد فكرة تقف عند رأيه بما لو تم الذهاب الى حكومة من دون الوزير باسيل، وذلك في محاولة لإمتصاص غضب وفورة الشارع. وتقول المصادر إن رد عون لم يمانع على الإطلاق للفكرة، لكن بشرط أن ينسحب الأمر نفسه على الرئيس الحريري. وتضيف المصادر المطلعة انه من المبكر الحديث عن شكل الحكومة قبل التوافق على شخص رئيسها، وضمن اي تسوية سياسية جديدة تضمن ارضاء كل الاطراف، في ظل الشروط المطروحة المتممة لمطلب استقالة الحكومة وأبرزها اعداد قانون انتخابات نيابية جديدة واجراء انتخابات مبكرة، وهو الامر الذي ترفضه اغلبية القوى السياسية، مع تحفظ لرئيس الحزب <التقدمي الاشتراكي> وليد جنبلاط الوحيد ربما الذي يُطالب بإنتخابات نيابية مُبكرة.

 

حمادة لـ<الأفكار>: نواب في <التيار> غير مقتنعين بباسيل!

 

من جهته يعتبر الوزير السابق النائب مروان حمادة أن الحراك في الشارع استهدف <كلن يعني كلن> أفقيّاً. وقد بدأ الاستهداف يتحول عامودياً. والمُلاحظ أنه كلما طال عمر أو امد الغضب في الشارع كلما صعبت الأمور وتحولت إلى رأي عام والشعب هو القاضي في محاكمة الفاسدين.

وبرأي حمادة أن عنجهية الوزير باسيل وتماديه في خرق الدستور والأعراف والقوانين، إنما المسؤول عنها رئيس الجمهورية الذي يسمح له بكل هذا التمادي. واليوم نرى أنه ليس العائلة وحدها هي التي تشظّت أو انفجرت من ارتكابات باسيل، لكن أيضاً فإن <التيار الوطني الحر> قد طاله هذا الأذى وقد رأينا الضعف والوهن الذي أصاب كتلته وجمهوره، فهذه ليست جماهير الرئيس عون، وهذا يدل على أن المسيحيين بدأوا ينتقلون إلى الجهة المقابلة لعون، وبرأي فإن هناك ثلاثة أو أربعة نواب غير شامل روكز ونعمة فرام، لم يعودوا مقتنعين بخط باسيل وما يقوم به، وأيضاً لم يعودوا يأتون على ذكره في مواقفهم السياسية.

وأوضح أن الفراغ اليوم هو أفضل وقد كنت من أصحاب النظرية بأن ما سمي الفراغ في تشرين الاول (أكتوبر) من العام 2016 لتبرير التسوية التي أتت بعون إلى الحكم، هي التي أدخلت البلاد في نفق نحن فيه الآن، لافتاً إلى أن الفراغ آنذاك كان أفضل بالحكومة التي كنت تدير البلاد ممثلة لكل القوى. وأكد أن هذا الفراغ كان مع ربط النزاع مع حزب الله بالنسبة لسيطرته على الدولة وعلى قرار الحرب والسلم أفضل مما ذهب إليه رئيس الحكومة سعد الحريري بالموافقة على انتخاب عون وتسليم مقادير البلاد إلى سوريا وإيران.

من جهة مماثلة، تشير أوساط قريبة من <بيت الوسط> أن الرئيس الحريري يترقب ردود الفعل ويراهن على وعي اللبنانيين وإدراك القيادات لخطورة اللحظة، والحريري يتحرك في ضوء قناعاته والتزاماته تجاه المصلحة الوطنية وموجبات حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار، معتبرة أن استقالة الحريري شكّلت خطوة في إتجاه اعادة الاعتبار للنقاش السياسي على حساب الدعوات التي تنادي بحلول أمنية وتكليف الجيش فتح الطرق بالقوة، مضيفة ان الحريري لم يرمِ الكرة في ملعب أحد لكنه سحب كرة النار من الشارع. ولاحظت أن لا جدوى من المراوحة في تحليل الاستقالة وأسبابها والمحاولات الرخيصة التي تضعها في خانة المؤامرة. كما نفت أن يكون الحريري وضع شروطاً على اعادة تكليفه.

ماذا في لقاء <بيت الوسط>!

بمجرد الإعلان عن زيارة الوزير باسيل الى <بيت الوسط> للقاء الحريري، انهالت التحليلات والإستفسارات حول طبيعة اللقاء وما يُمكن ان ينتج عنه خصوصاً في ظل المعلومات التي وردت بأن المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم هو من سعى الى هذا اللقاء وانه تم بناء على الجهود التي قام بها منذ بداية الاسبوع المنصرم. لكن وعلى عكس معظم التوقعات فقد خرج اللقاء بنتيجة وحيدة ربما، انه مهّد للقاء آخر كون أي من الطرفين لا يستطيع إقناع الآخر بوجهة نظره في ما يتعلق بنوعية الحكومة المقبلة. المعلومات تؤكد لـ<الأفكار> أن باسيل أكد للحريري أن تكتله النيابي مستعد لإعلان ترشيحه الآن لتأليف الحكومة وانه مستعد للتعاون معه إلى أقصى الحدود، لكن هذا العرض لا بد وأن يكون له مُقابل وهو الذهاب الى حكومة ليست تكنوقراط بالمطلق لأنه من وجهة نظر باسيل هناك شخصيات ضمن تكتله، لا يُمكن وضعها على الرف بعد تاريخ طويل من النضال والمعرفة، وبأنها مؤهلة لتولي أي منصب وزاري وتحديداً الوزارات الأساسية أو السيادية التي يُصر باسيل على حصته منها.

من جهة الحريري، تؤكد مصادر مقربة من <بيت الوسط> أنه لم ولن يفتح باب العروض ولا الشروط، فهو منذ اليوم الأول لاستقالته أكد امام الجميع أنه لن يرضى بإعادة تكليفه لا تحت الضغط ولا حتى وضعه في مواجهة الشارع مجدداً، واليوم ثمة رائحة تدل بأن قوى الثامن من أذار تُحاول أو تضغط على الحريري من أجل القبول بنسبة كبيرة من شروطها أقلها الذهاب الى حكومة نصفها سياسية. وتشير المصادر إلى أن ما يجري الآن ليس اتفاقاً على الاسم بشروط مقابل شروط، إنما البحث في سلة كاملة قبل تحديد موعد الاستشارات النيابية المُلزمة حتى لا يبقى التأليف بعد التكليف الى ما لا نهاية. أما السلة فتتضمّن الاتفاق على رئيس حكومة وشكل الحكومة ومعيار التمثيل في داخلها بما يلبّي تطلعات الشارع، مع الأخذ في الاعتبار الظروف التي أدّت الى استقالتها.