8 December,2019

”غـــزل“ جنبلاطـي لجعجــع يعيد خلـط الأوراق فـي الجبــل وزيـارة جعجع للمختـارة لها ايجابياتهــا... وسلبياتهــا أيضــاً!

 

ليس من عادة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب والوزير السابق وليد جنبلاط أن يشكر سياسيين أو رؤساء أحزاب على مواقفهم حتى من خلال التغريدات التي ينشرها على موقعه الخاص في <تويتر>، إلا ان ما فعله الأسبوع الماضي تجاوز التقليد حين توجه الى رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع شاكراً إياه على <موقفه التضامني> مع الحزب التقدمي الاشتراكي في مسألة قبرشمون ــ البساتين، مضيفاً الشكر أيضاً الى <القوات اللبنانية>، ولافتاً الى ان لا مخرج لهذه الأزمة <إلا باتباع الأصول القانونية وضم قضيتي الشويفات والبساتين ورفعهما إذا اقتضى التحقيق وبعد موافقة مجلس الوزراء الى المجلس العدلي>.

هذا <الغزل> الجنبلاطي حيال <القوات اللبنانية> ورئيسها توقفت عنده الأوساط السياسية ورأت فيه رسالة مباشرة من الزعيم الدرزي الى الشريك الآخر في <تفاهم معراب>، أي الى <التيار الوطني الحر> ورئيسه الوزير جبران باسيل الذي كاد أن يكون <ضحية> الحاجز المسلح في قبرشمون لو مرّ به وصولاً الى بلدة كفرمتى، إلا ان موكب الوزير صالح الغريب <افتداه> وحصل المحظور الذي لا يزال يتفاعل على أكثر من صعيد. وهي ثانياً رسالة غير مباشرة الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي سعى من خلال المبادرة التي تولاها المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم الى عقد مصالحة في قصر بعبدا تطوي الصفحة المؤلمة التي فتحت في منطقة الجبل على نحو ينذر بمضاعفات.

إلا انه وبقدر ما حملت <رسالة> جنبلاط من اشارات سلبية الى <التيار الوطني الحر> ورئيسه، فإن <القوات اللبنانية> تلقفتها بكثير من الاهتمام واعتبرتها تطوراً مهماً في العلاقات بين معراب والمختارة و<شهادة براءة> من خصم الأمس تجاهها من شأنها أن تطوي صفحة سوداء ظلت مفتوحة الى الأمس القريب بين الحزب التقدمي الاشتراكي و<القوات> نتيجة ما دار بين الحزبين من قتال في ما يعرف بـ<حرب الجبل>، وهو ما كان يسعى إليه جعجع دائماً بعد الخطوات <التصالحية> التي قام بها لـ<تبييض> وجه <القوات> وإزالة كل ما أُلصق به خلال سنوات الحرب وما تلاها. وفي هذا السياق، ترى مصادر متابعة ان جعجع الذي ابتعد نهائياً عن شريكه في <تفاهم معراب> يحاول التعويض عن ذلك بالتقارب أكثر من تيار <المردة> ورئيسه الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية بعد المصالحة التي تمت بين الرجلين في بكركي برعاية البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ليضمن لنفسه <خاصرة مسيحية> بديلة عن <التيار البرتقالي>، كما يسعى الى تقارب أوسع مع المسلمين الذين ناصبوه العداء في ما مضى من الأيام، خصوصاً بعدما <نجح> في التقرب من تيار <المستقبل> ورئيسه سعد الحريري، في حين لم يكتمل التقارب بعد مع حركة <أمل> ورئيسها نبيه بري وإن سُجلت خطوات متقدمة في هذا الاتجاه لا يتوقع المراقبون أن تذهب بعيداً نظراً لطبيعة العلاقة المقطوعة كلياً مع الشريك الشيعي في <الثنائية> أي حزب الله الذي لا يرى المراقبون أي امكانية للقاء بينه وبين <القوات اللبنانية>.

حاجة <القوات> للانفتاح

 

من هنا، تضيف المصادر المتابعة، يأتي الانفتاح <القواتي> على الحزب التقدمي الاشتراكي الذي سجل رئيسه وليد جنبلاط خطوة متقدمة قبل سنة وبضعة أشهر عندما تحالف في الانتخابات النيابية مع مرشحي <القوات اللبنانية> في الجبل، فأمن فوز النائب أنيس نصار عن المقعد الارثوذكسي في قضاء عاليه، والنائب جورج عدوان عن أحد المقاعد المارونية في قضاء الشوف، لاسيما وأن <القوات> تحتاج الى مثل هذا الانفتاح لتعزيز مواقعها في الجبل بعد الحضور المسيحي المتقدم الذي حققه <التيار الوطني الحر> الذي استطاع أن يفوز مع حلفائه بأربعة مقاعد نيابية مسيحية، وذلك للمرة الأولى منذ تاريخ الانتخابات النيابية حيث كان الصوت الدرزي يختار النائب المسيحي، وهو أمر أزعج جنبلاط ووتّر علاقته مع <التيار الوطني الحر> وانسحب ذلك على علاقته مع رئيس الجمهورية. لذلك، تضيف المصادر نفسها، يعمل جعجع من خلال تقاربه من جنبلاط وحزبه ليعيد تركيب <سيبة> في الجبل تجمعه مع الزعيم الدرزي الأقوى، ومع الزعيم السني الأقوى (أي الرئيس الحريري وتيار <المستقبل> في اقليم الخروب)، ما يؤدي عملياً الى <عزل> <التيار الوطني الحر> الذي اختار أن يكون الزعيم الدرزي الآخر الأمير طلال ارسلان حليفه في عاليه بدلاً من جنبلاط، علماً ان الحضور الارسلاني محدود جداً في قضاء الشوف. وبذلك يكون جعجع من خلال سعيه الى تقارب مع جنبلاط قد ضمن تحالفاً على مستوى القضاءين، في حين ان تحالف <التيار> له شريكه الدرزي فقط على مستوى قضاء عاليه. وثمة رهان في معراب على ازدياد الشرخ بين الاشتراكيين والعونيين على خلفية مواقف الوزير باسيل المتضامنة مع النائب ارسلان في خلافه مع جنبلاط، ما يؤشر الى ان الحلف <العوني> ــ الارسلاني سيكون في مواجهة الحلف <القواتي> ــ الاشتراكي في منطقة الجبل مع امكان امتداده الى البقاع الغربي حيث للحضور الدرزي الوزن السياسي الفاعل.

 

زيارة المختارة ما لها وما عليها

 

وسط هذه المعطيات التي تشي بامكانية ولادة تحالفات سياسية جديدة تعيد خلط أوراق <التسوية> التي ولدت في 31 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2016، برزت امكانية قيام <الحكيم> بزيارة الى منطقة الشوف مروراً بـ<بوابة المختارة> في ذكرى مصالحة الجبل في 7 آب (أغسطس) الجاري، وباشر الفريق المعاون لجعجع في تقييم أبعاد هذه الخطوة ومفاعيلها السياسية من جهة، ووقعها على أبناء الجبل المسيحيين من جهة أخرى، فضلاً عن تأثيرها على العلاقة مع أبناء الجبل الدروز الذين تواجهوا في ما مضى مع

<القوات اللبنانية> في حرب الجبل، يوم كانت هذه القوات بإمرة سمير جعجع. وفي المعلومات ان ثمة من رأى في الدائرة المحيطة بـ<الحكيم> ان لا حاجة راهناً لأي لقاء مفتعل لاسيما وان التحالف بين الطرفين في الانتخابات النيابية كان واضحاً في عاليه والشوف على حد سواء ويمكن للزعيمين أن يلتقيا في أي لحظة انطلاقاً من طبيعة العلاقة بينهما. كما برز رأي يفيد ان تحقيق الزيارة بعد تلك التي قام بها رئيس <التيار الوطني الحر> الوزير جبران باسيل وانقطعت وهي في منتصفها نتيجة حادثة قبرشمون، قد يفسر بإنها رد على زيارة باسيل غير المكتملة، ومن الأفضل أن تتم في ظروف طبيعية لا خلفيات لها بصرف النظر عن طبيعة هذه الخلفيات. وفي المقابل رأى آخــرون من الدائـــرة <القواتيـــــــــة> ان تـــــوقيت الــزيــــــــارة فـــــــــي 7 آب (أغسطس) الجاري يؤكد بشكل مباشر على تمسك <القوات> بأسس المصالحة التــــي أرساهــــا البطريـــــرك الراحـــــل مــــار نصــــــر الله بطرس صفير العام 2001، علماً انه يوم تمت هذه المصالحة كان جعجـــع لا يزال في السجن. وبالتالي فـــإن اختيـــار هذا التاريــــخ يــــــــدل عــلــــى استــمــــــــرار <روح> المصالحة من جهة، ويؤكـــــــد علـــــى التحالــــــف الاستراتيجــي الـــذي عــــــاد ليجمع الحــــزب الاشتراكي وتيار <المستقبل> و<القوات اللبنانية> التي شكلت في يوم من الأيام نواة <14 آذار>. وتقول المصادر المتابعة ان ثمة من همس في اذن <الحكيم> بأن حصول الزيارة الأسبوع المقبل مروراً بالمختارة يجب ألا يظهر وكأنها موجهة ضد أحد من المكونات الداخلية في منطقة الجبل لأن توظيفها سياسياً في هذه الأجواء الضاغطة ستكون له انعكاسات سلبية على التعايش المسيحي ــ الدرزي المتنوع في المنطقة. وفي رأي الهامسين بأذن جعجع ان مجرد حصول الزيارة من بوابة <المختارة> يدل على دعم <القوات> لجنبلاط ويؤكد على مرجعيته السياسية لطائفة الموحدين الدروز والرمزية الخاصة بالمختارة.

في المقابل، فإن مصادر مطلعة قالت لـ<الأفكار> ان جعجع قد يتريث في زيارة الجبل الأسبوع المقبل لئلا يتم ادراج هذه الزيارة في إطار معادٍ لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون وهو ما لا يريده جعجع، أو نقل المواجهة القائمة في الجبل من مشكلة درزية ــ درزية الى مسيحية ــ مسيحية، وهذا لا يريده أيضاً جعجع، في الوقت الحاضر على الأقل!

من هنا، فإن الأوساط السياسية تراقب الخيار الذي سيعتمده جعجع ليصار على ضوئه تقييم المرحلة المقبلة وقواعد التعاطي معها…