17 November,2018

غريغوار حداد المطران الأحمر!  

بقلم جورج بشير

gregoirehاواخر الستينات التقيت المونسنيور رزق الله مخلوف راعي البيت اللبناني والجالية اللبنانية في باريس حيث دعاني الى الغداء قائلاً: ستتعرف اليوم خلال الغداء المتواضع على كاهن جليل لا تعرفه لأنه بعيد عن الأضواء، قمة في الأخلاق والعلم والشعور الانساني، يرى فيه البعض انه مغبون على صعيد منحه الدرجة الأسقفية لأنه يستأهل أكثر من طائفته (الروم الملكيين الكاثوليك) كونه رجل الله بامتياز يسير على تعاليم السيد المسيح الذي دعانا الى الاهتمام بالمرضى والفقراء والمعوزين واليتامى وتفقد أحوالهم باستمرار لأن هؤلاء هم أصدقاء المسيح واخوانه، وفي عيونهم البريئة يمكننا أن نشاهد صورة المسيح.

لو لم يشر المونسنيور مخلوف الى الطائفة التي ينتمي إليها هذا الكاهن المعني بحديثه، لتصوّرت للوهلة الأولى ان المونسنيور مخلوف يتحدث عن ذاته، كونه يشبه الكاهن المعني بالحديث الى حد بعيد من حيث الثقافة والأخلاق والخبرة والإيمان والابتعاد عن الأمور الدنيوية والتعلق بالقيم وعدم الرغبة بتبوء المناصب الرفيعة التي نعتبر أنه حُرم منها لأنه في نظرنا كان يستأهلها، لا بل يستأهل أكثر منها بتواضعه وأخلاقه وشخصيته وحبه للناس، وتنفيذه لتعاليم المسيح بتفقد المرضى والمعوزين واليتامى والاهتمام بالفقراء.

الوقت لم يطل، حتى وصل الى البيت اللبناني في باريس رجل دين، شاب ملتحٍ كالمونسنيور رزق الله مخلوف، عرّفني إليه الداعي <انه سيّدنا وأبونا المطران غريغوار حداد> أحد مطارنة الروم الكاثوليك الذي كان في زيارة لفرنسا مع صديقه الحميم النائب اللبناني أنور الخطيب حيث كانا يشاركان في مؤتمر دولي، جدول أعماله ينحصر بمناقشة الأمور الاجتماعية وكيفية مكافحة الفقر ومساندة الفقراء كي يتحملوا أعباء الحياة، وكي يبتعد أولاد هؤلاء عن حياة الفسق والرذيلة ومخالفة القوانين، وليتمكنوا من إيجاد فرص عمل تؤمن لهم دخلاً يقيهم شرور الفاقة والعوز.

رحم الله المطران الفقير لا بل أبو الفقراء، الكاهن الجليل، كاهن المسيح غريغوار حداد. ورحم الله صديقه ورفيق دربه اللدود النائب اللبناني الاشتراكي عن حق الأستاذ أنور الخطيب، رفيق المرحوم الزعيم اللبناني كمال جنبلاط. وأيضاً رحم الله الكاهن الجليل كاهن المسيح المونسنيور رزق الله مخلوف الذي رعى الجالية اللبنانية في باريس والبيت اللبناني في العاصمة الفرنسية بثقافته وتقواه، وعنايته الواسعة بالطلاب اللبنانيين، كما ساند الفقراء والمعوزين منهم وهو باني معظم بيوتهم.

في الأسبوع الماضي أغمض المطران غريغوار حداد عينيه وعاد الى ربّه ليلقى وجه من أحبّ وتبع تعاليمه وعمل بوصاياه بشغف وإيمان كبيرين، وهو قد أغنى الحياة الاجتماعية في لبنان على صعيد نشر ثقافة المسيح وتعاليمه بعيادة المرضى والمعوزين، والاهتمام بالفقراء وتأمين الخدمات الاجتماعية لهم وخاصة الدواء، والسعي مع المجمع الأهلي بكل الطرق الممكنة لتأمين فرص عمل لهؤلاء عبر إنشاء صناعات يدوية، وعبر تلقينهم كيفية القيام بالمهن الخدماتية كالتجارة والبناء والحفر والطباعة والحياكة الى ما هنالك من مهن حرة تمكّن المجتمع الفقير من العيش بكرامة وتحقيق الاكتفاء الذاتي على الأقل، وعدم الاتكال على الغير.

.. <من أعمالهم تعرفونهم>. ومنذ أن التقيته في العاصمة الفرنسية الى اللقاءات الكثيرة التي كانت تجمعنا في لبنان، هذا المطران لم يتغيّر أو يتبدل، والصليب على صدره من خشب والأيقونة كذلك، ناهيك عن ثيابه الكهنوتية وحتى الحبرية التي كانت تتميز بالتواضع. لم يكن يحب البهرجة، ومنجزاته على الصعيدين الروحي والاجتماعي، والمراكز الاجتماعية التي أشرف على اقامتها وأغناها بغيرته وحبّه للناس وللفقراء والمعوزين وخاصة مراكز المعالجة والدواء والمدرسة المهنية، ناهيك عن مؤلفاته الاجتماعية واللاهوتية، كلها أعمال تدل عليه، على غريغوار حداد الذي لم يتورّع بعض من العلمانيين وحتى رجال الدين على إلصاق تهمة الانتماء الى الشيوعية به، وانه لا يصحّ أن يبقى في منصب المطران، ولذلك تم نقله من أبرشية بيروت الى الربوة ليعيش مع أصحابه وأخوانه الفقراء المتواضعين، هذا المسيحي الحقيقي، أي الأمير في الكنيسة، وكأن أمراء الكنيسة ليسوا في مصاف الرسل المتعلقين بتعاليم الانجيل الداعية الى المحبة والغفران والعدالة بين البشر ونصرة الضعفاء ورعاية المساكين والمرضى واليتامى والفقراء!!

لبنان وطائفة الروم الملكيين الكاثوليك يفتقدون برحيل المطران غريغوار حداد ثروة روحية وفكرية وأخلاقية واجتماعية كان المطران المثل والمثال لها في حياته، وحتى في مجال تحمّله آلام المرض العضال الذي عانى منه. ولا شك بأن الأعمال التي تركها هذا المطران الانساني الكبير في مختلف أنحاء لبنان ولكل أبناء الطوائف اللبنانية ستلقى الرعاية من رفاقه في هذه الطائفة الكريمة الغنية بأمثال المطران غريغوار حداد. رحمات الله عليه وعلى روحه الطاهرة، هذا الأستاذ في تعليم الانجيل وترجمته بالعمل بموجبه طوال حياته.