21 September,2018

”غراندي“ في بيروت: لا تحريك فعلياً لعودة النازحين قبل حسم المواجهة العسكرية المتوقعة في ادلب!

شهران مرّا على إطلاق موسكو مبادرتها لإعادة النازحين السوريين الى المناطق الآمنة في بلادهم، من دون أن تحصل أي ترجمة عملية لما أعلنه الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> في قمة <هلسنكي> التي جمعته بالرئيس الأميركي <دونالد ترامب>. وبدا واضحاً بعد مرور الشهرين أن <الاعتراض> الدولي على هذه المبادرة بدأ يتجاوز التعليقات السياسية والمقالات الاعلامية الى ما يمكن اعتباره <خطوات عملية> للجم الاندفاعة الروسية لإعادة النازحين التي لقيت دعماً رئاسياً لبنانياً و<مسايرة> حكومية لها. وإذا كان لبنان لم يتوقف عن تنظيم <رحلات العودة> للنازحين الراغبين بذلك بإشراف مباشر من المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، إلا أنه تبقى قوافل العائدين قليلة ومحدودة مع وجود أكثر من مليون ونصف المليون نازح على الأرض اللبنانية، يعيش معظمهم في ظروف إنسانية صعبة تزيد من معاناتهم وتضاعف العبء الذي خلّفه النزوح على الدولة اللبنانية التي تضررت في اتجاهات متعددة.

وفيما عاد السفير الروسي في لبنان <الكسندر زاسبكين> الى بيروت الأسبوع الماضي منعشاً الحديث عن المبادرة الروسية ولو على نحو مبالغ فيه أحياناً، بدا أن هذا الملف الحساس سوف يتحرك من جديد وإن كانت الخشية قائمة لجهة <فرملة> تنفيذ المبادرة الروسية بفعل الحركات الاعتراضية الاميركية والاوروبية، بالتزامن مع مقاربة سلبية للمنظمات الدولية لاسيما التي تُعنى بالمجالات الإنسانية وفي مقدمها المفوضية العليا لشؤون النازحين التي يرأسها <فيليبو غراندي>. صحيح أن السفير <زاسبكين> تحدث بعد عودته عن انتقال الملف الى <المرحلة التقنية>، لكن الصحيح أيضاً ان تشكيل لجنة المتابعة اللبنانية – الروسية لن يتم بسهولة خصوصاً مع استمرار غياب جلسات مجلس الوزراء نتيجة اعتبار الحكومة الحريرية الأولى في عهد الرئيس عون مستقيلة، وتعثر تشكيل حكومة جديدة لتتولى تعيين الأعضاء اللبنانيين في اللجنة المشتركة مع روسيا، علماً أن رئاسة الجانب اللبناني محسومة للواء ابراهيم. لكن الملفت أن فريق عمل وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل باشر التحضير لإطلاق اللجنة المشتركة مستبقاً بذلك قراراً يفترض أن يصدر عن مجلس الوزراء غير القادر على الانعقاد في مرحلة تصريف الأعمال، ويندرج الاجتماع الذي عقده مع السفير <زاسبكين> في <قصر بسترس> في إطار الحراك اللبناني تجاه مبادرة موسكو لوضعها موضع التنفيذ، لاسيما وان اللواء ابراهيم يواصل تأمين الجانب الأمني في العلاقة مع سوريا مع غياب الشق السياسي من التواصل نتيجة موقف رئيس الحكومة سعد الحريري من هذا الأمر. ويبدو من خلال حراك الوزير باسيل وفريق عمله، أن وزير الخارجية يعمل على تدوير الزوايا في تنفيذ المبادرة الروسية من دون أن يشكل ذلك أية اشكالات سياسية مباشرة أو غير مباشرة في الداخل.

<زاسبكين>: مستمرون

 رغــــم موقـــــــف أمـــــــيركا!

وفيما يبدي السفير الروسي تفاؤلاً في إمكانية انتقال مبادرة رئيسه <بوتين> الى حيّز التنفيذ في وقت ليس ببعيد، علمت <الأفكار> من مصادر معنية بالتحرّك اللبناني – السوري حيال ملف النازحين أن أية عودة لهؤلاء لن تكون إلا عودة آمنة ومستقرة ضمن الأصول ووفقاً لما تمّ حتى الآن من تقدّم في هذا المجال، علماً أن القواعد المعتمدة تقوم على طلب ضمانات للعائدين من الطرف السوري لاسيما لجهة عدم ملاحقة العائدين وعدم إلزامهم بالخدمة العسكرية، وخصوصاً القتال في إدلب، إضافة الى أهمية توفير <الظروف الملائمة> لعيش آمن ومستقر يشمل أيضاً توافر الأكل والإقامة والطبابة وغيرها من الضرورات الحياتية بحيث لا ينتقل النازحون من <تحت الدلفة لتحت المزراب>! وبدا واضحاً للذين التقوا السفير <زاسبكين> أن بلاده مصمّمة على السير بالمبادرة التي أطلقتها بمعزل عن التحفظات الأميركية والاعتراضات الأوروبية، باعتبار أن هذه المبادرة – وفقاً للمفهوم الروسي مبادرة استراتيجية شاملة ومفتوحة أمام الجميع للمشاركة ومطروحة ليس لإبراز الدور الروسي فقط لأن الأساس هو قرار سوريا وموقفها وجهودها، أما الآخرون بمن فيهم روسيا فهم يساعدون الى جانب الأطراف التي تؤيد هذه المبادرة منذ طرحها.

وفي الوقت الذي <اطمأن> فيه السفير <زاسبكين> الى ما أبلغه إياه وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل عن إنجاز <كل ما يخص وزارة الخارجية> من إجراءات، ينتظر السفير الروسي خطوات مماثلة من الاطراف الرسميين الآخرين، لاسيما من رئيس الحكومة سعد الحريري الذي كان ابلغ الجانب الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو، استعداده للتعاون في سبيل إنجاح المبادرة الروسية شرط أن يبقى الارتباط مع موسكو ولا تدخل الإدارة السورية في أي حوار مع الحكومة اللبنانية، أو على الأقل مع الفريق الوزاري الذي يمثله رئيس الحكومة الذي سلّم باستمرار تولي اللواء عباس ابراهيم هذا الملف من زاوية أمنية فحسب، خصوصاً أن الجانب الروسي أبدى تأييده للآلية المعتمدة في تنظيم العودة وفق المعايير الموضوعة في هذا الاتجاه.

تحفظات <غراندي> وقلقه!

إلا أن حساب الحقل الروسي في ما خص ملف العودة، لا ينطبق على حساب بيدر المجتمع الدولي، ولاسيما المنظمات الدولية التي تعنى بالملفات الاجتماعية والإنسانية وفي مقدمها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي كان رئيسها <فيليبو غراندي> واضحاً خلال لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين الأسبوع الماضي، لاسيما وأنه أكد أن لا خطوات عملية واسعة في مجال العودة يكون للأمم المتحدة أي دور فيها، قبل استقرار الوضع الأمني بشكل تام وشامل وانطلاق الحل السياسي في سوريا. وفي هذا السياق، تقول مصادر مطلعة أن <غراندي> الذي زار بيروت بعد محطته في سوريا التقى خلالها مسؤولين سوريين وآخرين في المنظمات الإنسانية، لم يتردد في وصف الوضع في سوريا بـ<الدراماتيكي> والذي لمسه مباشرة خلال وجوده في العاصمة السورية، وهو فاتح من التقاهم بذلك مقترحاً عليهم أن يصار الى تأمين مناطق للعائدين آمنة بالكامل وخارج المناطق المستهدفة خصوصاً أن مساحة سوريا تسمح بذلك وفيها مناطق آمنة جداً. وأثار <غراندي> مع محدثيه من السوريين مسألة ترميم المنازل وتأمين الإيواء الضروري قبل انتهاء العمل فيها، مع المحافظة على <طوعية> العودة، ليس فقط من خلال تهيئة الأجواء الأمنية الهادئة والملائمة، بل ايضاً بعدم اكراه الراغبين في عدم العودة على مغادرة لبنان في اتجاه سوريا.

وقد صارح <غراندي> محدثيه من المسؤولين اللبنانيين أنه لمس لدى السوريين رغبة في ألا تكون العودة <مكثفة>، بل ان تجري على مراحل على غرار عمليات العودة <المتواضعة> التي تتم من لبنان الى سوريا مع عدم وجود ممانعة في تزخيمها. إلا أن المسألة الأبرز التي أثارها المسؤول الدولي كانت الوضع في ادلب حيث بدا واضحاً من كلام <غراندي> أن لا مساهمة أممية مباشرة في المبادرة الروسية قبل معرفة مصير الحرب الدائرة في ادلب في ظل المعلومات الكثيرة عن مواجهة قاسية باتت قاب قوسين او أدنى، والى أن تنجلي مرحلة ما بعد ادلب، فإن <غراندي> لم يبد حماسه بالانخراط في مسألة العودة الروسية، مع القبول بمتابعة العودة التدريجية و<الطوعية>، والتوصيف الأخير (الطوعية) لم يغب عن لسان <غراندي> في كل لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين. وفي محاولة لإبراز دور مفوضية اللاجئين صارح <غراندي> مستقبليه بأن القيادة السورية لا تزال تتشدد في تسهيل عملية عودة النازحين وهذا الأمر يحدث إرباكاً لدى العائدين والمقيمين على حد سواء، خصوصاً أن هؤلاء النازحين يعتبرون ان وجود المفوضية معهم يعطيهم ثقة ويوفر لهم الأمان خوفاً من ردود فعل انتقامية بحقهم. وتحدث المسؤول الدولي عن انتظار طال أكثر من ثلاثة أشهر حتى سمحت السلطات السورية لفريق عمل المفوضية من زيارة تجمعات للسوريين خارج بلداتهم الأصلية، ما دفع بالمفوضية الى الاعتراض بقوة لدى السوريين الذين بدلوا في وقت لاحق طريقة تعاطيهم مع ملف النازحين برمته.

 

تنسيق دولي مع موسكو!

وفي موقف يعلن للمرة الأولى، قال <غراندي> لمضيفيه السوريين ان المنظمة الدولية ليست ضد المبادرة الروسية ككل، فيما المطلوب أن تكون قريبة من الملف ومشاركة فيه لا ان يقتصر دورها على التلقي والتنفيذ من دون إبداء الرأي وتقديم المشورة، لذلك اقترحت الأمم المتحدة أن يكون هناك ارتباط بينها وبين الجانب الروسي مركزه في بيروت لتسهيل التعاون مع فريق العمل الروسي بعيد تشكيله. أما مسألة الانخراط في الجيش السوري والقتال الى جانب أفراده، فإن <غراندي> سمع من المسؤولين السوريين عدم قدرتهم على التمييز بين سوري وآخر، وأن ما يطبق على النازحين العائدين، يفترض أن يكون مماثلاً لما يُطبّق على الذين لم يتركوا بلادهم واستمروا الى جانب دولتهم وجيشهم. وهذه المسألة – تقول مصادر مطلعة على لقاءات <غراندي> – ستبقى موضع أخذ وردّ بين سوريا والمنظمة الدولية للوصول الى قواسم مشتركة فيها.

ويؤكـــــد المتابعــــون لزيــــارة <غرانـــــدي> أن ما فهمـــــوه مـــن رئــــيس مفوضية اللاجئين ان لا تحريــــك واسعــــاً لملف العــــودة قبل جلاء الوضع في ادلب مع كثرة الحديث عن <حسم عسكــــري> قريب تعززه الحشــــود العسكرية التي يُعلن عن تحركها في اتجاه نقـــــاط المواجهة لأن <غراندي> يعتقد أن الموقف ما بعد بت وضع إدلب سيكون مختلفاً عما هو عليه حالياً!