26 September,2018

غاب رؤساء الطوائف الاسلامية فتأجلت القمة الروحية لإبقاء الأولوية لمبادرة بري الحوارية وعدم استباق نتائجها!

القمة-المسيحية

   علامات استفهام كثيرة طُرحت بداية الأسبوع الماضي حول أسباب تأجيل القمة الروحية المسيحية ــ الاسلامية التي كان من المقرر أن تُعقد في بكركي يوم الاثنين الماضي لتتحول قمة روحية مسيحية ــ مسيحية لمناسبة وجود رؤساء الطوائف المسيحيين في الصرح البطريركي للمشاركة في القمة، على رغم ان كل الترتيبات كانت اتخذت أمنياً ولوجستياً، في وقت كانت فيه مسودة البيان الختامي للقمة مكتوبة ومتفقاً على مضمونها. وفيما تنوعت الروايات حول أسباب تغيّب رؤساء الطوائف الاسلامية، آثرت بكركي عدم الدخول في تفاصيل ما جرى، مبرزة أهمية صدور بيان عن رؤساء الطوائف المسيحيين في الظرف الراهن الذي طغى فيه صوت الشارع على صوت العقل.

   إلا ان مصادر معنية أكدت لـ<الأفكار> ان السبب المعلن لتأجيل القمة الروحية المسيحية ــ الاسلامية، وهو توعك نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، لم يكن هو بالفعل سبب الإرجاء لأنه لو كان كذلك لأمكن إيفاد من يمثل الإمام قبلان في الاجتماع كما يحصل في مناسبات عدة يتعذر على نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى حضورها شخصياً لأسباب صحية. ذلك ان ما حصل في الواقع ــ وفق المصادر نفسها ــ ان بكركي تبلغت متأخرة اعتذار الإمام قبلان وتوالت اعتذارات رؤساء الطوائف الاسلامية الآخرين وكأن <كلمة سر> أطلقت تلك الليلة، في وقت كانت فيه مرجعيات اسلامية أخرى تتحدث عن <خلل> في التنظيم أدى الى حصول هذا الغياب.

 

تعددت الأسباب… والتأجيل واحد!

   وفيما لم يصدر عن دار الفتوى أو مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز أو المجلس الاسلامي العلوي أي تفسير أو تبرير لتأجيل القمة، أشارت المصادر نفسها الى ان عوامل عدة <تضافرت> وأدت الى تعذر حضور رؤساء الطوائف الاسلامية بالتشاور في ما بينهم أبرزها الآتي:

   ــ أولاً: تزامن انعقاد القمة في اليوم التالي للمبادرة الحوارية التي أطلقها الرئيس نبيه بري في مهرجان ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر الـ37 في النبطية، وما تضمنته من نقاط للبحث ولاسيما موضوع الانتخابات الرئاسية. وفي هذا الإطار تحدثت معلومات عن ان الجانب الشيعي آثر عدم التزام أي موقف يمكن أن يصدر عن القمة حول هذا الاستحقاق لئلا يبدو وكأنه <يستبق> مداولات الحوار والتوجهات التي يمكن أن يسلكها هذا البند على طاولة الحوار في مجلس النواب. وأضافت المعلومات نفسها ان اعلان موقف مسيحي ــ اسلامي على مستوى القمة قبيل انعقاد جلسة الحوار من شأنه أن يضع المتحاورين أمام <أمر واقع> فإذا ما تجاوبوا مع دعوات القمة الروحية يكون حوارهم خالٍ من أي تأثير على الملف الرئاسي. وإذا لم يتجاوبوا يكون من جلس خلف طاولة الحوار وكأنهم على تناقض مع القادة الروحيين المسيحيين والمسلمين مع ما يحمله مثل هذا التناقض من تداعيات على العلاقات بين المرجعيات الدينية والقيادات السياسية. وثمة رواية تحدثت عن ان البعض اشترط صدور موقف مؤيد من القيادات الروحية لطاولة الحوار في مجلس النواب و<كل ما يصدر عنها من توصيات وقرارات>، وهو ما أربك الذين وضعوا مسودة البيان الختامي لعدم قدرتهم على اقناع جميع رؤساء الطوائف المشاركين في القمة من دون الاستماع الى ملاحظاتهم ووجهات نظرهم. ولما لم يأتِ الرد بالإيجاب حول هذه المسألة تعذرت مشاركة الشيخ قبلان ما حال دون مشاركة رؤساء الطوائف الاسلامية الآخرين.

   ــ ثانياً: وصول اشارات مباشرة وغير مباشرة الى بكركي من مرجعيات روحية اسلامية، تطالب بأن يعمل المسيحيون في ما بينهم على توحيد صفوفهم حيال الاستحقاق الرئاسي على خلفية الإسراع بتحقيقه، قبل أن يُطلب من القادة الروحيين المسلمين الالتزام بلعب أي دور في هذه المسألة الحساسة. واعتبر مرسلو هذه الإشارات الى ان <المشكلة> في الاستحقاق الرئاسي <ليست عند المسلمين بل عند المسيحيين، وعليهم أن يبادروا داخل البيت الواحد لإيجاد مخارج تجعل من الانتخاب الرئاسي حقيقة قائمة قبل أن يطلبوا ذلك من شركائهم في الوطن. وقد لقي هذا الموقف اعتراضاً لدى قادة روحيين مسيحيين يرفضون تحميل القيادات المسيحـــــــــــــــــــــــــية وحدها مسألة تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية، ما ساهم في جعل التأجيل <مخرجاً> مقبولاً من الطرفين منعاً لأي إحراج أو تفرد.

   ــ ثالثاً: اعتقاد بعض المشاركين ان القمم السابقة لم تحقق أي نتائج عملية باستثناء <تسجيل مواقف> ظلت من دون متابعة، في حين ان الظرف الراهن بات يفرض التزام تنفيذ القرارات والتوصيات التي تخرج بها القمة الروحية، وقد شجّع هذا الرأي التجاوب السريع مع تأجيل القمة الى ظروف أفضل.

   في أي حال، تعتبر مصادر معنية ان انعقاد القمة الروحية الاسلامية ــ المسيحية كان سيؤدي الى بروز تباين في عدد من المواقف يخشى أن يُظهّر على انه خلاف بين رؤساء الطوائف الأمر الذي يجعل تداعيات هكذا خلاف سلبية على الواقع العام في البلاد لاسيما في الظروف الراهنة، علماً ان النظرة الى الاستحقاق الرئاسي ليست واحدة قياساً الى التباين الحاصل حيال هذا الاستحقاق بين المرجعيات السياسية.

   وهكذا تحولت القمة المسيحية ــ الاسلامية الى قمة مسيحية تجنباً لإصدار مبادرة كان يمكن أن <تزاحم> مبادرة الرئيس بري، واستعيض عن الصوت المسيحي ــ الاسلامي المشترك بصوت مسيحي جامع أبرز وحدة الكنيسة حيال مواضيع عدة من بينها الملف الرئاسي مع الدعوة الى الاسراع في اعتماد خارطة طريق تبدأ بانتخاب فوري لرئيس الجمهورية ووضع مجلس النواب أمام مسؤوليته التاريخية والدستورية، ثم تأليف حكومة جديدة تتولى معالجة كل القضايا العالقة بدءاً من قانون الانتخاب. وأكد رؤساء الطوائف وجوب استمرارية الحكومة الحالية برئاسة الرئيس تمام سلام.