16 November,2018

عيد العمال هو عيد معظم اللبنانيين لأن 85 بالمئة منهم فقراء وذوو دخل محدود!  

SAM_2919يحل عيد العمال اليوم في الأول من أيار/ مايو هذا العام والحركة النقابية تعاني الأمرّين نتيجة تشرذمها بين اتحاد عمالي غير فاعل وبين هيئة تنسيق نقابية عمل أهل السلطة على تدجينها والقبض على قرارها، كما سبق وفعلوا مع الاتحاد العمالي، لكن مع هذا يتوعد أركان هيئة التنسيق بالنزول مجدداً الى الشارع للمطالبة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب.. فماذا يقول القيمون تاريخياً على الحركة العمالية لاسيما الحزب الشيوعي اللبناني الذي ساهم في ولادة الاتحادات العمالية حتى قبل الاستقلال؟

<الأفكار> التقت الأمين العام للحزب الشيوعي الدكتور خالد حدادة داخل مكتبه الكائن في محلة القنطاري البيروتية وحاورته على هذا الخط بالإضافة الى التعطيل الحاصل في المؤسسات الدستورية والحلول أمام هذا المأزق، وصولاً الى ما يجري في المنطقة من أحداث دموية بدءاً من السؤال:

ــ عيد العمال يحل هذه السنة والعمال وأصحاب الدخل المحدود من أساتذة ومعلمين وموظفين يهددون باللجوء مجدداً الى الشارع لتحصيل حقوقهم، لاسيما سلسلة الرتب والرواتب، في وقت نجد فيه أن الاتحاد العمالي صامت وغائب عن السمع بينما تقدمت هيئة التنسيق النقابية  على حسابه وعادت الى الشارع، رغم الطاقم الجديد الذي افرزته الانتخابات الأخيرة بتدخل من أحزاب السلطة واتفاقها ضد الهيئة السابقة ورموزها اليساريين. أين أنتم من كل هذا وكيف ترى المشهد؟

– رغم السواد والظلم اللذين يحيطان بصنّاع التاريخ وهم العمّال وبالطبقة الأكثر حرصاً على الكيان الوطني والتي قدمت العدد الأكبر من الشهداء من أجل لبنان ومصلحة الوطن، وهؤلاء هم الفقراء الذين لا وطن لهم إلا هذا الوطن، رغم كل هذا الظلم الذي يحيط بهم فلا يسعني إلا أن أنتهز هذه الفرصة وأقول لهم إن العيد هو عيدهم وهم يستحقونه، وهو عيد يوازي عيد الاستقلال الوطني لأن العمال هم بناة الاستقلال، ويوازي عيد التحرير، لأنهم هم الذين حرروا، ويوازي أي عيد يكون لمصلحة هذا الوطن… فتحية للعمال في عيدهم وتحية لنضالهم وشهدائهم وتاريخهم وتاريخ حركتهم النقابية المستقلة التي لن يستطيع أي ظرف من الظروف تشويه تاريخها. تحية لهم مقرونة بالثقة بأنهم قادرون على إنتاج حالة نقابية ديموقراطية مستقلة تمسك قضية العمال وقضية الشعب اللبناني.

 

85 بالمئة فقراء

وتابع يقول:

– ما يميز نضال الطبقة العاملة اليوم هو أولاً الاتساع الأفقي للطبقة العاملة والمفهوم الاكثر تطوراً لها بحيث لم تعد الطبقة العاملة الصناعية رغم انها الأساس ولا تزال، ولكن الطبقة العاملة من خلال مفهوم الاجر المحدود تطال اليوم 85 بالمئة من الشعب اللبناني على الأقل، وبالتالي عندما نقول عيد الطبقة العاملة فهذا يعني عيد الشعب اللبناني، وبهذا المعنى فالعمال هم الأكثر صلابة في الدفاع عن قضايا الشعب وهم الذين يتعرضون للظلم خاصة وان الطبقة السياسية الحاكمة لم تستطع حل مشاكلها الاقتصادية، بل بالعكس تزيد من الأعباء المعيشية والاقتصادية والاجتماعية على الفئات الشعبية، ولذلك تتضخم مسؤولية ما كان اسمه الاتحاد العمالي العام الذي لم يبقَ منه إلا الاسم. وهذا مرده الى فقدان الاستقلالية.. فهذا الاتحاد بهيكليته الحالية وتبعيته لوزارة العمل من خلال قدرة أي وزير على تفريخ اتحادات جديدة حتى وصل العدد بعد الطائف الى 52 بعدما كان 22 اتحاداً فقط، وبالتالي كل وزير <يفرخ> اتحادات جديدة ضمن إطار المحاصصة الطائفية والسياسية التي تطال كل شيء في البلد، ومنها التمثيل العمالي عبر استيلاد اتحادات نقابية تُعطى رخصة بشكل أو بآخر، ولذلك فالاتحاد العمالي لن يصبح بعد اليوم اتحاداً للعمال اللبنانيين لأنه فقد صفة التوحيد وربط نفسه نهائياً بالسلطة، حتى انه لم يتوانَ عن الوقوف مع الهيئات الاقتصادية ضد اقتراح قدمه وزير العمل آنذاك شربل نحاس لمصلحة العمال في تصحيح الأجور، بحيث ان هذه التجربة لم تحصل في أي بلد في العالم وعلى الأقل كانت الاتحادات تستحي وتسكت إذا فعلت ذلك، لكن عندنا لم يستحِ أحد وعمل الاتحاد لصالح الهيئات الاقتصادية والقوى المالية المهيمنة.

وأضاف قائلاً:

– وفي هذا الإطار، نتمنى أن تتوحد الحركة النقابية لكن التمني أمر والواقع أمر آخر، فهذا الاتحاد يفرخ بالعدد من جهة وتقل فاعليته من جهة أخرى، لأنه يرتبط أكثر بالسلطة، وانطلاقاً من ذلك نحن مع مصلحة الفقراء وإذا كانت الوحدة ستخنق مصلحتهم لصالح المستغلين والمستثمرين لا تبقى وحدة الاتحاد أولوية لدينا، علماً اننا سعينا إليها وحققناها حتى مع نقابيين من اليمين، لكن كان هؤلاء ملتزمين بقضايا العمال بشكل أو بآخر ولديهم الحد الأدنى من الاستقلالية، فكانت الوحدة آنذاك ضرورة وتساهم في توحيد الطبقة العاملة لتحقيق مصالحها وأنجز الاتحاد الكثير بقيادات نقابية وطنية مستقلة، ولم تكن فقط قيادات يسارية، لكن وحدة الطبقة العاملة الشكلية اليوم في إطار الاتحاد تستعمل لخنق مصلحة العمال، وانطلاقاً من ذلك رفعنا مع الاتحادات العمالية اليسارية شعار خلق حركة نقابية ديموقراطية مستقلة.

ــ هل استحضرتم تجربة هيئة التنسيق؟

– ليس فقط تجربة هيئة التنسيق، إنما بادرنا الى خلق هيئة عمالية مستقلة على أن يكون التنافس لما فيه مصلحة الطبقة العاملة، طالما ان الاتحاد العمالي كإطار موحد يستعمل من قبل السلطة السياسية التي ارتهن لها ضد مصلحة الطبقة العاملة، فكان لا بد من ان ننحاز الى طبقة نقابية تستطيع سد هذا الفراغ ونحن تقدمنا خطوات في هذا المجال، لاسيما لجهة بروز حركة على صعيد المستأجرين ضد قانون الإيجارات التهجيري، وحركة لخلق نقابات لعاملات المنازل والعمال الأجانب في إطار تنظيم عملهم والدفاع عن حقوقهم ناهيك عن وجود العديد من الاتحادات التاريخية داخل الاتحاد العمالي بدأت بخلق صلات من أجل تعزيز الحالة النقابية المستقلة.

ــ ضمن الاتحاد أو خارجه؟

– الإطار من خارج المكتب التنفيذي للاتحاد رغم ان هذه الاتحادات أعضاء في الاتحاد، ولكن لا بد من خلق إطار ديموقراطي في هذا المجال. وبكل صراحة لم تعد المسألة تشكل لنا عقدة سواء كنا داخل الاتحاد أم خارجه، لأن مثل هذا الاتحاد لا يمكن تغييره إلا بهيكلية جديدة وباستقلاليته عن السلطة وعن وزارة العمل، وهذا أمر ضروري خاصة وان ديون البلد وصلت الى 78 مليار دولار كما قال الرئيس نبيه بري، وهذه الديون يتحملها العمال وذوو الدخل المحدود رغم انها ذهبت الى جيوب أصحاب العقارات والمصارف ويدفعها الفقراء من جيوبهم بالتخفيف من حقوقهم المكتسبة بما في ذلك الضمانات الاجتماعية.

تجربة هيئة التنسيق

ــ ماذا عن تجربة هيئة التنسيق؟

– إذا عدنا الى عمل هيئة التنسيق تاريخياً، فإننا نجد أن النكسة التي تعرضت لها مؤخراً ليست الأولى بل سبق أن تعرضت لنكسة بعد إنشائها في أوائل الثمانينات يوم كانت تضم الاتحاد العمالي العام ورابطة اساتذة الجامعة اللبنانية، وقامت بمعارك شعبية كبيرة لامست السياسة، لاسيما معركة الحريات وقمعت آنذاك كلها ولكنها فرضت على الحكومة التراجع عن قرار منع التظاهرة، وكانت تمثل كل فقراء البلد وذوي الدخل المحدود، إلا ان أهل السلطة تدخلوا في شؤونها ونصبوا غسان غصن بديلاً عن الياس ابو رزق وضربوا الاتحاد وصادروا قراره عبر تفريخ النقابات والاتحادات وانسحاب الاتحاد من هيئة التنسيق، ثم تحاصصت القوى الطائفية رابطة أساتذة الجامعة ومنعتها من لعب دورها الى جانب هيئة التنسيق التي لم تعد تضم إلا النقابات التربوية من الثانوي الى التعليم العام ورابطة موظفي الدولة والتعليم الخاص، حيث أكملت دورها ما أعجز أهل السلطة، فعمدت الى إلغاء دورها من خلال معركة سلسلة الرتب والرواتب، فصدر القرار السياسي المفروض من الهيئات الاقتصادية لضرب هيئة التنسيق وقاموا بمعركة ضد الرمز الأكثر استقلالية في الهيئة والأكثر ثقة بالمعلمين والموظفين، وهو حنا غريب وتآمروا جميعاً واتفقوا على إبعاده.

وتابع قائلاً:

– وهذا في رأيي هو الجانب السلبي لأنه أسقط في هيئة التنسيق أحد عوامل وحدتها وقيادتها وتمركزها، لكن النسبة الكبيرة التي حصلت عليها لائحة التيار المستقل برئاسة حنا غريب والتي وصلت الى 43 بالمئة ليست قوة الحزب الشيوعي وحده، بل هي قوة الأساتذة الثانويين الذين ينتخبون نقابيين يعتبرونهم أهل ثقة ويلبون مصلحة الأساتذة في مقابل النسبة الأخرى التي تعرضت للضغط السياسي والإغراءات الوظيفية والتحاصص بعدما استعمل أهل السلطة كل الوسائل في الانتخابات بدءاً من وزارة التربية الى القوى السياسية كافة في 8 و14 آذار، حيث لا يجتمعون إلا ضد مصلحة الناس رغم انهم يختلفون على كل شيء.

التعبئة المذهبية

ــ الحزب الشيوعي يمر في أزمة كما حال كل أوطاننا. فهل من خطوات مستقبلية في هذا الإطار في وقت يراهن البعض على الأحزاب العلمانية لتكون هي الخيار الثالث بين 8 و14آذار؟

– نحن نمر في أزمة هي جزء من أزمة بلدنا لا بل كل أحزاب لبنان، ومن ضمنها الحزب الشيوعي، تمر في أزمة، إلا أن التعبئة المذهبية تساهم في تضييق هامش تحرك القوى العلمانية والديموقراطية، وهذه التعبئة جزء من أزمتنا، أضف الى ذلك تأثير العامل الإقليمي في ساحتنا، والدليل أن لبنان اليوم بدون رئيس للجمهورية وبدون مجلس نواب ومجلس وزراء بالكاد يصدر قراراته، رغم ذلك، فالناس يعيشون في إطار انضوائهم في حركتهم المذهبية بحيث يحصلون على بعض المتطلبات الاجتماعية والخدماتية الزبائنية المباشرة عبر أحزاب المذاهب وأحزاب الأمر الواقع المستفيدة من موازنة الدولة للقيام بمشاريعها السياسية والاقتصادية الخاصة بها. صحيح نحن في أزمة تطال عملنا الداخلي، لكن سبق ومرتّ على الحزب أزمات كثيرة منذ التعسينات بعدما تلقى ضربات موجعة من انهيار التجربة الاشتراكية السابقة وانهيار حركة التحرر العربية لصالح سيطرة المشروع الاميركي على معظم الأنظمة العربية، وانهيار المشروع الوطني في لبنان واستعادة المشروع الطائفي بزخم عبر المشروع المذهبي والذي يسمى اتفاق الطائف، والآن نحن أمام ضرورة حل أزمة الحزب وتجاوزها.

واستطرد قائلاً:

– وانطلاقاً من ذلك، فالقضية تهم كل الشيوعيين والديموقراطيين، وهذا الأمر لمسناه بعد المبادرة التي أطلقتها ومن خلال الصلة مع الشيوعيين الذين ذهب كل واحد منهم في إطار ووجهة نظر سياسية مختلفة، وبالتالي هناك قناعة تتكرس بأن هناك ضرورة لمساهمة الحزب كممثل للفقراء والمثقفين والعاملين الديموقراطيين والعلمانيين بأنه أحد الإطارات الأكثر تنظيماً، رغم ضعفه، ويجب أن يلعب دوراً في توحيد هذا الإطار الديموقراطي العام لتقديم مشروع يخرج البلد من أزمته، وليس فقط يخرجه من أزمته الذاتية، وكي يأخذ لبنان دوره في حركة عربية تقدمية تكون بديلة عن هذه الانقسامات المذهبية والطائفية.

واستطرد قائلاً:

– وجوهر مشروعنا ينطلق من مواجهة الهيمنة المضادة التي يقودها المشروع الأميركي تحت مسمى <الشرق الأوسط الجديد>، وهو عملياً <سايكس بيكو> الثاني من خلال إعادة تنظيم المنطقة على أن نعمل لاستعادة دور فلسطين في هذا المجال كونها نواة وحدة فقراء العرب واستعادة برنامج التنمية العربية الشاملة، وقف مصادرة الثروة من قبل الأنظمة لصالح المشروع الأميركي واستعادة المسألة السياسية الديموقراطية التي ضربتها كل الأنظمة التي اعتمدت القمع والفاشية في وجه شعوبها. ونحن في إطار هذا البرنامج نعكسه على لبنان، بحيث ان اتفاق الطائف انهار ولم يعد قادراً على انتخاب رئيس ولا السير بالتشريع أو تشكيل حكومة غير تعطيلية.

المؤتمر التأسيسي حاجة

ــ هل تطرحون المؤتمر التأسيسي كحل للأزمات وماذا عن اتهام البعض للشيعة بأنهم وراء هذا الطرح؟

– المؤتمر التأسيسي ليس طرحاً شيعياً وهو مشروع الحركة الوطنية الذي صدر عام 1975 من خلال برنامج الإصلاح آنذاك، ونذكر هنا النائب وليد جنبلاط والحزب الاشتراكي بأن هذا هو مشروع الحركة الوطنية وأصبح اليوم ضرورة في ظل الفراغ الحاصل والتعطيل المجلسي والوزاري. فاتفاق الطائف انهار ونحن نعتبر أن الحرب الأهلية لا تزال مستمرة وتدور بأشكال مختلفة، وأكبر هدنة حصلت كانت عبر اتفاق الطائف، لكن هذه الهدنة انهارت عام 2005 مع اغتيال أحد أهم رموزها وهو الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبالتالي نحن نحتاج الى حل جديد لا يمكن أن يكون حلاً طائفياً حيث لا يمكن الحفاظ على وحدة لبنان ككيان، إلا عبر مؤتمر تأسيسي ينتج نظاماً ديموقراطياً غير طائفي، نظاماً علمانياً يسوده منطق العدالة بين المواطنين اللبنانيين وليس بين الطوائف وأيضاً في الاقتصاد ولصالح أغلبية الشعب اللبناني من خلال العدالة الاجتماعية.

ــ كرة النار ملتهبة في المنطقة من سوريا الى اليمن، الى أين نسير؟

– نحن في مرحلة انتقالية خطيرة، وأرى أن العروبة التقدمية هي البديل الثالث عن المشروع الأميركي – الاسرائيلي وعن القوى الإقليمية المختلفة التي تسعى لتحقيق مصالحها. وأنا هنا لا ألوم التركي ولا الإيراني بل ألوم الحركة العربية التي لا تستطيع تأمين البديل العربي الذي لا يمكن ان يتأمن في ظل الانظمة الحاكمة، لكن في إطار حالة تقدمية عربية تجدد الروح التي عبّر عنها جمال عبد الناصر والحركة القومية آنذاك بالاستفادة من اخطائها ومن أخطاء اليسار العربي بشكل أو بآخر وباستيلاد حالة عروبية تقدمية.

ــ وكيف ترى الدخول الاسرائيلي المباشر على خط الأزمات العربية خاصة في سوريا؟

– اسرائيل هي جوهر المشروع الأميركي وجوهر <سايكس بيكو> الثاني لإنهاء قضية الصراع العربي – الإسرائيلي واستبداله بصراع بين مناطق النفوذ الإيرانية – التركية – السعودية، على أن تكون اسرائيل هي بيضة القبان في إطار هذا الصراع بين مناطق النفوذ، فهذه هي الخطة الأميركية، واسرائيل هي المستفيدة،  ولذلك تمنع أي تقدم في الحسم وهي حليفة موضوعية مع تركيا للقوى الإرهابية والظلامية في المنطقة بحيث تنشئ دول دينية متصارعة في المنطقة لتبقى الدولة الأهم وهي الدولة اليهودية بعد إع