26 September,2018

عون يرفض أن ”يمدّ جنبلاط يده“ على التمثيل المسيحي و”أبو تيمور“ يراهن على خصوم الرئيس لمساندته في ”معركة الوجود“!

 

JONBLAT-AOUN1-(1)
لم تصمد طويلاً <الهدنة> التي تمت بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط والتي بدأت قبيل انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية واستمرت الى ما بعد تشكيل الحكومة، لكنها وقعت في <التجربة> بعد المباشرة في طرح الصيغ لقانون انتخابي وما رافق ذلك من مواجهات غير مباشرة سرعان ما أصبحت مباشرة وعلنية بين رئيس الجمهورية والزعيم الدرزي الذي بايع العماد عون رئيساً  للجمهورية في 31 تشرين الأول/ اكتوبر الماضي. كل المؤشرات توحي بأن المواجهة بين الرئيس و<البيك> سوف تتصاعد في الآتي من الأيام، لاسيما بعد المواقف التي أعلنها الرئيس عون أمام زواره الأسبوع الماضي والتي غمز فيها، وبوضوح، من قناة النائب جنبلاط الذي اتهمه أمام وفد نقابة المحررين – من دون أن يسميه – بأنه يريد أن يحتكر نواب طائفته و<يمدّ يده> على الطوائف الأخرى ليصادر نوابها، متعهداً منعه من تحقيق ذلك بشتى الوسائل السياسية والدستورية المتاحة.

ويرى مراقبون أن <المعركة> التي بدأت بين قصر بعبدا والمختارة لن تنتهي في وقت قريب، ولا هي قابلة لأي تسوية معقولة ومقبولة من الطرفين، وبالتالي فإن مناخاً سياسياً غير سليم سيسود بين الرئيس عون والنائب جنبلاط ويأخذ منحى يتجاوز الخلاف التقليدي بين رئيس الدولة وأحد الزعماء البارزين بها. والدليل على ذلك أن النائب جنبلاط الذي يكثر من <تغريداته المرمزة> قرر المضي في رفضه النسبية في قانون الانتخابات العتيد مهما كانت النتائج، وهو يتحرّك على خطين: الأول، حصر المواجهة بينه وبين رئيس الجمهورية من دون غيره من المكونات السياسية المؤيدة لطروحات الرئيس عون، والثاني، تكوين جبهة سياسية من <المتضررين> من الطرح الرئاسي نواتها حتى الآن تيار <المردة> وزعيمه النائب سليمان فرنجية، وحزب الكتائب ورئيسه النائب سامي الجميّل.

تركيز على مسؤولية الرئيس في التعطيل

في الشق الأول، بدا واضحاً من مواقف المسؤولين الاشتراكيين ونواب اللقاء الديموقراطي أن التركيز على مسؤولية رئيس الجمهورية في <تعطيل> انتخاب مجلس نيابي جديد من دون غيره من الزعامات اللبنانية من شأنه أن يجعل من الرئيس عون طرفاً في البلاد وليس رئيساً حكماً كما يحرص رئيس الجمهورية أن يكون عليه وفقاً لأحكام الدستور وبنود الميثاق الوطني الذي يلتزمه الجميع بمن فيهم الرئيس عون والنائب جنبلاط. من هنا أتى التركيز على عدم قدرة رئيس الجمهورية على تعطيل إجراء الانتخابات النيابية <لأن الفراغ ليس دستورياً ولا قانونياً> من جهة أولى، ولأنه يعيد البلاد الى اجواء الفراغ الذي ساد بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان من جهة ثانية. ثم زاد جنبلاط على ذلك باتهام الرئيس عون – بشكل غير مباشر – بأنه يعيد اللبنانيين الى الوراء بدلاً من احتضان الجميع واقتصاص همومهم وهواجسهم.

ولم ينتظر الرئيس عون طويلاً للرد على جنبلاط رافضاً حيناً أن يمارس الأحادية في السلطة ويصادر قرار الناس، واتهامه بالعمل على التحريض وإعادة الاضطراب الى الحياة السياسية حيناً آخر. أكثر من ذلك، ذهب الرئيس عون بعيداً في تحميل جنبلاط مسؤولية أي تراجع في الحياة السياسية اللبنانية ومناقضته بشكل مباشر وكبير ما كان الحزب التقدمي الاشتراكي يسعى إليه خلال الأعوام الماضية، وتحديداً في البرنامج المرحلي لـ<الحركة الوطنية> التي ترأسها الشهيد كمال جنبلاط. ونقل زوار الرئيس عون عنه قوله بأن أسلوب جنبلاط في معارضته أي صيغة انتخابية جديدة وتمسكه بـ <قانون الستين> يهدفان الى منع المسيحيين والمسلمين من انتخاب ممثليهم في دائرة الشوف، والإتيان بنواب موالين له في دائرة عاليه، ما يعني استطراداً أنه لا يخشى على مصير طائفته – كما يقول <أبو تيمور> – لأن ما من أحد يمكن أن يلغي وجود 8 نواب دروز في مجلس النواب القائم على توازن طائفي بين المسلمين والمسيحيين 64 – 64 نائباً. وفي تقدير الرئيس عون أن النائب جنبلاط <كشف نفسه> عندما عارض أي صيغة فيها نسبة ولو قليلة من النسبية لأنه لا يريد أن يأتي أي نائب في دائرتي الشوف وعاليه من غير النواب الذين يشاركونه اللوائح الانتخابية في كل من عاليه والشوف، ما يعني عملياً أن لا رأي ثانياً لأحد في دائرتي الشوف وعاليه حتى لو نال 49 بالمئة من أصوات الناخبين، وهو أمر لن يوافق الرئيس عون على حصوله مهما كلف الأمر.

عون: جنبلاط يكرر لعبته مع الرؤساء

جنبلاط

ويقول مراقبون يتابعون الحراك الجنبلاطي بدقة، بأن الزعيم الاشتراكي لجأ الى أسلوب جديد – قديم، يقوم على الرهان على خصوم الرئيس عون السياسيين، ومحاولة النائب جنبلاط تكوين جبهة معارضة ممن بقوا إما خارج الجنة الحكومية (مثل حزب الكتائب وغيره)، واما الذين هم على خصومة قوية مع الرئيس عون و<التيار الوطني المستقل> (مثل تيار المردة). وما زيارة وفد من الحزب التقدمي الاشتراكي واللقاء الديموقراطي الى بنشعي الأسبوع الماضي، إلا خطوة أولى في سياق سلسلة خطوات ينوي جنبلاط القيام بها لتحقيق معارضة مسيحية أولاً لخيارات الرئيس عون، توازيها معارضة سنية، في وقت لا يبدو فيه جنبلاط قادراً على اختراق <الثنائية الشيعية> التي توزع <تفهمها> بين الرئيس عون من جهة أولى، والنائب جنبلاط من جهة ثانية، وإن كانت كمية الدعم لرئيس الجمهورية تبقى الآن – أكبر من غيرها من خلال المناداة بالنسبية. وأتت التصريحات التي أدلى بها النائب فرنجية بعيد اللقاء مع الوفد الجنبلاطي وتناول فيها <المصابين بالعقد> بتحضير صيغة أكثر تعقيداً من غيرها، لتزيد الطين بلّة وتعمّق الهوّة أكثر وأكثر في العلاقة بين الاشتراكيين والعونيين والتي تعاني أصلاً من <اهتزاز دائم> و<سوء فهم> و<تحامل>. ويرى الرئيس عون – كما ينقل عنه الزوار – أن النائب جنبلاط يريد أن يكرر معه ما كان يفعله مع الرؤساء في مرحلة ما بعد <اتفاق الطائف> من <هيمنة> على قراراتهم وخياراتهم الوطنية، وان مثل هذه السياسة لا يمكن أن تمر مع الرئيس عون المشهور بمواقفه الثابتة وبـ<عناده> حيال المسألة الوطنية المطروحة. ويؤكد رئيس الجمهورية أنه ليس في وارد المساس بحقوق الدروز في التمثيل في الندوة البرلمانية، لكنه حريص في المقابل على ان يختار المسيحيون نوابهم سواء كان ذلك في دائرتي الشوف عاليه، أو غيرها من الدوائر. وبالتالي فإن النظام النسبي أو النظام المختلط يحقق مثل هذه الشراكة التي يتساهل جنبلاط في إساقطها أو إلحاق ضرر جسيم فيها. وكما رفض الرئيس عون – كما يقول أمام زواره – الغاء دور المسيحيين في اختيار ممثليهم في كل الدوائر بما في ذلك دائرتي عاليه والشوف، فهو لن يرضى في المقابل بأي مساس في حقوق الدروز في اختيار ممثليهم سواء كانوا من الجنبلاطيين أو من أنصار النائب طلال ارسلان أو الوزير السابق وئام وهاب، بصرف النظر عما إذا كان كل من ارسلان ووهاب قادرين على تحقيق خرق لمرشحيهم في اقلام الاقتراع.

والسؤال البارز يبقى: الى أين ستصل المواجهة بين رئيس الجمهورية والنائب جنبلاط الذي فاز مجدداً بالتزكية في رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي؟ وهذا ما حصل يوم الأحد الماضي.

متابعون لمسار <المعركة> بين سيد بعبدا وسيد المختارة يتحدثون عن ان المواجهة مستمرة ولا مجال لأن يتراجع أي من الطرفين، وهي ستكون متعددة الوجوه، في السياسة وفي الإعلام وفي الإدارة، لاسيما وان الرئيس عون ليس في وارد التراجع عن خياراته وثوابته، وكذلك النائب جنبلاط الذي يقول إن المعركة مع الرئيس عون… معركة وجود!