29 June,2017

عون نال حصة الأسد في التركيبة الأمنية الجديدة معيداً الى الرئاسة ما كانت قد خسرته بعد ”اتفاق الطائف“!

 

مجلس-وزراء------Aلا يمكن مقاربة التعيينات الأمنية التي أقرها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي على أنها مجرد إجراء روتيني في مطلع كل عهد رئاسي جديد يتم فيه تغيير القادة الأمنيين، ذلك أن هذه التعيينات تمت لأول مرة منذ <اتفاق الطائف> بعيداً عن التأثير الخارجي أو <الإيحاءات> التقليدية من جهة، وتنفيذاً لرغبة – بل لمشيئة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كانت له الكلمة الفصل في اختيار العميد جوزف عون قائداً للجيش (وترقيته الى رتبة عماد)، والمدير العام لأمن الدولة العميد طوني صليبا (وترقيته الى رتبة لواء)، وبدري ضاهر مديراً عاماً للجمارك من جهة ثانية، وكذلك موافقته على أسماء القادة الامنيين الآخرين مثل العميد عماد عثمان مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي (وترقيته الى رتبة لواء)، والعميد سعد الله محيي الدين أميناً عاماً للمجلس الأعلى للدفاع (وترقيته الى رتبة لواء)، والعميد سمير سنان نائباً لمدير عام أمن الدولة، أما بالنسبة الى تجديد تعيين اللواء عباس ابراهيم مديراً عاماً للأمن العام بعد استقالته من السلك العسكري، فقد كان نتيجة توافق واسع لامس الاجتماع نظراً للدور الذي يلعبه اللواء ابراهيم والعلاقات التي نسجها من القيادات اللبنانية، رسمية كانت أم سياسية.

وما يقال عن التعيينات الامنية، يقال ايضاً عن التعيينات الادارية لاسيما رئيس هيئة التفتيش المركزي القاضي جورج عطية الذي اختاره الرئيس عون من بين مجموعة من القضاة الشباب الذين رُشحوا لهذه الوظيفة، أو رشحوا أنفسهم لا فرق… وكذلك الحال بالنسبة الى عضوي مجلس الجمارك الأعلى، أما رئيس المجلس فكان مفاجأة الربع الساعة الأخير حين توافقت <الثنائية الشيعية> على إعفاء العميد المتقاعد نزار خليل من منصبه واستبداله بالعميد المتقاعد اسعد طفيلي، وتولى وزير المال علي حسن خليل نقل الرغبة المشتركة لحركة <أمل> (والرئيس نبيه بري) وحزب الله الى رئيسي الجمهورية والحكومة اللذين لم يمانعا وحصل التغيير.

وبصرف النظر عما رافق النقاش داخل مجلس الوزراء حول ملابسات التعيين والمعايير التي اعتُمدت في الاختيار، فإن الرئيس عون استطاع أن يحيط نفسه بمنظومة أمنية متجانسة تربطه بأفرادها علاقات متينة ويتمتعون بثقته ما يضاعف مسؤولية الرئيس في اختياره لجهة أن يكونوا على قدر المهام التي أُلقيت على عاتقهم، لاسيما وأن <العين> ستبقى مفتوحة على القادة الجدد لأكثر من اعتبار. وبذلك استطاع رئيس الجمهورية أن يحقق لبداية عهده زخماً اضافياً لانطلاقته لم يتوافر لرؤساء جمهورية ما بعد <مؤتمر الطائف> الذين سبقوه لاسيما لجهة اختيار قائد الجيش العماد جوزف عون الذي حظي بإجماع داخلي وترحيب خارجي. فالرئيس الراحل الياس الهراوي لم يكن العماد إميل لحود خياره لقيادة الجيش، والرئيس لحود لم يكن يرغب في تعيين العماد ميشال سليمان قائداً للجيش، والرئيس سليمان كان يفضل غير العماد جان قهوجي لهذا المنصب، إلا أن التدخلات الخارجية حيناً والسورية في معظم الاحيان حالت دون تمكن الرؤساء الثلاثة: الهراوي ولحود وسليمان من أن تكون لهم الكلمة الفصل في اختيار قادة الجيش الذين توالوا في عهودهم. وحده الرئيس عون <كسر> القاعدة التي سادت منذ إقرار <الطائف>، واختار العماد جوزف عون وألزم به جميع المعنيين في مجلس الوزراء، على رغم أنه لم تكن من حاجة لأي جهد استثنائي فالعماد عون مشهود له وصاحب مؤهلات كثيرة وخبرات متراكمة في الميدان.

وتقول مصادر متابعة ان الرئيس عون الذي تمكن من تمرير التعيينات العسكرية بسلاسة وهدوء (باستثناء أصوات وزراء اعترضوا على الآلية)، أثبت امتلاكه القدرة على إقناع مجلس الوزراء رئيساً وأعضاء بصحة خياراته، بخلاف ما جرت عليه الأمور في العهود السابقة حين لم يكن لأسلافه دور يذكر في هذه التعيينات، لاسيما وانه درس شخصياً ملفات الضباط المؤهلين لتسلم منصب قائد الجيش والتي حوت على كل المعلومات المطلوبة في السير الذاتية والعسكرية مع ملاحظات مديرية المخابرات، وهي أظهرت أن خمسة من الأسماء المقترحة على الأقل، يتمتع أصحابها بالمواصفات المطلوبة، وانطبقت عليهم المعايير المعتمدة، لذلك كان الخيار صعباً في اتجاه العماد جوزف عون الذي رست عليه قيادة سفينة الجيش وسط هذه الأمواج المتلاطمة داخلياً واقليمياً…

وفي تقدير المصادر المتابعة أن عنصر التوافق الذي تحقق داخل مجلس الوزراء حول الاسماء المقترحة، المدنيين منهم والعسكريين، عكس عمق التعاون القائم بين الرئيس عون والرئيس سعد الحريري خلافاً لما روجت له جهات تحدثت بإسهاب الأسبوع الماضي عن <تباينات> في وجهات النظر بين رئيسي الجمهورية والحكومة، وتباعد في المواقف والخيارات، فإذ بقرارات مجلس الوزراء تدل على عكس ذلك، لأن التوافق كان حسم كل أسماء المدنيين والعسكريين قبل الجلسة بقليل، بدليل أن السير الذاتية للمعنيين وزعت على الوزراء قبل دقائق من بدء الجلسة، وهذا الأمر أثار اعتراض وزراء رفضوا أن <يبصموا> على ما سمعوه قبل ايام في وسائل الاعلام من <تعيينات>، ما شكل ظاهرة غير مسبوقة في مقاربة ملف التعيينات العسكرية والمدنية على حد سواء. وترى المصادر نفسها أن هذا التوافق بين الرئيسين عون والحريري – والذي أتى باللواء عماد عثمان مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي متقدماً على أكثر من 23 عميداً من مختلف الطوائف – أسس لنهج عمل جديد من شأنه إذا ما استمر أن يجعل التناغم في مواضيع أخرى عالقة، خياراً مطلوباً من مختلف المرجعيات السياسية والروحية على حد سواء.

ولا تسقط المصادر نفسها من الحسبان أهمية ترجمة خيار التنسيق بين القيادات الأمنية مع هذه المجموعة من القادة بهدف توحيد الجهود والقضاء على الازدواجية التي غالباً ما تسقط خططاً أمنية موضوعة للقضاء على الإرهاب والجريمة على حد سواء.. ومثل هذا التنسيق – تضيف المصادر  نفسها – يتجاوب مع التوجيهات التي كان الرئيس عون قد اعطاها منذ بداية عهده للقيادات الأمنية باعتماد الامن الاستباقي لاسيما في ما خص المواجهة المستمرة مع الارهاب وتنظيماته. من هنا سارعت الأوساط الديبلوماسية للترحيب بإقرار مجلس الوزراء التعيينات مسجلة ارتياحها للدفعة الاولى منها، لاسيما في قيادة الجيش حيث البعثات الامنية العربية والدولية على تماس مع المؤسسة العسكرية الأم في مجالات التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات والفنون القتالية لمواجهة الارهاب الذي يقلق لبنان على نحو مباشر وخطير، ولم يكن مفاجئاً أن يتلقى الرئيس عون وغيره ربما من المسؤولين ردود فعل <مرتاحة> على إنجاز ملف التعيينات الأمنية، على أمل أن يشكل ذلك حافزاً لإنجازات أخرى في ميادين مختلفة.

ولأن العبرة في التنفيذ، فإن المصادر المعنية ترى أن ما تحقق على صعيد التعيينات الامنية خطوة أولى يفترض أن تليها خطوات أخرى لتكون هذه التعيينات قد حققت أهدافها، لاسيما لجهة العناية بصورة العهد الرئاسي العوني الذي وضع بصماته بقوة على التعيينات بحيث يصعب إقناع أحد بأن الرئيس عون كان <على الحياد> كما سعى البعض الى الترويج، لذلك فإن المنظومة الأمنية التي تكونت حول رئيس الجمهورية مدعوة الى التنسيق الدائم والمباشر، لأنه في المجال الأمني، دقيقة واحدة قد تفصل بين مجرم يستحق السجن المؤبد، وضحية قد تكون ذهبت خطأ أو بفعل مؤامرة وتصفية حسابات. من هنا تضيف المصادر، فإن استعادة رئيس الجمهورية لدوره في التعامل مع المؤسسات الأمنية المختلفة يتجاوز كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة وفق ما جاء في الدستور، الى أهمية التواصل المباشر والمعرفة المسبقة بأشخاص المسؤولين الأمنيين، ومنهم من خدم ضابطاً مع الرئيس عون عندما كان قائداً للجيش أو قائداً للواء الثامن، لأن مثل هذا التعارف يمكّن من جعل المهمة الأمنية وما يتفرع عنها سهلة ومنسقة، ولا حجة بالتالي لأي جهاز أمني في أن <يفتح على حسابه>!