17 December,2018

عون لن يقبل سلب الرئاسة المزيد من صلاحياتها: لا شريك غير الحريري والوزير المختص في توقيع ”المراسيم العادية“!

حسن نصراللهمع انتهاء الأسبوع الثالث وبداية الأسبوع الرابع لما بات يُعرف بـ<أزمة مرسوم الاقدميات> الصادر عام 1994، بدا أن الأمور تتجه الى مزيد من التعقيد نتيجة استمرار رئيس مجلس النواب نبيه بري في موقفه الذي يعتبر أن مرسوم منح أقدميات لضباط دورة 1994 في المدرسة الحربية <غير قانوني وغير دستوري> لتجاوزه توقيع وزير المال علي حسن خليل. وعلى رغم كثرة <سعاة الخير> لإيجاد حل لهذه الأزمة المستجدة، فإن الوضع لا يزال على حاله مع اعتبار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن المرسوم لا يحتاج الى توقيع وزير المال لأنه لا يرتب أعباء مالية إلا في حال إقرار مرسوم الترقيات الذي يحمل عادة تواقيع رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء المختصين وبينهم وزير المالية.

وفيما يؤكد الرئيس عون أمام زواره أنه استند في توقيع المرسوم وإصداره الى مراسيم مماثلة صدرت في عهده وفي عهود سابقة، وأن لا خلفية سياسية لهذا الأمر، بدا أن المشكلة ليست عملياً قصة توقيع الوزير خليل على المرسوم، بقدر ما هي ذات خلفيات سياسية سبق لـ<الأفكار> أن أشارت إليها في عدد سابق، وهي تتصل بما يُعرف بـ<التوقيع الثالث> الى جانب توقيعي رئيسي الجمهورية والحكومة، وهو عادة وزير المال الذي ينتمي الى حركة <أمل> الشيعية، بمعنى آخر أن هذا <التوقيع الثالث> يوضع الى جانب التوقيع الماروني (رئيس الجمهورية) والسني (رئيس الحكومة)، ما يكرّس <ثلاثية المسؤولية> السياسية في إدارة شؤون البلاد!

 

الخلاف سياسي لا إداري

والخلاصة السياسية التي وصل إليها المراقبون أن كل ما يُقال عن أن الأزمة تُحل بمجرد توقيع الوزير خليل على المرسوم ولو بعد صدوره ونشره، لا يعدو كونه <تبسيطاً> للواقع الذي هو في النهاية تكريس حق وزير المال في أن يكون توقيعه الثالث الى جانب توقيعي رئيسي الجمهورية والحكومة، وهذا يعني استطراداً أن وزير المال سيكون دائماً شيعياً لتكريس المثالثة في عمل السلطة التنفيذية. ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد ما يروجه بعض من كان في مؤتمر <اتفاق الطائف> بأن هذه المسألة طرحت خلال المداولات وانه تم الوصول فيها الى تفاهم ضمني غير مكتوب (وغير منصوص عليه في الدستور لاحقاً) بأن تعطى وزارة المال للشيعة على أساس أن وزير المال يوقع الغالبية العظمى من المراسيم التي تنشئ حقوقاً مالياً للمستفيدين من هذه المراسيم.

وإذا كان الرئيس بري يقارب هذه المسألة في العلن من عدة جوانب بعضها ميثاقي والبعض الآخر توافقي، والبعض الثالث طائفي، فإن الأوساط المطلعة على موقف رئيس مجلس النواب تؤكد بأن الرئيس بري وسّع إطار مقاربته للموضوع إذ لم يعد الأمر بالنسبة إليه مجرد صدور مرسوم بلا توقيع وزير المال، بل بات يبدي <قلقاً> على <اتفاق الطائف> وعلى الميثاق الوطني وعلى التفاهم بين مكونات السلطة السياسية المرتكز على التوزيع الطائفي، ثم تطوّر الأمر بالنسبة الى رئيس مجلس النواب بحيث تجاوز النقاش الدستوري الى الاتهامات <بخرق الدستور واستهداف الطائف> والى القول بأن <قرار الدولة ليس عند شخص واحد>! وهذا التصعيد المتدرج في موقف الرئيس بري لم يعقّد المسألة فحسب، بل هو <فرمل> عملياً سعي رئيس الحكومة سعد الحريري الى الدخول على خط المعالجات الهادئة. وفي هذا السياق، تقول مصادر قريبة من السرايا ان الرئيس الحريري وجد في كلام الرئيس بري الأخير، انتقالاً للازمة من مكان الى آخر، فهي كانت في رأي الرئيس بري بداية قانونية فيها <تجاوز> لتوقيع وزير المال، ثم أصبحت ميثاقية ودستورية إضافة الى ربطها بطريقة إدارة البلاد ومقاربة النصوص القانونية التي ترعى عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية. لذلك، تضيف المصادر نفسها، علق الرئيس الحريري تحركه من أجل جلاء الصورة أكثر، علماً أن ثمة من كشف أن من بين أسباب تعليق الحريري لتحركه، عدم تحديد الرئيس بري لموعد رسمي طلبه لزيارته منذ أسبوعين للبحث في مواضيع عدة من بينها موضوع مرسوم الأقدميات عام 1994.

 

الحريري محتار بين عون وبري!

وفيما تبدي مصادر السرايا استغرابها لموقف الرئيس بري من طلب الموعد وتعتبره سابقة في العلاقات بين رئيسي الحكومة والمجلس، ولو على الصعيد الشخصي، حرصت مصادر نيابية قريبة من الرئيس بري على التساؤل أمام الاعلاميين بعد <لقاء الاربعاء> الأسبوعي، لماذا استغراب موقف رئيس المجلس من رئيس الحكومة الذي اشترك مع رئيس الجمهورية في توقيع مرسوم الترقيات مع علمه بأن وزير المال لم يوقع عليه، وبالتالي فإن ردود فعل الرئيس بري المتتالية حيال المرسوم تشمل ضمناً الرئيس الحريري وإن كانت موجهة صوب سيد بعبدا. وتعتبر مصادر السرايا بأن الرئيس الحريري لم يشأ أن يدخل في جدال مع الرئيس بري حول ظروف توقيع المرسوم طالما أن رئيس المجلس لم يشمل الحريري بانتقاداته العلنية و<مخاوفه> على <اتفاق الطائف> والميثاق والدستور، إضافة الى أنه – أي الحريري – لا يريد إقحام الحكومة في هذه المواجهة بين الرئاستين الأولى والثانية، وذلك من أجل ضمان عدم انتقال التوتر الى داخل مجلس الوزراء وتعطيل الحكومة التي لا يزال أمامها خمسة أشهر لتتولى مسؤولياتها وتنهيها بإجراء الانتخابات النيابية في 6 أيار/ مايو المقبل. وقد بدا أن الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، وهي الاولى في السنة الجديدة، مضت بهدوء وصفاء وظل مرسوم الاقدميات بعيداً عنها، ما عزز الاعتقاد بأن أزمة المرسوم ستبقى بعيدة عن مجلس الوزراء ليظل الانتظام الحكومي قائماً.

وفي موازاة استمرار الرئيس بري في تصعيده الاعتراضي، وانكفاء الرئيس الحريري عن المواجهة المباشرة على رغم أنه معني بحقه الدستوري في التوقيع مع رئيس الجمهورية والوزير المختص على المراسيم العادية، يبدو موقف الرئيس عون الاكثر مقاربة للواقع، ذلك أنه أدرك منذ اللحظة الاولى أن اعتراض الرئيس بري يتجاوز عدم توقيع الوزير علي حسن خليل على مرسوم اقدميات الضباط، الى ما هو أبعد، وهو تكريس توقيع وزير المال على كل المراسيم الصادرة سواء كانت بموجب قرارات مجلس الوزراء، أو المراسيم العادية، على أن يلي تكريس <التوقيع الثالث> تمسك الشيعة بحقيبة وزارة المال كحقيبة سيادية من أصل الحقائب السيادية الأربع، الدفاع والداخلية والخارجية والمالية. ولذلك تعاطى الرئيس عون مع هذا الموضوع من زاوية قانونية وتقنية وتنفيذية، بمعنى أنه حافظ على التقليد المتبع بأن يوقع مع رئيس الحكومة ووزير الدفاع (كونه الوزير المختص) مرسوم منح أقدميات لضباط الجيش، فيما يوقع وزير الداخلية مرسوم منح أقدميات ضباط قوى الأمن الداخلي. وقد تم بالفعل فصل ضباط الجيش عن ضباط قوى الأمن، وسار مرسوم ضباط الجيش مساره التقليدي، فيما بقي مرسوم ضباط قوى الأمن الداخلي عند وزير الداخلية قيد الدرس!

 

عون: لا تنازل عن صلاحيات الرئيس!

بري جوزيف عون

وتكشف مصادر مطلعة على موقف بعبدا، أن رئيس الجمهورية ليس في وارد التنازل عن صلاحياته مع رئيس الحكومة والوزير المختص في توقيع المراسيم العادية ومنها مرسوم منح اقدميات الضباط، وهو استند في ما فعل على حالات مماثلة لمراسيم صدرت من دون توقيع وزير المال في عهود الرؤساء الياس الهراوي وإميل لحود وميشال سليمان، وحتى قبل <اتفاق الطائف> في عهود الرؤساء شارل حلو وسليمان فرنجية وأمين الجميّل، إضافة الى أن مجلس شورى الدولة كان قد أصدر في التسعينات قراراً تنفيذياً يعتبر فيه أن توقيع وزير المال ليس ضرورة إلا على المراسيم التي ترتب ضغوطاً مالية لصالح المستفيدين من المرسوم، فضلاً عن ان هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل أفتت بالرأي نفسه. أما القول بضرورة نشر مرسوم أقدميات الضباط في الجريدة الرسمية ليصبح نافذاً، فترد المصادر نفسها بالقول إن هناك 3 حالات تعتبر فيها المراسيم نافذة: الأولى عندما تذكر في المادة الأخيرة من كل مرسوم عبارة <يعمل به (أي بالمرسوم) فور نشره>، الثانية <يعمل به فور صدوره ويبلغ عندما <تدعو الحاجة>، والصيغة الثالثة <يعمل به عند  نشره في الجريدة الرسمية>. وهذا يعني استطراداً أن لا حاجة لنشر مرسوم الأقدميات في الجريدة الرسمية ليصبح نافذاً، لأنه درجت العادة على عدم نشر المراسيم الرسمية ومراسيم الضباط والعسكريين في الجريدة الرسمية، وكذلك الامر مراسيم العفو او منح الجنسية، وغيرها من المراسيم ذات الطابع الشخصي، وكل ما يتصل بالأمانة العامة لمجلس الوزراء  يجدر عدم نشره في الجريدة الرسمية حفاظاً على سريته.

إذاً من الناحية القانونية – تضيف المصادر المطلعة على موقف بعبدا – لا غبار على مرسوم الاقدميات وكل ما يقال غير ذلك لا يمكن الاعتداد به، ولذلك كانت دعوة الرئيس عون للمعترضين – ومن بينهم الرئيس بري ووزير المال – الى مراجعة القضاء الإداري أي مجلس شورى الدولة، ليقول كلمته على أن يتم الالتزام بقراره، فإذا أفتى بعدم قانونية المرسوم يصار الى الغائه مع كل المفاعيل المترتبة عنه ويصار الى اعداد غيره وتوقيع وزير المال عليه، وان اعتبره مرسوماً قانونياً وجب على جميع المعنيين التقيد بمفاعيله، وفي ما عدا ذلك ليس لدى بعبدا – حسب المصادر نفسها – أية مخارج أخرى في ما خص مسار المرسوم وقانونيته. أما إذا كان الهدف من الاعتراض ملامسة الشأنين الدستوري والميثاقي، فإن الرئيس عون يعتبر أن إثارة هاتين النقطتين مسألة محفوفة بالمخاطر لأنها تعني في جانب كبير منها محاولة <سلب> صلاحية رئيسي الجمهورية والحكومة في توقيع <المرسوم العادي> من خلال محاولة فرض <التوقيع الثالث> الذي غالباً ما يكون لوزير المال، أي الوزير الشيعي في الحكومة الراهنة، وقد يكون كذلك في الحكومات المقبلة. وهذا الأمر يشكل عودة مقنعة الى <نظام الترويكا> الذي لا يستسيغه الرئيس عون المؤمن بالفصل بين السلطات وبتعاونها وتوازنها وفق ما جاء في مقدمة ميثاق الوفاق الوطني المتفق عليه في <الطائف>. واستطراداً فإن <مشاركة> رئيسي الجمهورية والحكومة في عمل السلطة التنفيذية فهي تكون من خلال مجلس الوزراء، وليس من خلال وزير فرد يمثل طائفة ويحجب ذلك عن  طوائف أخرى، وإلا لبات واجباً الحصول على تواقيع وزراء يمثلون مختلف الطوائف في الحكومة!

 

من هو الوزير المختص؟

وتستغرب المصادر المطلعة على موقف بعبدا ما ذهب إليه الرئيس بري الأسبوع الماضي من خلال قوله بأن المراسيم في عهد حكومة الرئيس تمام سلام كانت توقّع من الوزراء الـ24 أعضاء الحكومة ولا يصبح المرسوم نافذاً إذا لم يوقعه وزير واحد. وتضيف المصادر ان الرئيس بري نسي على ما يبدو أن حكومة الرئيس سلام كانت تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل الفراغ الرئاسي الذي امتد الى سنتين ونصف السنة، ولم تكن حالها كذلك قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وبالتالي <الاستشهاد> بهذا الامر لا يقع في موقعه الدستوري، لا بل يناقض الواقع تماماً. من هنا – تضيف المصادر – ليس وارداً قبول الرئيس عون – وربما الرئيس الحريري لو سئل – باعتماد <التوقيع الثالث> على المراسيم العادية إذا لم يكن وزير المال معنياً بها، لأن <التوقيع الثالث> يكون للوزير المختص، أو للوزراء المختصين إذا كان المرسوم يتناول أكثر من جهة، علماً أن إعطاء أي صلاحية إضافية بتوقيع وزير المال عندما لا تدعو الحاجة الى ذلك، يعني مساواة توقيعه مع توقيعي رئيسي الجمهورية والحكومة وإعطاءه استطراداً إمكانية <حجز> المرسوم في مكتبه قدر ما يشاء إذ لا نص في الدستور يلزم الوزير توقيع المراسيم ضمن مهلة محددة، كما هو الحال بالنسبة الى رئيس الجمهورية في ما خص المراسيم الناتجة عن قرارات مجلس الوزراء حيث المهلة المعطاة له 15 يوماً! لذلك من غير الوارد منح أي وزير، سواء كان وزير المال أو غيره، صلاحيات هي أصلاً لرئيسي الجمهورية والحكومة، وإلا بات واجباً تعديل الدستور وإعادة النظر بالصلاحيات وبالمهل… وبكل ما يتفرع عن ذلك من نصوص وإجراءات، ما يؤدي الى إعادة النظر في <اتفاق الطائف>، وهي مسألة لم ترد في ذهن الرئيس عون في الوقت الراهن، وإن كانت موجودة لدى بعض الاوساط السياسية التي تدعو الى تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية وإعادة ما سُلب منه في ظروف باتت مع اسبابها… معروفة.

وفيما تتمسك بعبدا بموقفها، و<يتصلّب> الرئيس بري بحق <التوقيع الثالث>، تطرح الأوساط السياسية سلسلة أسئلة تتمحور حول موقف حزب الله من خلاف حليفيه المباشرين: الرئيس عون والرئيس بري، وأي دور يمكن أن يلعبه لإيجاد حل على قاعدة <لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم>، لاسيما وان تزايد الخلاف بين بعبدا وعين التينة يحرج قيادة الحزب، وخصوصاً أمينه العام السيد حسن نصر الله الذي كشف في إطلالاته الاعلامية الاخيرة انه لا بد من إيجاد حل لأزمة مرسوم الاقدميات انسجاماً مع الواقع السياسي والمتطلبات الدستورية والميثاقية. وفي اعتقاد الاوساط نفسها ان الحزب ليس في وارد وضع كل ثقله في سبيل الوصول الى الحل إذا لم يفوضه الطرفان بذلك، وهو أمر لم يحصل بعد وإن كانت المواقف المعلنة لا توحي بإمكانية حصوله، في الوقت الراهن على الأقل، ما يرجح أن تستمر تداعيات الخلاف وقتاً غير قصير طالما أنه سوف يتم تحييد عمل الحكومة عن هذا الصراع، وكذلك الاستعدادات للانتخابات النيابية!