21 November,2018

عون الى قصر بعبدا بعد ربع قرن من إخراجه منه عنوة وتطمينات نصر الله تستوعب ”غضب الحلفاء“... ولا تشمل الحكومة!

الراعي-و-عون
بين <تضحية> رئيس تيار <المستقبل> الرئيس سعد الحريري بدعم ترشيح زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، و<تضحية> الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعدم ممانعته لعودة الرئيس الحريري رئيساً للحكومة، يرتسم مشهد سياسي جديد في لبنان مع نهاية شهر تشرين الأول/ اكتوبر الجاري عنوانه المبدئي <إنهاء الشغور الرئاسي> الذي استمر سنتين وخمسة أشهر بدخول العماد عون قصر بعبدا رئيساً للجمهورية اللبنانية، بعدما كان قد أُخرج منه قبل ربع قرن وهو رئيس لحكومة العسكريين التي شكلها الرئيس السابق امين الجميّل قبل ربع ساعة من نهاية ولايته الرئاسية يوم 22 أيلول/ سبتمبر 1988 بعدما تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية عامذاك.

وإذا كان وصول العماد عون الى قصر بعبدا شبه محسوم على رغم أن خصمه في الاستحقاق الرئاسي رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية تحدث عن <مفاجآت> تنتظر <المرشح> عون نتيجة إصراره على الاستمرار في المعركة الرئاسية، فإن تطورات الساعات الاخيرة التي تسبق موعد الانتخابات، أظهرت بأن الرئيس الثالث عشر للجمهورية سيكون <صُنع في لبنان> بنسبة كبيرة، وذلك للمرة الأولى منذ <اتفاق الطائف> الذي أنتج أربعة رؤساء، اغتيل الأول (رينه معوض) على رغم القرار الدولي بانتخابه، وحكم الثاني (الياس الهراوي) تسع سنوات بدعم من <الوصاية السورية>، وشهد عهد الرئيس الثالث (إميل لحود) انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي اللبنانية المحتلة ومن بعدها القوات السورية بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في <جريمة العصر> في شباط/ فبراير 2005 وانتهى بعد تسع سنوات من الحكم بفراغ استمر ستة أشهر، ليخلفه الرئيس الرابع (ميشال سليمان) بتوافق عربي ودولي تكرس في الدوحة (عاصمة قطر) بحضور سياسي لبناني جامع تجاوز الدستور الذي يمنع انتخاب موظف في الفئة الأولى رئيساً للجمهورية ما لم يستقل قبل ستة أشهر على الأقل من موعد انتخابه. إلا أن هذا الرئيس ترك خلفه فراغاً بدأ يوم 25 أيار/ مايو 2014 لينتهي – مبدئياً – يوم 31 تشرين الأول/ اكتوبر 2016.

 

عمليات <البوانتاج> مستمرة

وعلى رغم أن وصول العماد عون الى كرسي الرئاسة الأولى سيكون نتيجة مباشرة لدعم 3 كتل نيابية كبيرة له هي كتلة الوفاء للمقاومة وتيار <المستقبل> والقوات اللبنانية، إضافة الى تكتل التغيير والإصلاح الذي يرئسه، وغالبية نواب اللقاء الديموقراطي بزعامة النائب وليد جنبلاط ونواب من كتل صغيرة ومستقلين، فإن عمليات <البوانتاج> التي استمرت حتى الربع الساعة الأخير من اقتراع النواب، بيّنت وجود ثقة من العماد عون بالفوز بأصوات يقارب مجموعها غالبية الثلثين من أعضاء المجلس النيابي من دون أن يدركها، في مقابل حرص من النائب فرنجية على تسجيل أكبر عدد من الأصوات يقترب من النصف زائداً واحداً من دون أن يدركه، وذلك بهدف إثبات حضوره السياسي ودعم مكونات نيابية لبنانية متنوعة له للتأسيس على الآتي من الأيام لجهة حجز مقعد للانتخابات الرئاسية المقبلة بصرف النظر عما سيكون موعد حصولها!

صحيح أن عدداً غير قليل من الكتل النيابية والنواب المستقلين أبقوا قرارهم حتى <آخر دقيقة>، إلا أن ذلك لم يلغِ تأرجح الأرقام وفقاً لمواقف النواب والكتل صعوداً أو نزولاً، خصوصاً إذا ما خرج نواب في عدد من الكتل ولاسيما كتلة <المستقبل> – وهي الكتلة الأكبر –  عن قرار رئيسها بانتخاب العماد عون، أو وزع رؤساء كتل أخرى ومنها كتلة اللقاء الديموقراطي بزعامة النائب جنبلاط، أصوات نوابهم على المرشحين الاثنين، أو سليمان-فرنجيةاختاروا الاقتراع بأوراق بيضاء. وهذا الواقع جعل من الصعب التكهن سلفاً بالرقم النهائي الذي سيناله كل من المرشحين الاثنين، فضلاً عن المرشح الثالث النائب هنري حلو الذي شكل استمراره في الترشح مخرجاً للنائب جنبلاط كي يوزع أصوات كتلته. وعليه، فإن المطلعين على مسار عمليات <البوانتاج> أوردوا أرقاماً تقريبية جعلت من الممكن أن تمنح كتلة <المستقبل> العماد عون بين 24 و26 صوتاً من أصل 34، بحيث ستذهب الأصوات الاخرى بغالبيتها الى الخيار الابيض في مقابل عدد محدود جداً يمكن أن يصوت للنائب فرنجية وإن كان ذلك غير مضمون بشكل حاسم. وفيما جزمت الارقام أن تذهب أصوات الكتلة الثانية من حيث الحجم، أي كتلة تكتل الإصلاح والتغيير (20 صوتاً) الى النائب عون كلها – وهذا أمر طبيعي – أكدت الارقام أن <الثنائي الشيعي> يميل الى أن يوزع أصواته الـ26 مناصفة بين العماد عون (نواب حزب الله) والنائب فرنجية (نواب كتلة التنمية والتحرير <13 بـ13>، في وقت بدت كتلة اللقاء الديموقراطي – وهي الرابعة من حيث عدد الأعضاء فيها – في موقف وسطي إذ توقعت المصادر المطلعة على الأرقام أن تتوزع أصوات هذه الكتلة الـ11 على عون (بين 8 و9 أصوات) فيما تذهب الأصوات الباقية إما الى النائب هنري حلو أو الى الخيار الأبيض.

أما الكتل التي لا يتجاوز الاعضاء فيها ثمانية نواب، فإن كل عمليات <البوانتاج> أظهرت أن كتلة القوات اللبنانية ستصب أصوات نوابها الثمانية لمصلحة الجنرال، وكذلك حزب <الطاشناق> (نائبان)، فيما ستحجب كتلة الكتائب أصوات نوابها الخمسة عن العماد عون، وكذلك كتلة تيار <المردة> (3 نواب) والبعث (نائبان) والحزب السوري القومي الاجتماعي (نائبان) والحزب الديموقراطي اللبناني (نائب واحد)، أما النواب الذين يصنفون أنفسهم بـ<المستقلين> وعددهم 12 نائباً فمنهم من سيصوت للنائب عون (في حدود 5 نواب) فيما يصوت الباقون إما للنائب فرنجية أو للخيار الأبيض. وفي المحصلة يتحدث <المتفائلون> في فريق العماد عون عن احتمال وصول عدد أصوات المقترعين لمصلحته بين 86 و87 نائباً، فيما يرى <المتشائمون> أن الرقم لن يتجاوز الـ73 صوتاً، علماً أن المطلوب للفوز في الدورة الثانية – إذا لم ينل عون أصوات غالبية الثلثين في الدورة الأولى – هو 65 نائباً.

 

مساعي نصر الله لها أثرها؟

وترى مصادر متابعة أن هذه الأرقام تبقى عرضة للتغيير تبعاً لعوامل عدة أبرزها <نجاح> الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في <الجهد> الذي وعد ببذله مع الحلفاء في 8 آذار كي تتم الانتخابات الرئاسية في أجواء هادئة، لاسيما وأنه حرص في الخطاب الذي ألقاه في أسبوع القيادي الشهيد حاتم حمادة (الحاج علاء) في القماطية، على طمأنة الرئيس بري الذي جاهر بمعارضته انتخاب العماد عون <حتى النهاية> رافضاً أي وساطة معه في هذا الإطار، بأن العلاقة التاريخية بين حزب الله وحركة <أمل> السياسية والعاطفية والشخصية مستمرة مهما كانت خيارات رئيس مجلس النواب. كذلك طمأن <السيد> حليفه العماد عون بأن أصوات نواب كتلة الوفاء للمقاومة ستصب كلها لمصلحته مع الاستعداد للاقتراع بأوراق مكشوفة، إذا سمحت قوانين مجلس النواب، أما التطمين الثالث فكان من نصيب النائب فرنجية الذي خصه السيد نصر الله بعبارات فيها الكثير من المودة والوفاء، ليؤكد في المقابل، وفي تطمين رابع، أنه لن يمانع عودة الرئيس الحريري رئيساً للحكومة، على رغم أن زعيم <المستقبل> لا نصر-الله-و-فرنجيةيوفر حزب الله في انتقاداته وحملاته المباشرة وغير المباشرة!

كذلك، تشير المصادر نفسها، الى أن العامل الآخر الذي يمكن أن يبدل الأرقام، يكمن في قدرة الرئيس الحريري على التخفيف من <اندفاع> المعترضين على خياره ضمن <التيار الأزرق> والحلفاء، لاسيما وأنه سعى الى اللقاء بهم إفرادياً ليعيد شرح وجهة نظره للأسباب التي دفعته الى تأييد العماد عون والتي كان قد فنّدها في الكلمة التي توجه بها الى اللبنانيين ووصف فيها <مبادرته> بأنها <تسوية سياسية> و<مخاطرة> في آن ارتكزتا على أن الحوار الذي قام بينه وبين العماد عون أوصل الى مكان مشترك <اسمه الدولة والنظام>، والاتفاق صراحة على أن أحداً لن يطرح أي تعديل على النظام قبل اجماع وطني من كل اللبنانيين على هذا الطرح>.

وأكد الحريري أن الاتفاق <يشمل إعادة إطلاق عجلة الدولة والمؤسسات وإعادة اطلاق عجلة الاقتصاد والخدمات الأساسية وفرص العمل وتحييد الدولة اللبنانية بالكامل عن الأزمة السورية>. إلا أن المصادر نفسها لم تجزم بإمكانية حصول تبدلات أساسية في صفوف <المعترضين> من كتلة <المستقبل> وإن كانت قد أشارت الى احتمال انكفاء بعض النواب عن خيار <مواجهة> رئيس <التيار الأزرق> لاعتبارات مختلفة، من بينها الإيحاءات التي ترددت عن أن موقف الرئيس الحريري لم يأتِ خلافاً لتوجه القيادة السعودية التي رددت مصادر في <المستقبل> أنها آثرت عدم التدخل في مجريات الاستحقاق الرئاسي اللبناني، لكنها استمرت – من خلال مجلس الوزراء السعودي – بتوجيه الانتقادات الحادة الى حزب الله ومواقفه وارتباطاته.

فرنجية ينتقد عون بقوة

أما العامل الثالث الذي يمكن أن يحدث تبديلاً في ارقام عمليات <البوانتاج> على نحو مخالف للتوقعات، فيكمن في نجاح النائب فرنجية في زيادة نسبة المقترعين لصالحه من أصحاب <الخيار الأبيض> الذين اتصل بهم زعيم <المردة> فرداً فرداً وأرسل إليهم موفدين لإقناعهم بالتصويت لصالحه، وإن كان لم يجزم في إطلالته التلفزيونية ليل الاثنين الماضي إمكانية الفوز على العماد عون الذي <خصّه> بحملة انتقادات واسعة تناولت مواقفه في الماضي والحاضر والمستقبل وما أفرزته <من تعطيل وحروب وفوضى>، علماً أن فرنجية كان يأمل أن يقف السيد نصر الله الى جانبه، <وهو لو فعل لكنت فزت بالرئاسة بغالبية تفوق المئة صوت>، وأكد فرنجية في الإطلالة نفسها تنسيقه مع الرئيس بري في كل المواقف <لأن الذي فعله بري معي كبير جداً>، ولم ينسَ فرنجية التأكيد على متانة العلاقة مع السيد نصر الله <الذي لو فتحت قلبه لوجدت سليمان فرنجية في داخله>، وعلى <عمق الصداقة> مع الرئيس الحريري <الذي تعرض لضغط وهو اضطر الى تسمية عون>، ولفت فرنجية الى انه <غير متحمس> للمشاركة في الحكومة الأولى في عهد العماد عون إذا فاز بالرئاسة <لأن الوضع مريح أكثر لي إذا ما كنت في المعارضة البناءة لا معارضة التعطيل>، كذلك أكد على استمرار علاقته بالرئيس السوري بشار الأسد <الذي يثق بالسيد نصر الله وفوّضه الملف اللبناني>.

بري-يرفض-عون  

<المستقبل>: توافق إقليمي ودولي

وفيما توقعت مصادر متابعة أن تستمر عمليات <البوانتاج> حتى الساعات القليلة التي تفصل عن جلسة الانتخاب الرئاسي تبعاً للضخ المستمر للتسريبات حول مواقف خارجية تعارض انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، حرصت مصادر <المستقبل> على التأكيد على وجود <توافق اقليمي ودولي> على الخيار الذي اعتمده الرئيس الحريري بدعم ترشيح العماد عون، وأن هذا التوافق سيظهر على نحو <ملموس> قبيل ساعات من موعد إنجاز الاستحقاق الرئاسي، لاسيما وأن ثمة من ربط بين الزيارة الخاطفة التي قام بها الرئيس الحريري للرياض بعيد اعلان دعمه للعماد عون ثم انتقاله بعد ذلك الى باريس <للتشاور> مع مسؤولين فرنسيين بعيداً عن الأضواء، وذلك بهدف التخفيف من ردود الفعل السلبية لمبادرته، لاسيما تلك التي أطلقها الرئيس بري من جنيف حيث ترأس وفد لبنان الى مؤتمر <الاتحاد البرلماني الدولي>، والتي كشف فيها عن انزعاجه الشديد من مواقف الرئيس الحريري الذي لم يستقبله قبل سفره الى جنيف في حين استقبل العماد عون، وكرر أنه لن يقترع له لكنه لن يعطل النصاب <على رغم أنه في جيبي>. ورسمت مواقف الرئيس بري صورة قاتمة لما ينتظر العهد الجديد من صعوبات في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس، وتحديداً في العقبتين المتوقعتين: تأليف الحكومة الأولى وقانون الانتخاب أو على الأصح استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة الوشيكة بعد أشهر من دون قانون جديد للانتخاب. وعلى رغم أن الرئيس بري أكد على احترامه للعماد عون، لكنه تحدث عن احتمال عدم تسمية الرئيس الحريري لترؤس الحكومة الجديدة واختياره صفوف المعارضة البناءة، وكان لافتاً قول بري ان <الأهم في العرس شهر العسل وأكل العسل>!

وتتحدث المصادر المتابعة أنه في حال عدم تمكن السيد حسن نصر الله من  إحداث <خرق إيجابي> في مواقف الرئيس بري والمعترضين، فإن إنجاز الاستحقاق الرئاسي <بخير> قد لا ينسحب على استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة خصوصاً ان الأصوات التي سوف ينالها الرئيس الحريري لن تكون كبيرة، ما يجعل عملية التأليف <متعثرة> وقد تستغرق وقتاً طويلاً، علماً أن ما قيل في هذا السياق عن فترة ستة أشهر للتأليف ونُسب الى الرئيس بري لم يرد في ما وزع من كلام لرئيس مجلس النواب أدلى به خلال وجوده في جنيف.

أما في الرابية، فإن العماد عون الذي زار الرئيس الحريري بعيد إعلانه دعمه له، ثم الرئيس بري والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي والسيد حسن نصر الله، جعل الأيام الماضية تشهد نشاطات واستعدادات للانتقال الى قصر بعبدا على أساس أن جلسة الاثنين 31 تشرين الأول/ اكتوبر الحالي ستشهد انتخاب العماد عون رئيساً، تليها جلسة ثانية لأداء القسم وإلقاء الخطاب الأول لـ<الرئيس> عون، على أن تبدأ الاستشارات النيابية الملزمة قبيل صدور قرار التكليف.

أما الاحد يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل فهو يوم الشعب في <بيت الشعب> في استعادة للمسيرات الشعبية التي كانت تؤم القصر في عهد حكومة العسكريين التي أطاح بها القرار اللبناني – السوري المغطى إقليمياً ودولياً، والذي نفذ يوم 13 تشرين الأول/ اكتوبر العام 1990!