25 April,2019

عون المتحرر من مفاعيل «تسوية » الترقيات بعد سقوطها أطلق مواقف «تمهّد » لغيابه عن الحوار وجلسات الحكومة معاً!  

aoun-2 لا يمكن تقييم احتفال التيار الوطني الحر تكريماً للشهداء الذين سقطوا منذ ربع قرن في أحداث 13 تشرين الأول/ اكتوبر عام 1990 والمواقف التي أعلنها زعيمه العماد ميشال عون، بمعزل عن التطورات السياسية التي سبقت الاحتفال ولاسيما منها سقوط <التسوية> التي استمر العمل لها حتى الربع الساعة الأخير لترقية ثلاثة عمداء بينهم قائد فوج المغاوير السابق العميد شامل روكز الى رتبة لواء، في مقابل تعيين ثلاثة أعضاء أصليين في المجلس العسكري وإعادة تفعيل عمل مجلس الوزراء من خلال الاتفاق على آلية التصويت فيه، وفتح أبواب مجلس النواب مجدداً أمام <تشريع الضرورة>. ذلك أن ما اعلنه العماد عون في الاحتفال الذي أُقيم على طريق القصر الجمهوري في بعبدا، كان يمكن أن يختلف لو <مشت> <التسوية> في مسارها الطبيعي ولو لم يعرقلها جهاراً الرئيس السابق ميشال سليمان ووزراء حزب الكتائب، وسراً فريق <الصقور> في تيار <المستقبل> الذي عمل بقيادة الرئيس فؤاد السنيورة على توفير <المناخات المؤاتية> لتفشيل كل <تسوية> من شأنها أن تحقق للعماد عون مكسباً سياسياً في المرحلة الراهنة. من هنا <تضافرت> جهود المعترضين وجمعتهم <المصيبة> الواحدة، فتوقفت المساعي وبات العميد روكز ابتداء من أمس الخميس 15 تشرين الأول/ اكتوبر الجاري عميداً متقاعداً في الجيش اللبناني بعدما كاد أن يصبح، من خلال وعود الرئيس سعد الحريري للعماد عون، مرة قائداً للجيش خلفاً للعماد جان قهوجي الممددة ولايته نتيجة تأجيل تسريحه مرتين، ومرة ثانية لواءً وقائداً لوحدات النخبة في الجيش المعروفة باسم <القوات الخاصة> بعد جمع فوج المغاوير الى مغاوير البحر والقوة الضاربة والفوج المجوقل! وقبيل مغادرة روكز الى التقاعد، عُيّن العقيد مارون القبياتي قائداً جديداً لـ<المغاوير>!

وإذا كان شعار المعترضين على <التسوية> عدم حصول خلل في البنية العسكرية للجيش وحصول <تمييز> بين كبار الضباط، فإن الواضح بأن سقوط <التسوية> نهائياً قبل ساعات قليلة من موعد الاحتفال بذكرى <13 تشرين> وإعلان الرئيس السابق سليمان <اعتزازه> بهذا <الإنجاز> الذي قال انه <يحمي الجيش> شكّلا سبباً إضافياً لكثافة المشاركة الشعبية في التظاهر الى <بيت الشعب> (قصر بعبدا) واستعادة المشاهد التي كانت تتكرر يومياً خلال وجود العماد عون مع عضوي حكومته العسكرية في القصر حتى تاريخ إخراجه منه بالعملية العسكرية التي شارك فيها للمرة الأولى سلاح الطيران السوري الذي قصف القصر مغطياً تقدم الوحدات المؤللة في اتجاه مواقع الجيش اللبناني على خطوط التماس مع الوحدات العسكرية السورية، وقيادة الجيش في اليرزة وصولاً الى قصر بعبدا. وبصرف النظر عن الحديث عن أعداد المشاركين في تظاهرة الأحد الماضي والمناطق اللبنانية التي أتوا منها بتنظيم لافت في الوصول والمغادرة والهتافات التي أطلقوها ومنها تحية للعميد روكز، فإن ما أعلنه العماد عون في الخطاب الوحيد الذي أُلقي في الاحتفال، شكّل سقفاً للتحرك المستقبلي للتيار الوطني الحر سواء ظل هذا التحرّك وحيداً (كما حصل في التظاهرة) أو انضم إليه الحلفاء في تكتل التغيير والإصلاح وحزب الله وأحزاب 8 آذار، ما عدا حركة <أمل> التي يصرّ رئيسها الرئيس نبيه بري على <تمايزها> عن الحليف الأقرب حزب الله، وحليف الحليف أي التيار الوطني الحر.

 

مواقف عون مهّدت لقرارات

وفي هذا السياق، تقول مصادر سياسية متابعة ان العماد عون مهّد في كلمته لسلسلة قرارات اتخذها لكنه أرجأ إعلانها لعلّ أبرزها عدم المشاركة شخصياً في الجلسات المقبلة لـ<هيئة الحوار الوطني> في عين التينة، وقد برز هذا التوجه من خلال جملة مواقف أوردها في كلمته ومنها:

أولاً: رفضه خيار <الرئيس التوافقي> الذي يسعى بعض أركان الحوار الى جعله <أمراً واقعاً>، ومطالبته بأن يكون الرئيس <قوياً يرفض الظلم لا أن يكون دمية يحني رأسه>، وان يكون على صورة الشعب الذي شارك في التظاهر. وهذا يعني استطراداً ان لا فائدة ترتجى – في نظر عون – من أي نقاش لا يأخذ في الاعتبار المواصفات التي حددها عون للرئيس العتيد.

ثانياً: مطالبته بإقرار قانون الانتخابات النيابية على أساس النسبية يسمح بالتمثيل الصحيح وينتخب رئيساً للجمهورية لا يقسّم لبنان. وهذا يعني أيضاً ان <الجنرال> لا يزال يريد إجراء الانتخابات النيابية قبل الانتخابات الرئاسية، وأن تكون النسبية الكاملة الصيغة المعتمدة، وذلك خلافاً لما ينادي به أركان في الحوار بقانون يجمع بين النسبية والأكثرية، وبانتخاب رئيس الجمهورية قبل الانتخابات النيابية.

ثالثاً: حمل العماد عون على الطبقة السياسية التي اتهمها بالتضامن والعمل ضد ما ينادي به التيار الوطني الحر، ولاسيما التغيير والإصلاح متحدثاً عن <السياسة الكيدية> التي يعتمدها البعض لعرقلة المشاريع التنموية التي عمل وزراء <التيار> على تنفيذها في الوزارات التي حلوا فيها. وهذا يعني – في رأي المصادر السياسية نفسها – أن العماد عون وجه انتقادات مباشرة الى <شركاء> في طاولة الحوار، فكيف يمكن له بعد اليوم أن يشترك معهم في حوار يدرك سلفاً بأنه لن يؤدي الى نتيجة وهو يستهدف خصوصاً النهج الإصلاحي لـ<التيار البرتقالي>!

غياب عن جلسات الحكومة

chamel-roukoz

وفي رأي المصادر نفسها أن العماد عون مهّد في كلمته أمام قرار آخر اتخذه وأرجأ الإعلان عنه وهو عدم حضور وزيري <التيار> جبران باسيل والياس بو صعب لجلسات مجلس الوزراء من دون أن يعني ذلك الاستقالة من الحكومة، قبل <تصحيح> الأخطاء التي وقعت فيها الحكومة التي قال انه كان عليها أن ترحل منذ زمن لو تم انتخاب رئيس الجمهورية، وان <القاصر> لا يمكن أن يحكم بلداً، فضلاً عن توصيفه للحكومة بأنها <عياري> (أي غير أصيلة). وهذا يعني أنه من غير الطبيعي والمنطقي أن يستمر العماد عون في تغطية قرارات الحكومة، وبالتالي فإن الغياب عن جلسات مجلس الوزراء يكاد يكون <أهون الشرّين>.

وسجلت المصادر <استياء> العماد عون مما آلت إليه <التسوية> التي كان يُعمل عليها من دون أن يأتي على ذكرها مباشرة، وذلك من خلال إعلانه انه بات على رأس قيادة الجيش وقوى الأمن والمجلس العسكري <قيادات فاقدة لصلاحياتها>، وأن مؤسسة الجيش <هي من أبرز المؤسسات التي تتعرض للتجاذبات والتي تؤثر سلباً على معنويات الضباط>. وهذا يعني، استطراداً، أن العماد عون سينتقل من مرحلة <الاعتراض الكلامي> على القرارات التي صدرت عن وزير الدفاع سمير مقبل الذي قال انه <صادر> صلاحيات مجلس الوزراء، الى مرحلة <الاعتراض العملي> الذي له سبل عدة بعضها قانوني والبعض الآخر سياسي، وقد بدا ذلك واضحاً في إشارته الى أن <التلاعب بالاستحقاقات سيدفعون ثمنه> وأن تجاوزهم للقوانين <سيضعهم في موضع المحاسبة وسيظهر كل خفي>.

ورأت المصادر السياسية ان العماد عون حرص خلال كلمته الى توجيه تحية الى حزب الله من دون أن يسميه مؤكداً ثبات التحالف معه، وذلك من خلال إشارته الواضحة الى خيار <التيار> في حرب تموز/ يوليو 2006 لـ<الوحدة الوطنية> على <الحرب الداخلية>، والمضي في هذا التحالف اليوم ضد <التطرف والتكفير>، وهو أراد من خلال إبرازه هذه المعادلة التأكيد على أنه وحزب الله في خيارات واحدة في وجه معارضي الحزب، وهذه نقطة إضافية تجعل من مسار الحوار متعثراً، لأن ثمة من يسعى داخل طاولة الحوار الى تحميل الحزب و<التيار> معاً مسؤولية <تعطيل> الحياة السياسية في مجلس النواب والحكومة، علماً أن عون اعتبر أن تهمة التعطيل صحيحة لأنها تستهدف منع اتخاذ <قرارات عاطلة>، وهو دعا الى عدم <الاستخفاف> بقوة العونيين قائلاً للمستخفين <ان ساعة الندم قد دنت>!

وفي اعتقاد المصادر السياسية أن تحرّك <التيار الوطني الحر> بعد الاحتفال بذكرى 13 تشرين سيختلف عما كان عليه قبل هذه المناسبة، خصوصاً بعدما <تحرر> العماد عون من مفاعيل الساعين من أجل تسوية الترقيات العسكرية التي لم تعد واردة، لاسيما وأن الصيغ البديلة التي تم التداول بها، ومنها تأجيل تسريح العمداء الذين يتقاعدون قبل نهاية السنة الجارية (ومنهم العميد روكز)، غير مقبولة من العماد عون والعميد روكز على حدٍ سواء. وبالتالي فإن المواجهة ستطول بين عون والذين أسقطوا <التسوية> سراً أو علناً، وهو الذي قال امام <شعب لبنان العظيم> الاحد الماضي في بعبدا: <نحن شعب لا يتعب ولا ييأس وإيماننا كبير وأبواب الجحيم لن تقوى علينا>!