19 September,2018

عون أعدّ رسالته الى مجلس النواب لكن ارسالها مرتبط بمصير مفاوضات تعديل الصيغة!

على رغم ان الاتصالات والمشاورات توالت لاخراج ملف تشكيل الحكومة من الجمود الذي دخله بعد تعثر الاتفاق بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري على الصيغة التي حملها الأخير الى قصر بعبدا، فقد ظل الحديث في الأروقة السياسية عن <البدائل الدستورية> التي يعتمدها الرئيس عون يتنامى لاسيما لجهة رغبة رئيس الجمهورية بتوجيه رسالة الى مجلس النواب يشرح فيها الواقع الذي وصلت إليه الأزمة الحكومية. إلا ان هذه الرغبة، اصطدمت ــ كما غيرها من المبادرات ــ بتساؤلات حول الهدف منها مع التأكيد على حق الرئيس عون في اعتمادها وفقاً لما هو وارد في الدستور ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية. وبدا واضحاً خلال تطورات الأسبوع الماضي، ان رئيس مجلس النواب مهّد الأجواء لامكانية توجيه الرئيس عون رسالة رئاسية وان كان ذلك يعني ان الأزمة الحكومية دخلت نفقاً طويلاً قد يصبح من الصعب الخروج منه، ولعل توجيه الرسالة سيكون <الدليل القاطع> على ان البلاد تتجه الى أزمة حكم!

كثيرة هي التفسيرات التي تداولتها الأوساط السياسية حول أبعاد الرسالة الرئاسية، وانفتحت الأبواب أمام اجتهادات لها بداية وليس لها نهاية، علماً ان الرئيس عون الذي كان أشار الى امكانية توجيهه رسالة الى المجلس النيابي أبقى هذه الورقة بين يديه، علماً ان ثمة معلومات تحدثت عن إعداد نص الرسالة وابقائها من دون توقيع ولا تاريخ الى أن يحل الوقت المناسب لارسالها، أي حين تقفل كل الأبواب أمام إحياء التسوية التي يمكن أن تؤدي الى ولادة الحكومة بعد تعديل صيغة الحريري.

من الواضح في ما صدر في وسائل الإعلام واللقاءات السياسية الدورية ان المواقف انقسمت ــ كالعادة ــ بين مؤيد للخطوة وبين معارض، ولكل من الطرفين تبريراته واجتهاده. إلا ان الثابت ان رئيس الجمهورية الذي نفى جهاراً عدم رغبته في نزع التكليف من الرئيس الحريري وأقرّ بعدم قانونيته وبعدم وروده في <الكتاب> (أي الدستور)، فهو قال ان المجلس نفسه قد لا يتمكن من نزع التكليف لعدم وجود نص واضح عن هذه المسألة في متن الدستور. ولعل بقاء الرئيس تمام سلام رئيساً مكلفاً طوال 11 شهراً في ظل حكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، خير دليل على هذا الواقع الدستوري المأزوم الذي لا بد أن يكون في مقدمة النقاط التي سوف تعالج عند البدء بتقييم اتفاق الطائف ومحاولة ادخال تعديلات على الدستور لا تمس الجوهر، بل تعالج قضايا أثبتت الأحداث ضرورة توضيحها نظراً للغموض الذي يعتريها، أو بكل بساطة <يصار الى إلغائها نهائياً>.

 

ثغرة دستورية

وتقول مصادر متابعة ان الدستور الذي أجاز لرئيس الجمهورية توجيه رسائل الى مجلس النواب عند الضرورة، لم يحدد ماهية هذه الرسائل ولا المهل الزمنية المتصلة بها، كما انه أشار الى صيغ لم يكن من الممكن الركون إليها. وهذا الأمر أثار الجدل الذي بدأ ولم ينتهي بعد حول مرحلة ما بعد الرسالة الرئاسية. وفي تقدير المصادر نفسها ان توجيه الرسالة يحتم على رئيس المجلس النيابي دعوة الهيئة العامة للاستماع الى الرسالة ومناقشتها وهو ما التزم به الرئيس بري. لكن ما يمكن أن يترتب عنها من موجبات، فلا نصوص ترعى هذه المسألة، إذ يمكن للمجلس أن يكتفي بالانصات الى الرسالة ويسجل وقائعها ويتم ضبطها في المحاضر، من دون أن يتخذ أي إجراء. وفي هذه الحالة يكون وقع الرسالة الرئاسية ذا مفعول معنوي ولا اجراءات عملية تتبعه. وفي هذه الحالة تكون الرسالة الرئاسية مجرد موضع اعلامي فحسب، فيما النواب في ساحة النجمة عليهم تحضير أنفسهم للرد عليها عبر وسائل الإعلام. كما يمكن أن تكون للرسالة الرئاسية متابعة برلمانية فيما لو أرادت الأكثرية النيابية ذلك.

وفي تقدير قانونيين ان عدم وجود نص واضح بالخطوة التالية لتوجيه الرسائل الرئاسية، غير تلاوتها ومناقشتها، جعل باب الاجتهاد مفتوحاً بين من أعطى رئيس الجمهورية حق توجيه الرسائل من دون تحفظ، وبين من رأى في هذه الخطوة تصعيداً رئاسياً يمكن أن يحدث تشنجات بين أفرقاء البلد الواحد. إلا ان الجدل الذي تناولته وسائل الإعلام على أنواعها تناسى القائمون به ان المادة 53 ــ الفقرة العاشرة تمكّن رئيس الدولة من توجيه رسائل. غير ان الخلاف بقي حول المضمون، فهل كان الرئيس عون سيكتفي بعرض الأزمة الحكومية كما آلت إليه، أم سيقدم على اجراءات غير مضمونة النتائج قياساً الى الارباكات التي برزت في الجدال الذي استمر حتى الى ما بعد اعلان الرئيس الحريري عن تقدم سُجل على صعيد تشكيل الحكومة.

السعي لايجاد حل

الثابت ان الرسالة الرئاسية حول الأزمة الحكومية ستكون الأولى من نوعها لاسيما بعد بدء مفاعيل اتفاق الطائف الذي غدا دستوراً، إذ لم يسبق أن تم التعاطي مع أي من أزمات التأليف التي طال زمانها سوى بالانتظار حتى تتراجع الكتل النيابية عن شروطها وتشكل الحكومة. لكن ما كان سيفعله الرئيس عون هو حث النواب على الاسراع في التأليف من خلال إبراز المخاطر الناتجة عن بقاء البلاد طويلاً من دون حكومة فعلية تحكم، وإن كانت الحكومة المستقيلة تصرّف الأعمال الضرورية والملحة في الحد الأدنى. وتقول المصادر المطلعة ان الهدف من الرسالة السعي لايجاد حل وليس افتعال أزمة دستورية قد يكون البعض يسعى الى احداثها كي تزداد الأمور تعقيداً، لأن الرئيس عون ــ كما تضيف المصادر نفسها ــ يعي تماماً صلاحياته الدستورية من جهة، ويقرأ جيداً مواقف الأطراف السياسيين من جهة ثانية، ولن يكون في وارد الإقدام على أي <دعسة ناقصة> في هذا الاتجاه، وحسبه من هذه الخطوة ــ إذا أقدم عليها ــ وضع النواب أمام مسؤولياتهم لسببين: الأول لأنهم هم من سموا الرئيس المكلف في الاستشارات الملزمة التي أجراها رئيس الجمهورية، والثاني لأن الكتل التي ينتمون إليها هي التي تضع الشروط والمطالب <التعجيزية> على طاولة البحث. وبذلك يكون رئيس الجمهورية قد أصاب عصفورين بحجر واحد، وأبعد شبح مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة عن قصر بعبدا، ورمى الكرة في ملعب مجلس النواب الذي عليه أن يبادر الى خطوات عملية تصحح الواقع المأزوم ويشترك مع رئيس البلاد في ايجاد المخرج الملائم، ذلك ان النظام البرلماني الذي ارتضاه اللبنانيون يجب أن يصحح نفسه بنفسه، ما يعني عملياً ضرورة ادخال تعديلات متطورة على الدستور قد يكون من بينها وضع مهلة زمنية للرئيس المكلف لتقديم تشكيلته الحكومية، من دون أن يعني ذلك أي مساس بصلاحيات رئيس الوزراء ولا تجاوزاً لدوره الميثاقي في ظل التوازنات الطائفية التي تتحكم بالبلاد.