24 September,2017

عودة النازحين السوريين ليست قراراً لبنانياً - سورياً ولن تتم إلا بتوافق دولي على حل شامل دائم!

 

 

2----bلم يكن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يرغب في إثارة موضوع الاتصال مع النظام السوري للبحث في مستقبل وجود النازحين السوريين في لبنان بعدما تجاوز عددهم المليون و 700 ألف نازح، لإدراكه بأن مثل هذا النقاش لن يؤدي الى نتيجة في ظل الانقسام العمودي الحاصل حيال هذه المسألة الحساسة، إلا أن رئيس الحكومة سعد الحريري لم يشأ أن تمر الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي وجهها <الثنائي الشيعي> خلال الأسبوعين الماضيين حيال هذا الموضوع من دون <وضع النقاط على الحروف>، فبادر في مستهل كلمته في مجلس الوزراء التي تلت افتتاحية الرئيس عون، الى القول بأن مسألة التواصل مع النظام السوري مسألة خلافية ولا رأي موحداً حيالها، <ونحن اتفقنا على أن نضع جانباً كل المواضيع الخلافية ونعمل داخل الحكومة لما فيه مصلحة البلاد وشعبها من دون عرقلة القضايا الإنمائية والمشاريع الحيوية من خلال خلافاتنا السياسية>، وزاد الرئيس الحريري متمنياً عدم إثارة هذا الموضوع في مجلس الوزراء <لأننا لن نتفق عليه مطلقاً>.

إلا أن دعوة الرئيس الحريري لم تلقَ تجاوباً من عدد من الوزراء لاسيما الوزير علي قانصوه الذي أعاد تكرار ما ذكره خلال اجتماع رؤساء الأحزاب المشاركة في الحكومة لجهة التواصل مع الحكومة السورية والبحث معها في إعادة تدريجية للنازحين السوريين، معتبراً أنه ما لم يحصل هذا الحوار، فإن لا عودة قريبة للنازحين خصوصاً الى المدن والبلدات الكبيرة التي أعيدت الى سيطرة الجيش السوري النظامي في حمص وحلب والقامشلي إلخ… وفي رأي الوزير قانصوه أن قسماً كبيراً من النازحين السوريين غادروا هذه المدن تحت وطأة القتال، وهم سيعودون إليها حتماً لأن فيها أملاكهم وأرزاقهم ومؤسساتهم، وبالتالي فلا بد من تسهيل هذه العودة من خلال الحكومة السورية <الممسكة بالأرض> من خلال الجيش السوري النظامي. وطبيعي أن يستجلب كلام الوزير قانصوه ردود فعل وزراء يرفضون هذا الطرح، فيما يؤيده آخرون ولاسيما وزراء ما كان يُعرف بقوى 8 آذار السعيدة الذكر. وراح النقاش يتنقل من وزير الى آخر من دون التوصل الى أي موقف حاسم لاسيما وأن كل فريق قدم <دفوعات> تبرر موقفه و<تجزم> بأنه الحل الأمثل. وفي النهاية كان لا بد من وقف النقاش عند حد معين، فكان أن قال الرئيس عون انه سيعالج هذا الملف <انطلاقاً من مصلحة لبنان العليا>.

 

عون بين نقيضين

 

لكن تطور الأحداث بعد جلسة مجلس الوزراء لم يوحِ بامكانية الرئيس عون <معالجة> هذا الملف في ظل موجة من ردود الفعل المبرمجة ضد التنسيق مع سوريا لإعادة النازحين، قابلتها موجة أخرى تحث على التواصل مع الحكومة السورية لمباشرة حل هذا الملف، وبذلك تكرّس انقسام القيادات قسمين: الأول يرفض أي حديث مع السوريين في هذه المسألة ويفضل أن يتم البحث في موضوع النازحين عبر الامم المتحدة ومنظماتها الإنسانية فقط، والثاني لا يرى بداً من الاتصال مع السوريين لاسيما وأن العلاقات الديبلوماسية بين البلدين ليست مقطوعة، والسفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي يقوم بدوره الديبلوماسي كاملاً وينتقل من موعد رسمي الى آخر، كذلك هي السفيرة اللبنانية في دمشق السيدة فرح بري (كريمة رئيس مجلس النواب) تمارس مهامها الديبلوماسية في سوريا وتتنقل بين بيروت ودمشق بشكل دوري. كذلك لا يقتصر التواصل على الصعيد الديبلوماسي بل يتمحور بشكل جيد على الصعيدين الامني والاستعلامي حيث يزور المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم دورياً العاصمة السورية ويبحث سبل التنسيق الأمني بين البلدين في ما خص مواجهة الشبكات الإرهابية وتمددها.

وفيما تحدثت مصادر معنية عن ان الرئيس عون يتجه الى تكليف اللواء ابراهيم أن يكون موفداً رئاسياً لدى السلطات السورية لمتابعة مسألة عودة النازحين، أكدت مصادر قصر بعبدا أن أي قرار لم يتخذ في هذا الصدد بعد، وإن كان الرئيس عون على علم دائم بزيارات اللواء ابراهيم للعاصمة السورية وهو يطلع على كل تفاصيلها في كل مرة، إلا أن اتخاذ قرار نهائي في هذه المسألة الخلافية سوف يؤدي الى ردود فعل سياسية وربما شعبية ليس الآن أوانها، في وقت تشهد فيه سوريا تطورات أمنية وسياسية متسارعة قد تحدث تغييراً ما في الواقع السياسي القائم في سوريا، وبالتالي قد يكون من المفيد التريث في اتخاذ اي خطوة في انتظار ما يمكن أن يستجد، علماً أن العمل جارٍ على خط الأمم المتحدة لتكون هناك مواكبة مباشرة مع الاحداث الأمنية التي تشهدها المدن السورية بعد عودة غالبيتها اما الى النظام السوري أو الى القوى المناهضة للتنظيمات الإرهابية والمدعومة أميركياً وأوروبياً، ما أدى الى تراجع حضور تنظيم <داعش> في أماكن عدة تقهقرت قواه فيها. وتقول مصادر متابعة في هذا السياق، ان معالجة الوضع في سوريا ليست مسؤولية سورية فقط ليصار الى التواصل مع الجهات السورية الرسمية، بل ان الحضور الروسي الميداني وكذلك مشاركة ايران من جهة، والحضور الأميركي والأوروبي والتركي من جهة ثانية، يجعل من الازمة السورية، أزمة دولية وعالمية لن تنتهي إلا باتفاق بين الدول الكبرى ليصار الى بته في مجلس الأمن ويُعطى الغطاء الدولي، مما يجعل لبنان أمام خيار واحد لا ثانياً له وهو التريث في انتظار معرفة ما ستؤدي اليه التطورات، لاسيما وأن عودة النازحين السوريين الى مناطق آمنة في بلدهم تشكّل أولوية في البحث لدى الجانب اللبناني الذي يركز مع الزوار الدوليين على المخاطر التي بدأ يشكلها النزوح السوري الى لبنان.

مادة للجدال والمزايدة

وترى مصادر متابعة أن فكرة الحوار بين لبنان وسوريا حول قضية النازحين ستبقى مادة للتداول والمزايدة من حين الى آخر نتيجة الخلافات الجوهرية في المواقف من جهة، وعدم قدرة لبنان على التأثير في مسار الاحداث السورية من جهة ثانية، ما يعني أن أي نقاش حول هذه المسألة يبقى صراخاً في وادٍ سحيق، ذلك ان الفريق المؤيد يسأل الى متى تستمر حكومة الرئيس الحريري في دفن رأسها في الرمال كما تفعل النعامة وتتهرب من تحديد موقف واضح وحاسم، فيما جاءت عملية عرسال والتفجيرات التي استهدفت الجيش اللبناني لتؤكد عبثية الاستمرار في السياسة المعتمدة حتى الآن في مقاربة ملف النازحين السوريين، ما سيضطر الحكومة الى وضعه بجدية على طاولة البحث عاجلاً أم آجلاً. في المقابل يتمسك الفريق الرافض للحوار بمقولة أن لا تنسيق مع النظام السوري الذي يعتقد هذا الفريق ان سقوطه بات قريباً، وانه لن يكون شريكاً في أي تسوية للوضع الراهن في سوريا، وبالتالي فإن التواصل مع المنظمات الدولية هو الحل الوحيد الممكن راهناً للبحث في مصير النازحين السوريين الذي يقول أركان هذا الفريق المعارض انه لا يجوز إعادتهم الى بلادهم <لينتقم> منهم النظام، واستطراداً لا بد من عودة آمنة لهم، وهذه لا تتحقق إلا بإرادة المجتمع الدولي الذي يبحث عن حلول ليست جاهزة بعد، لكن إرادة الوصول الى حل متوافرة وهذا عامل مشجع.

وتصف المصادر نفسها المشهد اللبناني حيال مسألة التواصل مع السوريين بأنه مثل سكتي القطار تتقابلان ولكن لا تلتقيان، السكة الأولى يتمترس عليها دعاة العداء الكامل للنظام السوري، والسكة الثانية يجلس عليها دعاة الحوار مع الحكومة السورية لأن لا بديل عن ذلك، وسيبقى هذا التنافر قائماً الى حين يتقرر مصير الوضع الميداني في سوريا، وبالتالي المنحى الذي سيسلكه التوافق الدولي على صيغة الحل المرتقبة. ولعل النتيجة العملية الوحيدة لهذا التباين هي بقاء ملف النازحين السوريين من دون معالجة عملية، في وقت تتوالى فيه صرخات المسؤولين الأمنيين عن ازدياد المشاركة السورية في الجرائم التي ترتكب على الأراضي 1----aاللبنانية من قتل وسلب وخطف ونشل واعتداء وسرقة وتزوير إلخ… وقد بلغت خلال شهر واحد – حسب احصاءات مديرية المخابرات – ما يزيد عن 1800 جريمة.

إلا أن مصادر رسمية تساءلت عن سبب ترويج الفريق المعارض للحوار مع الحكومة السورية مناخات سلبية تجاه الفريق المؤيد للتواصل مع دمشق، لاسيما لجهة إظهار الفريق الأول وكأنه حقق انتصاراً على الفريق الثاني في معركة <كسر عضم> غير موجودة في الواقع وتكاد تكون معركة وهمية لأن الفريق الثاني يجاهر بتأييده للحوار مع سوريا لكنه عملياً لا يتصرف خارج الإطارين الإعلامي والسياسي، في وقت يعمل الفريق الأول على المبالغة في إبراز رفضه البحث في مصير النازحين مع الحكومة السورية القائمة والتي تعترف بها الأمم المتحدة ودول كثيرة بينها لبنان طبعاً الذي يستجلب الكهرباء من سوريا ويدفع للجهة المعنية أثمانها بالعملة الصعبة!

وفي رأي المصادر نفسها انه لا يجوز مقاربة موضوع الحوار مع سوريا على أنه يعدّل سلباً أو ايجاباً في مصير الرئيس السوري بشار الأسد او يؤثر على مستقبله أو ينفي أو يؤكد شرعيته الدستورية لأن هذه المسائل ليس للجانب اللبناني أي تأثير فيها. ولعل ما يشجع الداعين الى التواصل مع دمشق، المعلومات التي وفّرتها الأمم المتحدة نفسها من خلال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بأن نصف مليون نازح سوري عادوا في العام 2017 الى ديارهم آتين من تركيا والأردن والداخل السوري، وتصف مصادر الامم المتحدة هذه العودة بأنها <متواضعة وغير كافية>، فيما يرى معنيون بملف النازحين أن بإمكان نصف مليون آخر من الموجودين في لبنان العودة الى الداخل السوري الذي تحرّر من سلطة تنظيم <داعش> الذي بدأ انتشار أفراده بالانحسار التدريجي في الأراضي السورية. ويدعو هؤلاء المعنيون الى البدء بالسوريين المسجلين في السفارة السورية في اليرزة بهدف تنظيم عودتهم لأن هؤلاء لا خطر عليهم لأنهم حتماً ليسوا من مناوئي النظام أو أنهم غير معنيين بالحرب كونهم سجلوا أنفسهم في سفارة بلادهم، فيما يمتنع المعارضون للنظام من الاعتراف بعمل البعثة الديبلوماسية السورية في لبنان.

القرار ليس للبنان وسوريا!

ويسجل مراقبون على رافضي الحوار مع سوريا، أنهم بذلك <يزايدون> على دول عدة اعادت حوارها مع النظام السوري ولو على مستويات امنية واستخبارتية، ما يعني أن الحوار اللبناني – السوري إذا حصل، فلن يرتب على لبنان أي مآخذ غربية لأن المجتمع الدولي يعمل في اتجاه تقليص هذه الأزمة والحد من أضرارها، لأن عودة النازحين السوريين الى أراضيهم، ولو كانت تدريجية، تُبعد <شبح> نزوحهم غير الشرعي الى دول أوروبية مجاورة لسوريا كما حصل قبل أشهر عبر الشواطئ التركية واليونانية وما سبّب ذلك من تداعيات انسانية حادة.

إلا أن ثمة من يؤكد بأن الجهد اللبناني لإعادة النازحين السوريين يبقى ضرورياً للتأكيد على رفض لبنان بقاء هؤلاء النازحين على أراضيه، لكن قرار العودة ليس لبنانياً أو سورياً فقط، بل هو قرار دولي يحتاج الى تنسيق بين الدول الكبرى المعنية بالازمة السورية، والمعلومات التي تتوافر عن اللقاءات التي تجري بين ممثلي هذه الدول تشير الى أن ملف عودة النازحين لم يفتح بعد لأن الاولوية تبقى لوقف إطلاق النار وترتيب <هدنات> طويلة الأمد لسحب المسلحين من مناطق القتال، ولعل اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> مع الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> أول الغيث في هذا المجال، والغاية من هذه <الهدنات> نزع الفتيل تدريجياً وإفراغ المناطق التي كانت ملتهبة من المسلحين على اختلاف انتماءاتهم، ليصار بعد ذلك الى البحث في مصير النازحين وتأمين عودة آمنة لهم.