20 November,2018

عهـــــد شـــــارل حلــــو أدخــــل الـمـــــال الخـلـيـجـــــي فـــي المؤسسات الصحافـيــة وعهــد فرنجيــة أبعد هذا المــال!

 

بقلم وليد عوض

عون-رياشي---1

بقدر ما أنا سعيد بالإفراج الفذ لرهائن حزب الله بيد الدولة اللبنانية عبر مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم، بقدر ما أخاف على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لأنه استطاع أن يقيم لكرسي رئاسة الجمهورية أعلى درجة من الحياد. فلا هو يساير رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا هو يماشي رئيس مجلس الوزراء سعد الدين الحريري، بل يؤمن من الأساس ومنذ أن كان في منفاه الفرنسي <هوت ميزون> بأن وحدة اللبنانيين يكفلها رجل واحد هو رئيس الجمهورية. وإذا استطاع رئيس الجمهورية أن يغسل يديه من آثام الآخرين، ويقيم لنفسه موقعاً أعلى من كل المناصب، فمعنى ذلك أن الدنيا في لبنان صارت بألف خير.

وقد مرّت على الصحافة اللبنانية لحظات معارضة دون أن تقع في قبضة قانون المطبوعات، وعمد أستاذنا الكبير الراحل سعيد فريحة صاحب <دار الصياد> الى أن يرمز الى رئيس الجمهورية كميل شمعون في الخمسينات بشخص مدير القصر الجمهوري جورج حيمري. ولقد تحمل جورج حيمري من حملات سعيد فريحة ما يضيق به صدر أي مسؤول، ولكنه لم يمثل ولا مرة أمام القضاء، ولا رفع دعوى ضد سعيد فريحة، بل لنقل أن سعيد فريحة لم يقع في أي خطأ يجازيه قانون المطبوعات حتى يمثل أمام القضاء، ويدخل سجن الرمل كما كان حظ عدد من الصحافيين بينهم رياض طه وسليم اللوزي.

في منتصف الخمسينات نجح سليم اللوزي في الحصول على حوار مع الرئيس كميل شمعون نشر فيه أطايب الكلام وألذ المفردات. ولكنه ما لبث ان انقلب عليه بفضل ما تعرض له من ردة فعل شعبية، ولم يكن المباشر ناقل الدعاوى الى سليم اللوزي في مكتبه الأول عند شارع البستاني المجاور لقصر هنري فرعون، ليعثر عليه، ومن الشرفة المطلة على مكاتب <الحوادث>، أطل هنري فرعون، وزير الخارجية السابق لينبه سليم اللوزي الى أن  عظم كميل شمعون مر ولن يتساهل معه في أي موقف. ودفع سليم اللوزي ثمن معارضته لكميل شمعون من قلب بيته، فخسر ابنه الوحيد ربيع في دمشق ضمن لحظة تخلٍ عند شباك أحد المطاعم.

وعاد سليم اللوزي الى لبنان من دمشق مع رحيل كميل شمعون عن كرسي الرئاسة، ومجيء الرئيس فؤاد شهاب الذي لم يقف عند معارضة صاحب <الحوادث> لكميل شمعون، بل فتح له قصره الرئاسي في صربا غير مرة، واستقبله مع أسرة <الحوادث> ومنها رئيس تحرير <الأفكار> وأوعز الى مساعديه ومنهم العميد سامي الخطيب بأن يوفروا لصاحب <الحوادث> كل فرص الترقي والتواصل مع الناس، ومع البلدان العربية الشقيقة وفي مقدمها جمهورية مصر العربية، وكان السفير المصري اللواء عبد الحميد غالب هو المحرر المستور في مجلة <الحوادث>، وكان الوسيط هو المستشار الصحفي أنور الجمل.

ومن عادة سليم اللوزي أن لا يظل في مدار حلقة رئيس الجمهورية، وكان له تصادم عدة مرات مع جماعة فؤاد شهاب في وزارة الدفاع التي كان مبناها عند شارع المتحف.

هزّ شجرة الصحافيين

ولم يكن عند شارل حلو وهو يتبوأ رئاسة الجمهورية في قصر سن الفيل بأفضل على سليم اللوزي وسعيد فريحة من الرؤساء الآخرين، فكان الصدام بين الصحافة والرؤساء هو سمة تلك العهود.

وقد وصل موسى سجن المطبوعات يومذاك الى ذقن الزميل سليم نصار إثر مقالة كتبها عن عهد شارل حلو بعنوان <عهد الماء>. ولأن المستشارين القانونيين للرئيس شارل حلو رأوا في تلك المقالة إساءة الى كرسي الرئاسة، فقد دهمت شرطة المطبوعات مكاتب جريدة <لسان الحال> قرب مبنى ستاركو وقبضت على سليم نصار وأودعته سجن الرمل، قبل أن تصيبه فأس الهرم وتؤخذ أرضه لجامعة بيروت العربية لأنها من أملاك آل الحوري.

ولعل عهد الياس سركيس الذي بدأ عام 1976 كان العهد الأرحم مع رجال الصحافة بعد شارل حلو الذي استقبل ذات يوم مجلس نقابة الصحافة اللبنانية ورحب به قائلاً: <أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان>.

وعـــــذر شارل حلـــــــو في هــــــذه القفشــــة، أن اثنين مـــــن رجال الصحافة هما: سعيد فريحة وسليم اللوزي استعانا برأسمال خليجي فبنى الأول <دار الصياد> في منطقة الحازمية، وبنى الثاني مبنى <دار الحوادث> عند سكة حديد فرن الشباك. وقد أفاءت الحكومات الخليجية بخيراتها على الدارين وأتاحت لهما أن تكونا من أوائل الدور الصحافية في لبنان.

ولكن الرئيس سليمان فرنجية وهو يرتقي رئاسة الجمهورية عام 1970، وكان على صلة طيبة بأهل الخليج، استصدر مرسوماً يمنع دخول أي رأسمال خليجي في المؤسسات الصحفية، وأصبح رأس المال الخليجي منقولاً الى المطابع، وما كان ذلك بعسير، أو ضد قانون المطبوعات.

ولم يسلم الجسم الصحافي من الشائعات التي تتهم المكتب الثاني بشطب وجهي الزميلين أحمد شومان وميشال أبو جودة، لكن هذه الحالة قد اندثرت وصار للصحافة اللبنانية في عهد عفيف الطيبي ورياض طه مجد تليد، وكان من الأسرة الصحافية جورج نقاش صاحب <الأوريان> ونصري المعلوف رئيس تحرير <الجريدة>.

والآن لا لقمة مرة في أفواه رجال الصحافة قبل عهد جديد يشعر فيه الصحافي بأنه ليس تحت سيف الملاحقة، أو الاضطهاد. وفي مجلس الوزراء صحافيون اشتهروا بصدق الكلمة مثل مروان حمادة وزير التربية الذي تعرض لمحاولة اغتيال عام 2004 وملحم رياشي وزير الإعلام وسليل الصحافي ونقيبها الراحل اسكندر رياشي ابن المتن الشمالي.

فمن يرسم حدود العلاقة بين أهل الدولة وأهل الصحافة؟ والكلمة الحرة؟

وفي هذا الباب أوجه تحية الى الزميلة مي شدياق التي تعرضت لمحاولة اغتيال وفقدت ساقاً ويداً ومع ذلك ظلت تمارس المهنة وتنفتح على الآفاق الأوروبية والعالمية، وكانت بذلك زهرة الصحافة المقاومة.

وتأتي حوادث الجرود في عرسال ثم ترتيبات الاستعداد لرأس بعلبك لتدعم علاقة جديدة بين الصحافة والدولة والمجتمع المدني. صحيح أن حزب  الله وهو ينقل مقاتليه الى سوريا، قد أحدث شرخاً بين اللبنانيين، إلا أن الترتيبات التي شارك فيها مؤخراً مع مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم، قد عوضت شيئاً عن النقص، وتحمل رئيس الوزراء سعد الحريري بصدره ذلك التساهل مع حزب الله في جرود عرسال، وأتيح لأوساط الحزب أن تخرج مقولة: <الشعب والجيش والمقاومة> من الأجواء وتفتح ثغرة بين أهل السياسة، فرئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع،  لم يساير الموجة وقال إن حزب الله إذا كان صادقاً مع نفسه، يلجأ الى تسليم سلاحه للدولة، وهكذا كان رأي حزب الكتائب ورئيسه سامي الجميل.

وأمس الأربعاء كان الرئيس سعد الحريري خلال جلسة مجلس الوزراء في مجابهة مع المعترضين على هذه الفسحة التي اعطيت لحزب الله، ويرى أن الدولة يجب أن تنطلق في كل ما يجمع اللبنانيين ولا يفرقهم، وكان التسلم والتسليم في جرود عرسال علامة في جمع اللبنانيين بعيداً عن أية فرقة، وإن كان هناك من معترض فليعترض، لأن الموالاة المطلقة لا تجوز، والصحافي ليس سيف الدولة بل سيف الحق.

أين كلمة <لا>؟

ومن أفضل الكلام ان تكون كلمة <لا> جنباً الى جنب في مجلس الوزراء لأنها تتكامل مع موجة الولاء للحكومة. ومعارض كالنائب سامي الجميل حالة سياسية يتكامل بها عقد السياسة في لبنان. وكذلك وزير القوات اللبنانية ملحم رياشي. وتصوروا دار-الصياد--2مجلس وزراء خالياً من أي معارضة، ويتبع أعضاؤه مقررات المجلس كقطيع الإبل. ولذلك يحلو للرئيس نبيه بري بين وقت وآخر الاطلالة العابرة بوجه المعارضة مع امثال وقفشات يوردها في تصريحاته.

ولأن رب ضارة نافعة فقد جاءت معركة تحرير جرود عرسال من آثار <جبهة النصرة> على أيدي مقاتلي حزب الله بمثابة باب ينفتح للمصالحة بين حزب الله والقوى السياسية المعاندة له، وتسليمه السلاح للجيش اللبناني، يدخل لبنان في معمعة مصالحة وطنية غير معلنة مع حزب الله، ويدخل في مرحلة سياسية جديدة لا يكون فيها الحزب كخيوط العنكبوت.

كل هذا الانفتاح السياسي ضرورة وطنية الآن لاستكمال نهضة الدولة والتأشير على ازدهار عهد الرئيس ميشال عون حتى يكون العهد الانفتاحي رقم 2، بعد عهد الرئيس فؤاد شهاب. ولولا جماعة المكتب الثاني وتورطهم في أذى بعض رجال الصحافة، لاستطاع العهد الشهابي أن يكون النموذج لحالة الاستقرار في لبنان بعدما أنشأ هيئة التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية وصندوق الضمان الاجتماعي.

والسؤال الآن وسط هذه البلبلة السياسية للطاقم الحاكم هو: ماذا عند الرئيس ميشال عون حتى يقدمه الى اللبنانيين ويضعهم في مرحلة اصلاحية جديدة، منها مجلس الشيوخ الذي نص على إنشائه اتفاق الطائف عام 1989، وهذا المجلس عند خروجه الى النور سوف يكون هدية ميشال عون الى اللبنانيين، برغم اعتراضه في الأساس على اتفاق  الطائف، بل إن هذا المجلس وهو يحصر اللون الطائفي في مقاعد أعضائه يخلي سبيل مجلس النواب ولا يصبح انتخاب نوابه على أساس طائفي أو قاعدة دينية، ويصبح البرلمان اللبناني صوت كل  الناس وصدى كل اللبنانيين ولا تتعرض مناكفات اللجان النيابية لأي شائبة طائفية.

وأنعموا النظر في جرود عرسال البعيدة، فهي خط تحرير الداخل اللبناني من آثام الانفلات الأمني في الجرود.

والدور هنا لميشال عون مستعيناً بالوفاق الوطني مع الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري.

ولم يكن ميشال عون رغم كل هذه الاعتبارات من ضيوف السيدة منى الهراوي في الاحتفال بذكرى رحيل زوجها، ولم تعمل بمبدأ <المسامح كريم> مثل برنامج الزميل جورج قرداحي، ويحاول الرئيس عون أن يبني صداقات في زحلة عبر دعم السيدة ميريام سكاف أرملة زعيم زحلة الراحل ايلي سكاف، ولا ينفك عن محاولة الجمع بين السيدتين في الانتخابات المقبلة وتجنيب زحلة اي صراع خارج الصراع الديموقراطي.

فهل تحصل المعجزة وتكون زحلة رأس الوفاق الوطني؟