18 September,2018

عندمــــا يتحــــــوّل الإعـــــــــــلام الــــــــى استعـــــــــــــــراض

بقلم سعيد غريب

Saad-k

فلنبدأ بفصل الشتاء…

 الشتاء في لبنان غاب عن البلد الذي أحب وراح يبحث عن جغرافيا أخرى أقل تلوثاً وضرراً، وغاب أيضاً هرباً من كبار <القارئين> في مراكز البحوث العلمية و<الأدبية> وهم يستعيرون أســــماء آنســــــات وســـــيدات من أهل البيت ليطلقوها عواصف هوجاء مثل <Alexa>، و<Nancy> وغيرهما… وتدعمهم بقوة مذيعات مترفعات فوق سطح الأرض يتمايلن بكامل أناقتهن و<يتفركشن> بكعوب ناطحة للسحاب.

   هذا الفرح الذي أنعم الله علينا به يتحول مع إعلامنا المعاصر الى كابوس وكأنه فيلم هوليوودي: إثارة، تشويق، تخويف، لعب بالأعصاب..

   تحضيرات إعلامية مكثفة استباقية ومبالغ فيها هدفها نسبة قياسية من المشاهدين ونتيجتها تدمير أعصاب الناس الى حد إقفال المدارس. ومتى كانت المدارس تقفل بسبب الشتاء؟!

    الشتاء في لبنان مفاجأة.. إذا أمطرت كأنها تمطر للمرة الأولى في السنة الأولى أو في التاريخ.. وإذا أثلجت تقوم دنيا الإعلام ولا تقعد..

   الى الشتاء.. اللائحة تطول…

   بداية النشرة، عاملة سريلانكية تقفز من الشرفة وتتحول المسألة الى فيلم درامي بوليسي، ويتحمل اللبنانيون مسؤولية عدم تأمين عمل للنازحين: أين حقوق الانسان؟

   أما بالنسبة للخاطفين والمخطوفين، فحدّث ولا حرج.. سباق وتوريط ودفع أثمان غالية. والدولة تشاهد الأخطاء والخطايا على الشاشات ولا تدرك إلا متأخرة ان المسألة لا تحل إلا بالسرية التامة.

   فالمعرفة ــ إذا كانت سليمة ــ تشكل في بعض الأحيان عبئاً على أصحابها وعلى المجتمع..

  في العام 1972، صوّر عاصي الرحباني ومعه منصور لبنان من خلال عبارة شهيرة أطلقاها في مسرحية <المحطة>: <بطاطا بتصير محطة وتران بيجي بلا خط، ويا مقدر المقادير، وبهالبلد كل شي بيصير>..

   عبارة هي خلاصة ما يتخبط فيه لبنان منذ عقود وخلاصة العلاقة المتردية والمتأزمة بين الحاكم والمحكوم وخلاصة ما وصل إليه الإعلام وتوصل إليه اعلاميون يتسابقون ويتنافسون من دون ضوابط ومن دون أي معرفة لمفهوم الإعلام وأخلاقياته..

   غريب وطننا لبنان، محزن بلدنا الصغير..

   من قديم كانت الكلمة المكتوبة أغلى صناعة صنعها، واليوم أصبحت الكلمة المسموعة أرخص صناعة يصنعها.

   كبر الوطن وصغرت كلمته…

   محطات إعلامية لا تضج إلا بالكلام، وأي كلام، الكلام السطحي، المثير فقط للإثارة وبأي ثمن، منافسة من دون ضوابط فقط للإلغاء، وبرامج التبصير والتنجيم والتوقعات خير دليل على ان ثقافة الإلغاء زرعت في مجتمعنا وأنتجت أحقاداً وكراهية وغضباً لا حدود له.

  المشكلة الكبرى في واقعنا الإعلامي ان الأطر الموضوعة في بنود قانون المرئي والمسموع والمحددة بشروط الترخيص لم تكن كافية لتنجو الساحة الإعلامية من توزعها عملياً بين قوى سياسية وطائفية أساسية، وانسحب هذا التوزيع السياسي على الإعلاميين العاملين في هذه الوسائل…

   وبدل أن يشكل الإعلام سلطة رابعة في مقابل السلطات الرسمية الثلاث، حوّل الواقع السياسي والإعلامي الى جزر متقابلة…

   وفي حين خلت مرحلة ما قبل 2005 من تشنجات كبرى، حوّل تفجر الأزمات الأخيرة وسائل الإعلام في معظمها الى ساحة يتساجل فيها السياسيون، ومعهم جزء من الإعلاميين المنتمين الى خطهم ووسائل إعلامهم بشدة وتشنج، حتى ان البعض تبارى في اتهام الإعلام بلعب الدور الأول في إذكاء الفتن بين المواطنين على الأرض، وأسرع بعض الإعلام الى اتهام بعضه الآخر بالكذب والافتراء ساعياً الى ضرب صدقيته وصدقية الفريق الذي يمثله.

   وإذا كانت القيادات السياسية غير جديرة بقيادة البلد، فعلى الإعلام أن يتجاوز مقولة انه مرآة المجتمع ويتحوّل الى رأس حربة في إعادة بناء البلد. فثقافة السلام صعبة فيما ثقافة الهدم سهلة جداً…

   المشاكل كثيرة وكبيرة جداً، خصوصاً ان مرض الإعلام من مرض لبنان، أذكر منها أخيراً ان هناك اعلاميين من مذيعين ومقدمين يجهلون اللغة والأداء وحسن التقديم وآداب المهنة، وقد اعتاد الناس عليهم وتعلموا منهم الأخطاء، وهؤلاء يدمرون ما تبقى من لبنان القيم والعلوم الانسانية ويظنون أنفسهم عظماء التاريخ.. لعلها كارثة الكوارث..