18 August,2019

عمـــــر غــــدي رحبـانـــــي: الـمـوسيـقـــــى هـــي المكــــان الـــــذي يجـــري فـيــــه اللامـمـكـــن.. والمـستـحـيــــل!

 

بقلم عبير انطون

سيكون حيث تناديه الموسيقى. شرقا او غربا لا فرق، طالما ان جواز سفره الموسيقي <كونيّ> ينطلق فيه من بيئته الرحبانية الاصيلة. في السادس من آب سيكون وفرقة <باسبور تشامبر> على موعد مع جمهور يتمناه من مختلف الفئات والاعمار لينتقل به الى عالم آخر لا يريده غيبيا او بالاساطير انما عالماً فعلياً محسوساً، اجمل وافضل واكثر سلاما من خلال الموسيقى التي تشعره بذلك حقا.

الشاب الذي درس الموسيقى مع الاستاذ اغوب ارسلانيان والمتعمق في الموسيقى المعاصرة نشأ في بيئة امّنت له <نوطات> دخلت في خلاياه ومع العابه وهو يسعى الى تطويرها واكتشاف جديدها من خلال <وجوه وعوالم جديدة> ليست التكنولوجيا أيضا بعيدة عنها. اولى مقطوعاته الاوركسترالية التي عرفها الجمهور الفها بعد احداث نهر البارد، واهداها لشهداء الجيش اللبناني.

في اية رحلة سنبحر مع عمر غدي رحباني؟ ماذا عن مسرحيته التي يفتش لها عن انتاج، وما رأيه بالجدل الذي اثاره احتفال < مشروع ليلى> في <مهرجانات بيبلوس الدولية>؟ الاجوبة كلها منه لـ<الافكار> وبدأناها بالسؤال الأول:

ــ تطلّب التحضير لالبومك <باسبور> ثلاث سنوات. الآن ماذا يتطلب منك التحضير لحفلة بيت الدين المنتظرة؟

– الحفلة ستكون نتاج كل سنوات العمل هذه. لا يمكنني القول سوى انها خلاصة مجهود كبير للوصول اليها. هذا الـ<بيانو ــ كونسرتو> استغرق وقتا ايضا من الناحية التقنية، وفيه مزج ما بين موسيقى الكلاسيك الباروك من فيفالدي وباخ مع الموسيقى والايقاعات البرازيلية والهندية، ومن ثم الروحانية الشرقية اللبنانية، وهذا كلّه تطلب الكثير من الوقت لترجمته على الورق. وكما حضّرت الالبوم بدقة متناهية وشاركني فيه اكثر من 180 موسيقياً محلياً واجنبياً كذلك احضر للحفلة.

ــ علمنا ان الالبوم ضم 10 جنسيات من الموسيقيين المشاركين. ماذا ولّد هذا التنوع؟

 – أكثر من عشر حتى، وهذه واحدة من الأسباب التي جعلتني اعنونه <باسبور>. فضلا عن ان كل قطعة موسيقية فيه تنتقل بالمستمع الى عالم مختلف. لما الّفت الالبوم لم اكن اتوقع ان يعزف بشكل حي لاننا اشتغلناه بحرفية عالية يصعب معها نوعا ما العزف بشكل مباشر، الا اننا استطعنا التوصل الى ذلك مع نخبة من الموسيقيين الـ<شموليين> على المسرح، وانا محظوظ جدا بوجودهم ليشكلوا الفرقة الكاملة معي. من ناحية أخرى، تعرفون انني اتحدّر من عائلة فيها ارث كبير وعظيم وعلي ان اكون بكامل الجهوزية والانتباه لكيفية تقديم هذه الموسيقى، فقد أردت احياء ذكرى الكلاسيكيات الرحبانية التي تعرفها الناس وتحفظها عن ظهر قلب الا أنني وضعتها في اطار جديد.

ــ هل من اشكالية ستنشأ في اعادة هذه المقطوعات الرحبانية خصوصا ان بعض افراد العائلة يعترضون أحيانا؟

– على الاطلاق، وانا ابن هذه العائلة الرحبانية.

ــ ما اهمية اشتراكك بحفلة بين حنايا القصر التاريخي والمهرجانات الدولية؟

– الحفلة هذه مهمة جدا بالنسبة لي، فعلى مسرح بيت الدين وقفت اعرق الاسماء لبنانيا وعالميا وبالتالي ان اكون بين تلك الاسماء فان ذلك يشرفني جدا، كذلك فإن تاريخ المهرجانات معروف لجهة الاسماء التي يختارها بعناية.

ــ من سيكون جمهور السهرة، وانت من الجيل الثالث لعائلة الرحابنة؟

– الموسيقى الجميلة لا عمر للمستمع اليها، واتمنى ان تجمع الشباب مع المتقدمين في السن.

ــ من ردود الفعل على الالبوم، ماذا لاحظت؟ من لامست موسيقاك؟

– لقد وصلت الى أشخاص لا يشبهون بعضهم البعض، وافتخر بذلك، علما أنني لم أتقصّده. الموسيقى تجمعني بمختلف الاشخاص والاعمار والأذواق.

ــ هل ستعزف لـ<معمل الذوق الحراري> وهو ما كان الألبوم قد تضمنه أيضا بين مقطوعات متنوعة كـ<قصة بابل> و<التانغو> و<موشح أحمد بن حسين المصلّي> الذي قال لك جدك الكبير منصور الرحباني ذات يوم انه جدير بان يلحن؟

– نعم. سنعزف لـ<معمل الذوق>، واكثر من عمل في البوم <باسبور>، ونضعها في اطار جديد لان العزف الحي يختلف عن التسجيل، وما استمعتم اليه في الالبوم لن تجدوه هو نفسه في الحفلة.

ــ من يرافقكم في الأغاني؟

– الصولو على المسرح للسيدة فابيان ضاهر التي ستكون ضيفتنا ببعض الاغاني.

ــ هل سنكون في احتفال موسيقي بحت ام أن مشهدية ما سترافقه، خاصة انك تربيت في المسرح ولك اهتمامات في الرقص والاخراج حتى انك درست التصوير مع الاستاذ جيرار طعمة ويستهويك الجمع بين كل هذه الفنون؟

 – المشهدية مشروع قائم لوحده، وانا معني به جدا واعمل على ذلك، لكنني اردت في هذا الاحتفال تحديدا ان يكون التركيز كله على الموسيقى حتى تولّد هي نفسها مشهدية في عقول الناس، كذلك فان الاضاءة الموجودة ستساهم في ذلك ايضا. مع عراقة القصر وبهاء عمارته حرام ان نضيف شاشات على الخلفية بهدف العرض فقط.

ــ كيف تمّ التواصل مع <مهرجانات بيت الدين>؟

– انا على تواصل دائم مع القيمين على المهرجانات وهي ليست المرة الاولى التي اتعرف فيها على السيدة نورا جنبلاط رئيسة المهرجانات، أو السيدة هلا شاهين ومَن في اللجنة. العلاقة وطيدة، وهم يتابعونني واطلعهم على اعمالي. وبعد مهرجان <Beirut chants>  وجدنا انه حان الوقت للتوجه صعودا نحو بيت الدين.

ــ وما هو دور والدك غدي ووالدتك دانيال الراقصة ومدربة الرقص واخيك كريم في ما سنسر بمشاهدته؟

– دور اهلي اساسي في كل مشروع. دور الوالد لطالما كان كبيرا وسنعزف له مقطوعة ستشكل مفاجاة لكم وله، بتوزيع جديد واترك لكم لذة اكتشافها في 6 آب (أغسطس). اما لاخي كريم فتأثير كبير أيضا ونحن نعمل سويا إذ انه مخرج ومستشار دائم. وكما تعرفون الوالدة وبصمتها في التوجيه وافكارها الفنية.

 ــ نجدك متحمسا جدا للحفلة وهي ليست بالاختبار السهل. الى اي عالم ستأخذ ساهري بيت الدين؟

– لا اعرف ان اجيبك عن هذا السؤال. انا اؤلف واعزف موسيقى كي أهرب الى مكان اجمل، وعالم افضل من الذي نعيش فيه. عالم ليس للحلم والأمل فقط انما أيضا الى عالم أفضل نريد ان نلمسه ونعيش فيه، وهذا امر توفره لي الموسيقى شخصياً، واحب ان انقل كل المستمعين معي اليه، الى عالم السلام الهادئ المستقل الا عن التركيز على ما يسمعونه او كما يطلقون عليه بالانكليزية <هاي كونشانسيوس>.

 

<ديسيبلين>..!

ــ لقد سافرت الى المانيا، واسبانيا والعديد من البلاد غيرها. هل لا زلنا بعيدين عن الغرب، ليس لناحية الـتأليف او الابداع الموسيقي بل لناحية اهتمامنا به واستثمارنا فيه؟

– لسنا بعيدين باي أمر. لا بالتأليف ولا بالعزف ولا بالسينما ولا حتى بالاكل، وما نقدمه فيه كل الجودة، حتى اننا أفضل ربما. لكن الذي ما زلنا بعيدين عنه هو الـ<انفراستروكتور> الهيكلية والبنى التحتية كـ<أوبرا هاوس> مثلا، علما انه يتم الحديث عنها اليوم ونأمل ان تتحقق. لدينا اوركسترا الكونسرفاتوار وهي عظيمة لكن يلزمنا بعد اكثر واكثر. ليست عندنا صناعة فنية او انتاج كما يجب او منتجون مختصون بهذا او ذاك. ولا زال ينقصنا وهذا هو الاهم والأساسي، الـ<ديسيبلين> الانضباط والاصرار. عندنا الموارد والافكار وينقصنا الـ<الديسيبلين>.

ــ وهذا ما يحترفه غدي الرحباني بدقة..

– صحيح وتعلمته منه كما من كل الرحابنة.

ــ عندك مسرحية وكنت تفتش عن انتاج لها، وحين لم تجد، حولتها الى أغنية بعنوان <عم فتش ع انتاج>. اين اصبح المشروع اليوم؟

– هي من الاعمال التي اضعها مع العديد من المؤلفات والأفكار في غرفة الانتظار الى ان يحين دورها.

ــ كنت تفضل لو كانت حفلتك هي هذه المسرحية في انتاج لـ<بيت الدين>؟

– لم افكر بذلك. جل ما يهمني اليوم هو ما سأقدمه وانا سعيد به.

ــ ما رأيك الصريح بالجدل الذي اثارته حفلة <مشروع ليلى> في <مهرجانات بيبلوس الدولية> والانقسام الذي خلفته بين من اعتبرها مسا بالمقدسات والاديان من جهة ومن اعتبرها مسا بالابداع والحريات من جهة أخرى؟

– لن ادخل بالتفاصيل الدقيقة والعلاقة بالاديان الخ. بالنسبة لي، الموسيقى هي المكان الذي يحدث فيه اللاممكن ويجري فيه المستحيل، كذلك فانه من الافضل بالنسبة لي ان يقتل احدهم مئة مرة بالفن ولا يقتل بالواقع. حتى السياسيون عندنا، لو ينتقلون الى العمل في الموسيقى لكنا بحال افضل وبلدنا بألف خير. كذلك فانا أحب الموجة الشبابية بالعموم، وأحبّ التجديد وتلفتني الافكار الجريئة في الفن، وكل من يحاول ان يأتي فيه بما هو من خارج الصندوق <اوت اوف ذي بوكس>. لكن ليس كل ما يتولّد عن ذلك يكون صحيحا او <ظابط>. انا مع الاختبارات، وشخصيا اقوم بالكثير منها، لكن ليس كل اختبار اقوم به يكون الصح، ولا يكتب النجاح لجميعها. المحاولة جائزة، وهي ضرورية، فاذا نجحت تستمر وتتطور واذا لم تنجح تتلاشى لوحدها. الشباب في <مشروع ليلى> او في غيرها، إن لم يجربوا فكيف نعرف الصح من الخطأ؟ لهو امر جيد ان نسمع ونعرف ونختبر ردود الفعل، وكأنهم بذلك يزيحون خيارا من امام آخرين كان يمكن ان يجربوه فيتوجهون الى غيره، ويتم العمل وفق قاعدة <خطأ ومحاولة> (Error and try) < فريدي ميركري> لما طلع اضطهدته الناس، وبعد سنوات باتوا يحلفون باسمه ويترقبون الـ<كوين> وما يقدمونه.

ــ الجدل كان كبيرا وحتى حاملو لواء الحريات وجدوها غريبة عما يمكن ان نتقبله في بيئتنا. الا يجب احترام رأي هؤلاء أيضا؟

– بكل تأكيد. أفهم عليك وانا معك..

ــ برأيك يجب ان تعطى الفرصة والناس هي من تقرر؟

– ليس الناس. الناس تمر.. الوقت يستمر ويقرر.

ــ أي حفلة في مهرجاناتنا العديدة حرصت على حضورها هذا الصيف؟

– لا اخفي عليك ان هناك الكثير من الحفلات في لبنان كنت اتمنى حضورها الا ان الضغط والوقت للتمرينات حجبا عني ذلك.

ــ هل ستكون اقامتك دائمة في لبنان؟

– أنا هنا منذ سنة تقريبا. بحكم عملنا ونوعيته لا اعرف متى آخذ الطيارة واتوجه لاكتشاف عالم جديد. عملنا يتطلب بحثا واكتشافا دائما لانواع ولوجوه وعوالم جديدة.

ــ هل يمكن ان تبدل الـ<باسبور> اللبناني بـ<باسبور> آخر؟

– هويتي ليست مرتبطة بجغرافيا معينة. انا ابن المنطقة، وابن البيئة هنا، وهذا امر لا جدل حوله، وانا ابن بيئة الرحابنة اولا! الهوية الرحبانية هي هويتي لانني من خلال الموسيقى الرحبانية وجدت هويتي الخاصة وانطلق منها بكل فخر الى العالم كله واعتبر الارض كلها ارضي. انا مواطن عالمي او كونيّ حتى.

ــ هل تفكر بانتاج البومات بعد ونحن في عصر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائلها العديدة؟

 – الصناعة الفنية والفكرية تتغير بسرعة هائلة. قد افكر اليوم بأمر فيظهر في الغد امر آخر. قد نعود الى زمن الالبومات لاحقا.. لا احد يمكنه ان يعرف او يتوقع ما سيجري. الالبوم هو بمثابة الـ<كارت دو فيزيت> من خلالها اقول: هذا انا وهذه موسيقاي.