17 November,2018

”عقدة التوقيع الثالث“ تدخل البلاد في أزمة مفتوحة وتكريسه يؤثر سلباً على التوازن بين السلطات وتعاونها!

عون-من-بكركيكل المؤشرات توحي أن لبنان مقبل على أزمة سياسية جديدة مع مطلع 2018، تضاف الى سلسلة الأزمات التي يعاني منها على مختلف الصعد، لاسيما منها المالية والاقتصادية والاجتماعية… وكأن قدر هذا البلد أن يودع أزمة ليستقبل أخرى… والحبل على الجرار!

عناصر الازمة المستجدة تشبه الى حد ما عناصر الأزمات السابقة و<أبطالها> لم يتغيروا وإن كانت الأسابيع الماضية حملت معطيات عن عودة المياه الى مجاريها ليتبين أن وراء الاكمة ما وراءها وان إمكانية التغيير الجذري في المواقف غير متوافرة. وكما في كل مرة الأسباب المعلنة إياها، فيما غير المعلنة لا تتطلب جهداً كبيراً لأنها واضحة <مثل عين الشمس>.

من حيث الشكل، الخلاف نشأ بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري بعدما وقّع الرئيس مرسوم يمنح أقدمية لضباط دورة 1994 التي يعتبر رئيس الجمهورية انهم يستحقون هذه الاقدمية لأنهم عانوا من كيدية واستنسابية في المعاملة منذ تطويعهم في المدرسة الحربية خلال فترة رئاسة العماد عون للحكومة العسكرية حين أمضوا سنة وقعت بعدها أحداث 13 تشرين الأول (إطاحة الحكومة العسكرية) فأعيدوا الى منازلهم وبقوا فيها على مدى سنتين، عادوا بعدها ليمضوا سنتين أخريين في المدرسة الحربية، ويتخرجوا في العام 1994 في دورة <الانصهار الوطني>، أي بعد خمس سنوات، علماً أن دورة المدرسة الحربية تستغرق عادة ثلاث سنوات فقط. وقد أحدث هذا التفاوت الزمني تقدماً للدورات التي تلت هذه الدورة التي كانت تحتاج الى سنتين أقدمية لتتساوى مع الدورات التي أتت من بعدها وسبقتها في الاقدمية. إلا أن مرسوم منح الأقدمية حصرها لسنة واحدة فقط للتخفيف من الغبن اللاحق بضباط الدورة وعدم حصول خلل كبير مع الدورات الأخرى.

الأقدميات لا ترتب موجبات مالية

 

وفي الشكل أيضاً حمل مرسوم منح الأقدمية توقيعي وزير الدفاع والرئيس سعد الحريري، إضافة الى توقيع الرئيس عون من دون أن يلحظ توقيع وزير المالية علي حسن خليل أسوة بمراسيم مماثلة كانت قد صدرت منذ عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي وصولاً الى عهد الرئيس عون مروراً بالرئيسين اميل لحود وميشال سليمان، لأن الرئيس عون يعتبر أن مراسيم منح الأقدمية للضباط لا ترتب موجبات مالية، لأن منح الأقدمية شيء آخر، وليس كل من يُمنح أقدمية يرقى حكماً الى موقع أعلى إلخ… إلا أن الرئيس بري اعتبر تجاوز توقيع وزير المال مخالفة دستورية وميثاقية وأطلق حملات إعلامية واسعة لم تنفع مساعي المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم بالحد من مفاعيلها السلبية، لاسيما وأن الحملة تضمنت <إيحاءات> بإمكانية تجميد كل ما يتصل بالترقيات في وزارة المال من خلال عدم صرف مستحقات الضباط الذين سوف تشملهم الترقية. وانطلق الرئيس بري في موقفه المعلن من كون الرئيس عون، عندما كان يرأس تكتل التغيير والإصلاح تقدم باقتراح قانون لإنصاف ضباط دورة 1994، إلا أن الاقتراح سقط (الرئيس عون يقول أُسقط) في الهيئة العامة فأحيل الى اللجان المشتركة حيث لا يزال يقيم سعيداً. وعليه اعتبر الرئيس بري أن إصدار المرسوم هو تجاوز أيضاً لدور مجلس النواب و<تحايلاً> عليه.

وفيما كانت الاتصالات ناشطة بطريقة غير مباشرة بين بعبدا وعين التينة بحثاً عن حل، بدا أن الرئيس بري تمسك بموقفه داعياً الرئيس عون الى <التراجع> عن إصدار المرسوم (الذي كان قد صدر وعمم على الدوائر المعنية) أو تعليق العمل به، الأمر الذي رأى فيه الرئيس عون تجاوزاً للقانون والدستور لأن المرسوم صدر وفقاً للأصول القانونية والدستورية ولا مشكلة حياله وليس في الوارد أن يتراجع رئيس الجمهورية عن مرسوم وقعه أو تدبير اتخذه.

إلا أن رياح اتصالات التهدئة جرت على عكس ما تشتهي سفن <سعاة الخير> لاسيما عندما أعلن الرئيس عون بعيد لقائه البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس الراعي قبيل قداس الميلاد في بكركي أن المرسوم صدر وهو قانوني ومن يرى فيه أي خطأ أو خلل بإمكانه مراجعة القضاء، أي مجلس شورى الدولة ليقول كلمته وانه – أي رئيس الجمهورية – سيكون سعيداً إذا كسر القضاء قراره! لكن <المخرج> الذي <استنبطه> الرئيس عون لم يلق تجاوباً لدى الرئيس بري الذي اعتبر أن من يراجع القضاء هو <الضعيف> وان لا مجال لمراجعة وزارة العدلية التي يشرف عليها وزير مقرب من الرئيس عون، وتمسك بدوره بموقفه داعياً رئيس الجمهورية الى حل الأزمة التي نشأت عن توقيعه المرسوم من دون توقيع وزير المال! إلا أن الرد الرسمي للرئيس بري حمل <اتهامات> لا يمكن للرئيس عون أن يتقبلها من مثل مخالفة القوانين والاعراف وعدم احترام <التعاون> بين المؤسسات الدستورية وفق ما جاء في مقدمة الدستور وغيرها من النقاط التي ذهب فيها الرئيس بري بعيداً خلافاً لأسلوبه الذي كان يتميز دائماً بـ<تدوير الزوايا>.

بري-الحريري

وزير المال يجمّد

وهكذا دخلت البلاد أزمة جديدة سوف تتظهر بعد انتهاء عطلة الاعياد واستئناف دورة العمل اليومية حيث تتوقع مصادر معنية أن يجمّد وزير المال علي حسن خليل كل المعاملات المالية المرتبطة بمرسوم منح الأقدمية ولاسيما مراسيم ترقية الضباط في مختلف الأسلاك التي تتم عادة ابتداء من أول السنة، وكذلك تجميد مسائل مالية أخرى أسوة بما حصل مع قوى الأمن الداخلي عندما جمّد الوزير علي حسن خليل المخصصات السرية لهذه القوى احتجاجاً على تعيين ضباط شيعة في مواقع أمنية من دون موافقة مسبقة من الرئيس بري، واستمر الحصار المالي على قوى الأمن الى أن أعيد النظر بالتشكيلات المشكو منها لدى الرئيس بري، فتم الإفراج عن المخصصات المالية بعد أكثر من 8 أشهر على حجزها! ولا تتوقع المصادر المعنية حلولاً سريعة للأزمة المستجدة لاسيما إذا ما تمسك كل طرف بموقفه ورفض التجاوب مع الوساطات التي تبذل على غير صعيد، ما يعني أن الجو الحكومي سوف <يتكهرب> من جديد لاسيما وأن الرئيس الحريري الذي وقع مرسوم منح الأقدمية لم يعد متحمساً للتمسك بهذا التوقيع وهو طلب تأخير نشر المرسوم المشكو منه، إلا أن طلبه جاء متأخراً لأن دوائر رئاسة الجمهورية كانت قد عممته وفقاً للأصول.

وترى مصادر سياسية مطلعة أن الأمر يتجاوز خلافاً حول مرسوم صدر من دون توقيع وزير المال إلى ما هو أبعد لجهة تكريس حالات في ممارسة السلطة ابرزها التوقيع الثالث على المراسيم أي توقيع وزير المال أسوة بتوقيعي رئيس الجمهورية والحكومة، ما يعني باللغة الطائفية اللبنانية أن تكون إدارة شؤون الدولة ثلاثية المسؤولية: مارونية – سنية – شيعية بدلاً من أن تكون حيناً مارونية – شيعية، وأحياناً مارونية – سنية. وهذا الواقع الذي قد يكون وراء ما يدور حالياً من خلاف بين الرئيسين عون وبري وسط <نأي بالنفس> من قبل الرئيس الحريري، يعني قراءة جديدة لاتفاق الطائف الذي كرّس توزع المسؤوليات بين الطوائف في لبنان فأبقى رئاسة الجمهورية (بصلاحيات محدودة) مع الموارنة، ورئاسة الحكومة (بصلاحيات واسعة) مع السنة، ورئاسة مجلس النواب (بدور واسع وشامل غير مسبوق) مع الشيعة، شرط التوازن بين السلطات (عملياً توازن الطوائف) وتعاون في ما بينها بحيث لا تطغى واحدة على أخرى. في حين أن تكريس التوقيع الثالث (الشيعي) – تضيف المصادر نفسها – على كل المراسيم التي تحتاج الى موافقة مجلس الوزراء. أو تلك التي لا تعرض على مجلس الوزراء وتعرف بـ<المراسيم العادية>، يؤدي الى حصول خلل في التوازن بين السلطات (الطوائف عملياً) بحيث تصبح الطائفة الشيعية شريكة ايضاً في قرار السلطة التنفيذية، إضافة الى قرارها الذي لا شريك له في السلطة التشريعية. وهذا يعني استطراداً قيام <ترويكا> مارونية – سنية – شيعية على مستوى يشمل كل سلطات البلاد، لاسيما وأن عدم توقيع وزير المال على أي مرسوم يعني عملياً تعطيله وتجميد أي إجراء يمكن أن يتخذ، وهذه صلاحيات ليست لرئيس الجمهورية الملزم توقيع المراسيم التي تحتاج الى موافقة مجلس الوزراء خلال مهلة محدودة وإلا تصدر وتعتبر نافذة!

وتختصر المصادر نفسها الوضع بالقول إن البلاد أمام معضلة جديدة تتجاوز مسألة المرسوم الى قراءة جديدة لدور المؤسسات الدستورية ومفهوم جديد لإدارة الشؤون الوطنية. وهذه مسؤولية ميثاقية لن يكون من السهل حسمها في الآتي من الأيام، وهي ستبقى حكماً معلقة الى ما بعد الانتخابات النيابية في أيار/ مايو المقبل… والى ذلك الحين، يخلق الله ما لا تعلمون!