22 September,2018

عقبات كثيرة أمام الحريري في تشكيل الحكومة الجديدة... أبـرزهــــا طـائـفـيــــة حقـيـبـــة الـمـــال وتوزيــــع الـحـصــــص!

 

حسن-نصراللهلن يتغير مشهد <الترويكا> الرئاسية مع بدء ولاية مجلس النواب الجديد في 21 أيار/ مايو الجاري، وستبقى الصورة الرئاسية تجمع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري (الذي سيعود رئيساً لمجلس النواب بأكثرية قد تصل الى 80 نائباً) ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري (الذي سيعود هو أيضاً رئيساً للحكومة بعد استشارات التكليف التي يتوقع أن يجريها الرئيس عون في أواخر شهر ايار/ مايو الجاري أو أوائل شهر حزيران/ يونيو المقبل، بعدما تكون هيئة مكتب مجلس النواب قد اكتملت وتحدد توزيع الكتل النيابية الجديدة بالأعداد والأشخاص.

وإذا كانت عودة الرئيس بري الى ترؤس السلطة التشريعية من البديهيات، لاسيما وأن المرجح أن تتم بالتزكية لعدم وجود منافس جدي له على هذا المنصب، فإن عودة الرئيس الحريري الى السرايا هي أيضاً بديهية مع امتلاكه أكثرية نيابية موصوفة نتيجة مواقف الكتل النيابية الاساسية المؤيدة له، لاسيما كتلة الرئيس بري، وكتلة <لبنان القوي> (التيار الوطني الحر والحلفاء أي تكتل التغيير والإصلاح سابقاً) وكتلة <اللقاء الديموقراطي> وكتلة <المردة> والحلفاء سواء حجبت كتلة حزب الله عنه التسمية او امتنعت القوات اللبنانية عن تسمية أحد وكذلك حلفاء حزب الله.

غير أن تشكيل الحكومة لن يكون أمراً سهلاً أو سريعاً لأن الرئيس المكلف سيكون أمام عقبات عدة قد تؤدي الى تأخير الاتفاق على التشكيلة الحكومية وإصدار مراسيمها، ذلك أن الحكومة الثالثة برئاسة الحريري تختلف عن الحكومتين السابقتين، فالحكومة الحريرية الأولى وُلدت نتيجة تفاهمات تساوى فيها آنذاك فريق 8 آذار مع فريق 14 آذار مع حصة لرئيس الجمهورية، لكنها أسقطت بفعل انضمام <الوزير – الملك> عدنان السيد حسن الذي كان من حصة الرئيس ميشال سليمان الى فريق 8 آذار في اللحظة التي كان فيها الرئيس الحريري يدخل الى البيت الأبيض للقاء الرئيس السابق <باراك أوباما>، أما الحكومة الحريرية الثانية فكانت الأولى في بداية عهد الرئيس عون (وإن كان رئيس الجمهورية لا يعتبرها <حكومته الأولى>) وولدت استكمالاً للتسوية التي أنتجت انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، وهي لم تسقط كما الحكومة الأولى بل سوف تعتبر مستقيلة ابتداءً من 21 أيار/ مايو الجاري مع بدء ولاية مجلس النواب الجديد.

 

وزارة المالية للشيعة؟

وأولى العقبات لا بل أصعبها وأدقها على الإطلاق، ستكون إصرار الرئيس بري على إسناد حقيبة وزارة المال الى وزير شيعي هو تحديداً الوزير علي حسن خليل، الأمر الذي قد يتحفظ عليه الرئيس عون والرئيس الحريري معاً، ويرفضه <تكتل لبنان القوي> برئاسة الوزير جبران باسيل. صحيح أن الرئيس عون لم يعلن معارضته علانية، إلا أن الوزير باسيل الذي أكثر من توجيه الانتقادات الى الرئيس بري والوزير خليل نفسه لا يخفي معارضته لإعادة إعطاء خليل حقيبة المال من جهة، وتخصيصها للطائفة الشيعية من جهة أخرى. فيما كرر الرئيس الحريري مراراً أنه لا <يعترف> بأي <عُرف> يسند حقيبة المال الى الشيعة، ولا يقر بـ<العُرف> المتصل بالرئاسات الثلاث: الرئاسة الأولى للموارنة، والثانية للشيعة والثالثة للسنة، وهو قال هذا الكلام بوضوح بعد اجتماعه مع الرئيس عون في قصر بعبدا الاسبوع الماضي، وهذه الرسالة من قصر بعبدا بالذات لها معناها وعلى <اللبيب من الإشارة أن يفهم>!.

وفي المقابل، يرى الرئيس بري الذي جاهر بمطلبه وباسم وزيره اكثر من مرة في أقل من 36 ساعة بعد الانتخابات، أن بقاء الوزير خليل في وزارة المال له ما يبرره، بدءاً من <الخبرة> التي اكتسبها خلال وجوده في حكومتين متتاليتين في الوزارة نفسها، مروراً بضرورة الرد على الحملات التي شنها خصوم بري وفي مقدمهم الوزير باسيل على أداء ممثل <أمل> في الحكومة، وصولاً الى التذكير بأن المجتمعين في <الطائف> كانوا وقد زعوا المناصب الرئاسية الثلاثة على الطوائف الرئيسية، وان وزارة المال يجب أن تعطى للشيعة على أساس أنها وزارة سيادية. وفيما ينفي متابعون لوقائع <مؤتمر الطائف> هذه المعطيات مشيرين الى أن التوزيع اقتصر عرفاً على مواقع الرؤساء الثلاثة، يورد الرئيس بري تفاصيل تدخل القيادة السورية بشخص الرئيس الراحل حافظ الأسد، مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري لإيجاد تسوية حول وزارة المال لاسيما وان ثلاثة وزراء شيعة تناوبوا عليها بعد <الطائف>، قضت يومئذٍ على أن يتولى الرئيس الشهيد بنفسه وزارة المال وهذا ما حصل فيأول حكومة حريرية كان فيها الرئيس السنيورة وزير دولة للشؤون المالية قبل ان يصبح في حكومة ثانية وزيراً أصيلاً للمالية.

ويردّ المعترضون على موقف الرئيس بري بالقول إن وزارة المال لم تكن عُرفاً للشيعة بدليل انه في عهد الرئيس اميل لحود تولاها موارنة (جورج قرم، دميانوس قطار وجهاد أزعور) وسنة (ريا الحسن) وأرثوذكس (الياس سابا) وفي عهد الرئيس سليمان حل فيها الوزير الشهيد محمد شطح وغيره، قبل أن تؤول في آخر حكومة في عهد الرئيس ميشال سليمان الى الوزير خليل، واستمر الأمر على ما هو عليه في أول حكومة من عهد الرئيس عون، وبالتالي فلا شيء يوجب البقاء على الوضع نفسه وسط حديث عن إمكانية حصول مداورة في الحقائب السيادية. في غضون ذلك، راجت في الأوساط السياسية رواية تقول بأن حزب الله في صدد <نصح> حليفه الرئيس بري بالتخلي عن وزارة المال والتفكير بوزارة سيادية أخرى (المقصود وزارة الداخلية) انطلاقاً من أن وزارة المال باتت عبئاً على حاملها نظراً لحجم المديونية العامة المتصاعدة والمخاطر المالية المحتملة، خصوصاً أن أصواتاً عدة مسؤولة حذرت صراحة من إمكان انزلاق البلاد الى حال الافلاس في ظل غياب التخطيط وتفشي الفساد والهدر والتسيب. وفي هذه الرواية أيضاً ثمة من يقول انه سبق للرئيس بري أن تخلى عن حقيبة المال طوعاً لأكثر من عقد من السنين، فلماذا الإصرار الآن على التمسك بها بعدما كان قد تخلى عنها ولم يتوقف عند نظرية <العُرف> التي يقول إنها اعتمدت في <الطائف>؟ أما حول جدية الكلام عن رغبة حزب الله في تولي وزير شيعي وزارة الداخلية، فإن مصادر مطلعة تقول إن مثل هذه المطالبة تندرج في إطار <بازار> التفاوض حول الحقائب الذي يُفتح على مصراعيه في مثل هذه المواسم السياسية، لاسيما عند تشكيل حكومة حديدة.

 

<القوات>: 6 مقاعد!

الحريري

أما العقدة الثانية التي بدأت تلوح في الأفق، فهي مطالبة القوات اللبنانية بتمثيل <وازن> في الحكومة العتيدة انطلاقاً من حجم كتلتها النيابية الذي ارتفع من ثمانية نواب الى 16 نائباً، أي الضعف. وفي هذا السياق ثمة من يقول في معراب إن الكتلة التي تمثلت بثلاثة وزراء عندما كانت من 8 أعضاء، طبيعي أن تتمثل بستة وزراء بعدما أصبحت الضعف، على أن تكون واحدة من هذه الوزارات سيادية، والأخرى وازنة وخدماتية، إضافة الى الاحتفاظ بمنصب نائب رئيس الحكومة الذي تولاه الوزير غسان حاصباني في حكومة الرئيس الحريري الى جانب حقيبة الصحة. إلا أن مطلب <القوات> يواجه بمعارضة شديدة من التيار الوطني الحر ومن رئيسه الوزير باسيل الذي بدّل لغته تجاه <القوات> وصار عنيفاً في انتقاداته التي طاولت مواقف جعجع مباشرة، لاسيما خلال الاحتفال بالفوز في الانتخابات الذي اقيم السبت الماضي في مجمّع <الفوروم> في بيروت. وقبل هذا المهرجان الاحتفالي، كانت للوزير باسيل <ضربات> سددها مباشرة الى <الحكيم> وفتحت جدالاً مع نواب حزب <القوات> ووزرائه لم تسلم منه ايضاً مواقع التواصل الاجتماعي بأساليب ولغات غير مألوفة، ما جعل كثيرين يتخوفون على مستقبل <تفاهم معراب> وإن كان كل من باسيل وجعجع يؤكدان على صلابته وأهمية استمراره. ويتوقع أن تكون العقدة <القواتية> صعبة الحل خصوصاً أن الرئيس الحريري الذي سيتولى تشكيل الحكومة لم يعد يستسيغ اعطاء <القوات> حصة وزارية كبيرة على غرار ما فعل في حكومته الأولى، لاسيما بعد المواقف التي أعلنها الدكتور جعجع على أثر الظروف الصعبة التي مرّ بها الرئيس الحريري في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي وإعلانه استقالة حكومته من الرياض في ظروف ملتبسة لم تعد تفاصيلها خافية على أحد.

ويروي متابعون ان المواقف التي أطلقها النائب المنتخب ايلي الفرزلي (الذي سيعود هو الآخر نائباً لرئيس مجلس النواب) حول امكانية انتقال <القوات> الى المعارضة، تشكل في حد ذاتها اشارة غير مباشرة الى ما يمكن أن تصل اليه الأمور إذا ما تمسكت <القوات> بستة وزراء، في وقت تبدو حصتها الطبيعية تقتصر على أربعة وزراء، مع إمكانية إسناد نيابة رئاسة الحكومة الى ممثل عنها.

حصة الرئيس من غير <لبنان القوي>!

وتكمن العقدة الثالثة في ما يمكن أن يطرحه البعض حول تمثيل رئيس الجمهورية في الحكومة مع وجود ممثلين عن <تكتل لبنان القوي> وعما إذا كانت حصة الرئيس ستكون منفصلة عن حصة التكتل الجديد الذي بات يضم 29 نائباً، على رغم أن المعركة الانتخابية بناها التيار الوطني الحر على أن مرشحيه هم للعهد وأن الفوز أهدي لسيد العهد وبالتالي فإن <تكتل لبنان القوي> هو تكتل العهد بنوابه وبوزرائه بعد تشكيل الحكومة. وفي هذا الإطار، تقول مصادر مطلعة على موقف الرئيس عون أنه يرغب في أن يتمثل هو بفريق وزاري خاص به بمعزل عن حصة التكتل على أن يضم وزراء من غير المسيحيين أيضاً، تدليلاً على أن رئيس الجمهورية يمثل جميع اللبنانيين وليس فقط المسيحيين. وفي هذه الحالة، تقول مصادر متابعة، فان توزيع الوزراء على الكتل النيابية سيواجه رجحان كفة رئيس الجمهورية لأنه سوف يعطى وزراء له إضافة الى وزراء <التكتل> ما يعني أن الحصة الرئاسية سوف تكون مضاعفة، وهو أمر قد لا يمر بسهولة مع المعارضة التي ترى أن رئيس الجمهورية هو على الحياد وطنياً، أما سياسيا فإن <تكتل لبنان القوي> يعبّر عن مواقفه ويعكس رغباته ويكون ذراعه القوي في مجلس النواب، خصوصاً أن وزراء الرئيس و<التيار> سيعينون على حساب القوى السياسية الأخرى التي تريد أيضاً حصتها من الحكومة بعد فوزها في الانتخابات.

ولا تغيب عن بال الأوساط السياسية العقدة الدرزية التي يفترض أن تتفاعل سلباً في الآتي من الأيام، لاسيما بعد الصدام السياسي العنيف الذي وقع بين النائب وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة، والوزير طلال أرسلان والحزب الديموقراطي اللبناني من جهة ثانية على خلفية الأحداث الدامية التي وقعت في بلدة الشويفات بين أنصار الفريقين وأدت الى مقتل شاب ووقوع عدد من الجرحى. ويذكر في هذا المجال، أن حكومة ثلاثينية يفترض أن تضم ثلاثة وزراء من الدروز، وقد درجت العادة أن يتمثل جنبلاط بوزيرين اثنين، وأرسلان بوزير غالباً ما كان هو نفسه في الحكومة. وهذه المعادلة كانت تتم بتفاهم بين المختارة وخلدة، إلا أن رواسب أحداث الشويفات الدامية يمكن أن تؤثر سلباً على هذه المعادلة مما يطرح مشكلة حقيقية لأن الرئيس عون والتيار الوطني الحر لن يقبلا بتغييب أرسلان عن الحكومة، خصوصاً أنه جزء من <تكتل لبنان القوي> وقد حضر أول اجتماعاته ثم اضطر للتغيب عن المناسبات الأخرى بسبب اضطراب الوضع الأمني في الشويفات. وهنا تبرز مشكلة إضافية تتصل بالتمثيل الدرزي خصوصاً أن لا تمثيل درزياً للوزير السابق وئام وهاب أو أي جهة درزية أخرى.

كيف سيتمثل <المستقلون>؟!

وتبرز أيضاً عقدة خامسة تتصل بتمثيل المستقلين الذين ظلوا خارج التحالفات الكبيرة وإن كان بعضهم أتى من خلال الانضمام الى لوائح كتل سياسية كبيرة أو متوسطة أو عبر أحزاب. وفي هذا السياق، يشير المطلعون الى ما ستكون عليه ردة فعل استبعاد الرئيس نجيب ميقاتي الذي باتت لديه كتلة سياسية من خمسة وزراء، وكتلة <المردة> المؤلفة أيضاً من 4 وزراء، ناهيك عن النواب المنتخبين عبد الرحيم مراد وفيصل كرامي وأسامة سعد وعدنان طرابلسي وفؤاد المخزومي الذي شكّل فوزهم <كسراً للحصرية> التي كان يمثلها الرئيس الحريري وتيار <المستقبل> في المناطق ذات الأكثرية السنية، ويندرج في الإطار نفسه وضع حزب الكتائب الذي لم يعد في كتلته سوى ثلاثة نواب، ما يعني أنه سيغيب مرة جديدة عن التشكيلة الحكومية الثانية في عهد الرئيس عون.

وإذا لم تبرز عقبات أخرى محتملة لاسيما خلال توزيع الحقائب بعد حسم اسماء الوزراء المحتملين، فإن كل التوقعات تشير الى أن تشكيل الحكومة قد يأخذ وقتاً خصوصاً أن حزب الله لن يبقى بعيداً عن عملية التشكيل كما كان يحصل سابقاً وهو لن يفوض الرئيس بري تمثيل الشيعة في النقاش حول توزيع الحقائب وسط معلومات عن رغبة الحزب في أن يكون مشاركاً أكثر في الحياة الوزارية تكليفاً وتأليفاً، وهو وإن حسم اسم وزيره العائد محمد فنيش فهناك اسم آخر <ينام> عليه الحزب وكذلك الحقيبة التي ينوي المطالبة بها وهي حتماً حقيبة غير عادية كما حصل في الحكومة الحريرية الثانية.

وهكذا فإن ملامح الازمة الحكومية بدأت بالظهور من خلال تمسك الرئيس بري بحقيبة المال، الذي سوف يقابله تمسك <التيار> بحقيبة الخارجية لرئيسه، ما سوف يدفع <المستقبل> الى التشدد في الحصول على حقيبة الداخلية بصرف النظر عن الاسم الذي سيشغلها، وبذلك تبقى وزارة الدفاع من حصة رئيس الجمهورية… و<القتال> سيكون على وزارات الخدمات حتماً!