20 November,2018

عـلــــي طـلـيـــــــس: فــنـــــــان الـــــى الـعـالــــــــم...  مـــــن قـــــــلــب ”الــتــوحــــــــد“!

 

بقلم عبير انطون

2

ليس علي طليس كغيره، مختلف هو ومميز. يختلف لأنه يعاني من <التوحد> الذي بات ينتشر بشكل اكبر وتسمع به الناس بشكل اكثر، وهو مميز لأنه استطاع ان يجعل من توحده طاقة واملاً، طاقة فنية مدهشة ترجمها بالريشة واللون، وأملاً لعائلات كثيرة قد يعاني احد افرادها من حالة اختلاف مماثلة.

في <معرض بيروت آرت فير> كان <التجمهر> حول علي مميزاً وهو يتنقل فرحاً بين لوحات معرضه عن <البيوت التراثية اللبنانية>، فمن هو علي وماذا في المعرض؟ من اين حمل لقب <سعادة السفير>؟ والى ماذا يتوق بعد وقد عرض خارج الحدود وبات له من ينتظر جديده؟

في العام الماضي قدم علي – تحت جناح <الجمعية اللبنانية للتوحد> و<شركة الفا للاتصالات> التي تبنته ضمن برنامج <الفا من اجل الحياة> – معرضاً تحت عنوان <ايقونات لبنانية> في الدورة السابعة من <معرض بيروت آرت فير> راسماً وجوهاً فنية وادبية معروفة من مجتمعنا لمعت محلياً وعالمياً، وجاء في مقدمتها السيدة فيروز التي يحبها علي جدا كما يحب وديع الصافي بأغنية <رح حلفك بالغصن يا عصفور….> وراغب علامة وجورج خباز ونادين لبكي وميشال الفترياديس. وها علي اليوم بعد رسم البشر المميزين، ينتقل الى الحجر الاساس في بيوتنا التراثية اللبنانية لهذا لعام مع الجمعية عينها وفي المعرض نفسه ودائما مع استاذته ريتا مكرزل نقيبة <محترفي الفنون التخطيطية والمصورة في لبنان> التي تتباهى بعلي <فان غوغ لبنان> وبإنجازاته، بعد الخطوات المتقدمة في المشوار الطويل. فبعد تركيزها معه على تقنية التنقيط التي ادت الى تطوير لعبة الضوء والظل – والنور والعتمة، كان مع <بورتريهات> العام الماضي دخول الى عالم التشريح لتحديد مواقع الانف والعين والاذن وملامح الوجه التي حفظها علي والتقطها جيدا قبل ان ينتقل الى البيوت لهذا الموسم.

<حلمـــــي ان ابقــــى ارســـم> يقول علي وانا احب رسم الطبيعة والشجر ووجوه من احبهم>. لا بد ان علي يحب نفسه اذاً، اذ سبق ان رسم نفسه في <بورتريه>. هو ايضا يحب مدام مكرزل. <انها استاذتي ولها محبة خاصة تماماً كمحبة اهلي واخوتي الذين يدعمونني ويشجعونني وانا اشكرهم جميعهم كما اشكر السيدة اروى حلاوي رئيسة <الجمعية اللبنانية للتوحد>.

علي، الشاكر لوالديه، هو البكر لعائلة من والدين واربعة اولاد. كان نجمهم المدلل ولا يزال. الى موهبته في الرسم، يهوى التمثيل الذي سبق وخاض غماره في مسلسل <حلو الغرام> كما انه ضابط ايقاع على الطبلةويحب الغناء وقد شارك فيه الفنان عاصي الحلاني على مسرح <كازينو لبنان> مرة….

 

الجمعية… والوالد!

 

 لما ذهب علي كاي طفلاً في مثل عمره الى المدرسة في برج البراجنة لم يكن يدري بأنه سيتم استدعاء اهله لإعلامهم بأنه يعاني من صعوبات تعلّمية. التوحد لم يكن <على الموضة> في تلك الايام والتوعية حوله لم تكن كما هي اليوم. فما كان من والده الا ان قرر أن يكون أحد مؤسسي <الجمعية اللبنانية للتوحّد> في العام 1999، خصوصاً في ظل غياب أي جمعية تُعنى بهؤلاء الأشخاص وبتعليمهم ودمجهم في المجتمع، والوالد كمثال حي عن الأب المسؤول راح يجمع كل المعلومات الضرورية عن التوحّد التي احتاجها في تربية ابنه، وذلك بمجهود شخصي شمل البحث على الإنترنت وحضور المؤتمرات العالمية حول هذا الموضوع.

بعد ان التحق علي بالجمعية التي اتّخذت من مدرسة  <ليسيه عبد القادر> التابعة لـ<مؤسسة الحريري> أوّل مركز لها، ثم انتقلت في العام 2007 إلى <مدرسة القلب الأقدس> في الجميزة، راح يشارك في جميع أنشطتها وخصوصاً الفنية منها لتكتشف نقيبة <محترفي الفنون التخطيطية والمصورة في لبنان> ريتا مكرزل موهبته بعد اطّلاعها على عمله خلال نشاط للجمعية، وكان عمره حينذاك 15 سنة. بدأت <شركة ألفا> بتقديم مواد رسم له بقيمة لا تقل عن 10 آلاف دولار في السنة، في حين تولّت مكرزل تعليمه وتنمية موهبته.

علي… والرسالة

 

مع النقيبة ريتا مكرزل كانت جولة في معرض علي ولـ<الافكار> شرحت:

– يضم المعرض الحالي 19 لوحة لبيوت تراثية لبنانية، بينها تسع لوحات عن ارزات لبنانيات. البيوت رسمها علي بالقرميد الاحمر والقناطر والحواجز الحديدية (الدرابزين) فنقل الاسلوب اللبناني القديم في البناء. اما الارزات، فتجدونها تزهو في معرضه وقد نقلها عن صور شكّلت له مرجعاً فكانت النتيجة رائعة، جمالها ملموس وأسلوبها جديد وقد اعتمدت فيها تقنية التنقيط الذي يتقنه علي ويأخذه المشاهد بعين الاعتبار، والمتوحد الفنان يبرع بتقنية التنقيط عادةً. وقد نقل علي الى لوحته البيوت بعدد حجارتها تماماً وادهش الناظر اليها. كذلك فقد بات معروفا عنه امتلاكه لمروحة رائعة من الألوان الفرحة الزاهية.

وحول مدة العمل على المعرض تؤكد مكرزل انه استغرق سنة كاملة، لكن التركيز الاكبر كان في الاشهر الاربعة الاخيرة حيث جاء <الرص> في كل يوم منذ السابعة والنصف صباحاً حتى الرابعة من بعد الظهر، وذلك للتقدم والتطور الفنيين.

يشكّل نجاح علي الذي كرّمته سابقاً وزارة الثقافة اللبنانية بالنسبة لمكرزل ولـ<الجمعية اللبنانية للتوحد> فرحاً واملاً كبيرين للعائلات التي توجد فيها حالات مصابين بالتوحد، ومن خلال علي هناك رسالة اود تمريرها تقول مكرزل. فأية عائلة تعاني من ولادة لأحد افرادها وهو يعاني <فرقا> ولا اقول مرضاً كالتوحد او غيره، ما عليها سوى ان تمده بالاهتمام العاطفي وتكتشف الميول التي لديه لتطويرها، وهذه لا بد أن تكون موجودة في مكان ما. فليس مقبولاً ان يعطى اخ دروساً في عزف البيانو مثلاً ويحرم منها الولد <المختلف> واسمع البعض يقول: <وما الفائدة من ذلك؟>، وانا اجيبهم: <الفائدة اكبر مما تتصورون وقد تتفتح الموهبة وتدهشكم كما هي حالة علي في الرسم مثلاً>. ففي اكتشاف الميل، مهما كان نوعه، افادة علاجية كبيرة ذلك ان <العلاج بالفن Art Therapy> له قدرة مهمة على تطوير الحالة ايجاباً، وها هو علي خرج من توحده ولا اقول انتهى منه تماماً الا اننا اصبحنا اليوم، بعد سبع سنوات في نقلة نوعية، في مرحلة اخرى مختلفة تماما عن تلك التي كان فيها يسمع اصواتاً غير موجودة مثلاً. لقد بلغ مرحلة الرسم المباشر تحت انظار جمع من الناس بثقة واحتراف وقد اقام اكثر من معرض فردي كان مشهود له فيها….

 فلسفة حياة

1

لا يمكنكم تصور دهشة علي وفرحته مع ثلاثمئة شخص تحلقوا حوله واتوا لزيارة معرضه يوم الافتتاح، وتحدث اليهم شارحاً له عن لوحاته في حين ان تواصله كان مفقوداً تماماً مع الناس قبل سنوات.

لا تنفي مكرزل ان للتوحد درجات تترواح من الخفيف الى المتوسط ومن ثم المتقدم، وحالة علي تعتبر من النوع الخفيف، لكن الوعي لكيفية التعامل مع هذه الحالات يبقى العامل الاول لمساعدتها.

ولما نسألها عن القدرة الهائلة وذاك الينبوع السحري الذي تستمد منه ريتا طاقتها في العمل مع الحالات المختلفة وهي تتطلب الكثير من الجلد والجهد والمعرفة تقول:

– استمدها من الخالق، ومن ايماني بمبدأ تكافؤ الفرص للجميع. يجب ان تتساوى الفرص والحظوظ للناس جميعهم بشكل متواز، اكان في التوحد او في حالات اخرى اعمل عليها انا ايضا، بينها الضريرون او الصم فهؤلاء يختلفون لكن عقولهم كاملة ويجب ان نجرؤ معهم ونتوجه اليهم. انها حالات موجودة في المجتمع ولديها طاقات قد تدهشنا ونستفيد منها، وقد اثبتت التجارب ان الاشخاص ذوي الصعوبات الخاصة هم مواطنون فاعلون ويجب اندماجهم في المجتمع وان يتأمن الدعم اللازم لهم.

وتضيف مكرزل:

– انا ايضاً اتعلم من خلالهم واستفيد من امور كثيرة، ومن يعمل مع حالات مشابهة تضحي له فلسفته الخاصة في الحياة، وكأبسط مثال اعطيه، لا يعود يهتم لزحمة السير مثلا ولا لأمور يجدها تافهة بالنسبة الى غيرها. لقد درست الفن و<الغرافيسم> في بلجيكا واعلّم تقنياته في مختلف جامعات لبنان، وصدقوني انني اعمل مع علي في الرسم كما اعمل مع تلاميذ <الالبا> او <الجامعة الاميركية> او <اللبنانية – الاميركية>، وأنمي موهبته كما مع اي طالب آخر.

بالنسبة لاختيار عناوين المعارض عاماً بعد عام، بينها عنوان هذا العام حول البيوت التراثية تؤكد مكرزل انها من يحدد الموضوع والذي يتناسب وقدرات علي، فهو لا يتعب مثلا من تنقيط اللوحة وهنا تكمن قدرته، اي في هذا النفس الطويل لأن المتوحد لا يسأم من التكرار واستخدامه، وقد حوّلنا هذه القدرة التي يعتقدها البعض سلبية الى قدرة فنية ايجابية… لا نضع في مفهومنا تغييب حالته او ما يعاني منه والتغاضي عنها بل على العكس ننطلق منها لتحويلها الى طاقة وقدرة. كل الرسامين الانطباعيين يستخدمون التنقيط، فاين المشكلة ان كرر علي الحركة الفنية؟

ونسأل مكرزل:

ــ هل لامثال علي القدرة على رسم ما هو تعبيري او تجريدي مثلا؟

– لم نجرب بعد تقول مكرزل. يفترض بعلي تقديم الكثير من الرسم الواقعي بعد لبلوغ مرحلة الرسم التجريدي لكنني اعدك انني سأحاول فأعطيه ورقة بيضاء اطلب منه فيها رسم ما يخطر بباله وسأطلعك على النتيجة. الفكرة جيدة وان كانت النتيجة مرضية نكون قد قطعنا اشواطاً… حققنا حلماً…

تؤكد مكرزل انه يمكن لعلي الذي سبق وشارك في معارض خارج لبنان، في فرنسا مثلاً، ان يشارك في اخرى خارج الحدود اللبنانية وسيعلن عنها في حينها لأن الطلب عليه بات جيداً، وهو يعتبر سفير <الجمعية اللبنانية للتوحد>… البارحة مرت عائلة الى جناحه في <بيروت ارت فير> ليشتروا لوحات جديدة له غير تلك التي اقتنتها العائلة منذ اربع سنوات، ويرفض الاولاد فيها ان تنقل اللوحات الى اي مكان آخر في البيت فهي ترتع بجانب صور عرس الزوجين ويطالبون بالمزيد منها، ما يظهر ان لعلي مسيرة فنية ومعجبين يتابعونه ويطالبونه بالمزيد، وعندما تشرى لوحاته فإن هذه تكون الجائزة الاكبر له ولنا.

فنانون كثيرون يشجعون علي. <السوبر ستار> راغب علامة هو احد معجبيه ويشجعه على الدوام، ويفرح علي جدا لما يمر هؤلاء به، وهو يعرفهم ويحبهم. أما محطته مع <بيروت آرت فير> فستبقى سنوية، وهي محطة اساسية لأنه بذلك يعرض الى جانب كبار الرسامين والحضور يتابع انتاجه وتطوره عاما بعد عام…