24 October,2017

عــون يبـدأ تحركـاً ديبلـومـاسيـاً واسعــاً يـمـهّد لخطــة عـمــل تعيد النازحين السوريين غير المسيسين الى بلادهم تدريجاً!

 

aoun-macron---1تشهد بداية الأسبوع المقبل، بداية تحرّك رئاسي لبناني في اتجاه إطلاق مسيرة العمل الجدي لإعادة النازحين السوريين تدريجاً الى بلادهم، بعد تأمين المناخات الدولية المؤاتية لدعم مثل هذه الخطوة التي مهّد لها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خلال زيارتيه الأخيرتين لنيويورك وباريس حيث لقيت مواقفه في ما خص قضية النازحين <تفهّماً> لدى الأمين العام للأمم المتحدة <انطونيو غوتيريس>، ثم لدى الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون>، ما شجّع الرئيس عون على المضي في تحرّكه الديبلوماسي الذي يعتبره أساسياً لفهم الموقف الرئاسي اللبناني من هذه المسألة التي لا تزال موضع خلاف داخلي حتى بين الشركاء في الحكومة أولاً، والحلفاء في مجلس النواب ثانياً، ناهيك عن الأطراف الآخرين غير الممثلين في الحكومة والمجلس معاً!

ولأن الرئيس عون يدرك دقة مقاربة ملف النازحين السوريين، فهو قرر عدم <إحراج> رئيس الحكومة الرئيس سعد الحريري ولا الفريق الذي يؤثر عدم مقاربة هذا الملف، فقرّر أن يتحرّك ديبلوماسياً من موقعه الرئاسي وانطلاقاً من قسمه الدستوري لأنه بات يستشعر مخاطر استمرار هذا الوضع على ما هو عليه وانعكاساته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، وذلك من خلال الدول الدائمة العضوية في <مجلس الأمن> و<الاتحاد الأوروبي> و<جامعة الدول العربية> و<الأمم المتحدة> لتهيئة الأجواء أمام الطرح الرئاسي الذي لا ينطلق من اعتبارات شخصية أو شعبوية وليس مادة للاستهلاك السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في أيار/ مايو المقبل.

والحراك الرئاسي الديبلوماسي لن يبقى من دون متابعة لأن الرئاسة اللبنانية أنجزت ملفاً كاملاً حول النازحين فيه كل الشروحات المطلوبة كي تتفهّم الدول الكبرى ولاسيما تلك التي تملك قوة القرار، الأسباب التي تدفع الرئيس اللبناني الى رفع صوته بعدما بلغ عدد النازحين السوريين مليوناً و750 ألف نازح، يضاف إليهم نحو 500 ألف لاجئ فلسطيني، يشكّل مجموعهم نصف عدد سكان لبنان البالغ زهاء 4 ملايين نسمة. وهذه المسألة بالذات أضاء عليها الرئيس عون خلال لقاءاته في نيويورك وباريس، من دون أن يغيّب في شروحاته أهمية التواصل مع السوريين لمعالجة هذا الملف حيث أكد أن الاتصالات قائمة مع دمشق لإيجاد حلول وآليات تؤمن عودة مجموعات النازحين تباعاً الى أراضيهم، خصوصاً في المناطق التي استعادت قوات النظام السيطرة عليها مباشرة أو عبر الحلفاء، والتي قدّرتها القيادة العسكرية الروسية بـ85 بالمئة من مجمل الأراضي السورية.

 

مقوّمات خطة بعبدا

وكشفت مصادر مطلعة لـ<الأفكار> أن الخطة التي تعمل الدوائر الرئاسية على رسمها هي متكاملة وتتضمن بداية عودة النازحين السوريين، بعد توزيعهم على تصنيفين: الأول يتناول النازحين السياسيين أي الذين تركوا الأراضي السورية نتيجة الخلاف مع النظام السوري، وهؤلاء لن يكونوا في عداد العائدين في المرحلة الراهنة الى حين تحقيق الحل السياسي واستكمال المصالحات التي بدأت منذ أشهر. والثاني يتناول النازحين لأسباب اقتصادية أي الذين يعملون في لبنان ويستفيدون في آن من تقديمات المنظمات الدولية العينية والإنسانية، لاسيما وأن حركة العبور بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية تسجل نشاطاً في صفوف هؤلاء ذهاباً وإياباً الى سوريا لاسيما خلال عطل الأعياد أو نهاية الأسبوع. وفي هذا الإطار، أكد مصدر رسمي أن مجموعات من النازحين تذهب أسبوعياً الى سوريا حيث تمارس عملها وتعود مع نهاية الأسبوع للاستفادة من المساعدات العينية التي تقدمها المنظمات الدولية، وغالباً ما يقوم هؤلاء النازحين ببيع هذه المساعدات ويعودون ثانية الى سوريا، ويتكرر المشهد شهرياً وأحياناً أسبوعياً.

وفي الاقتراح اللبناني أن يصار الى تأمين عودة النازحين للأسباب الاقتصادية الى سوريا بالتنسيق مع المنظمات الدولية المعنية والنظام السوري، خصوصاً وأنه اتضح أن أعداداً كبيرة من هؤلاء النازحين تقيم في مناطق آمنة أو استعادتها الدولة السورية من سيطرة التنظيمات الإرهابية.

ويؤكد المصدر الرسمي نفسه أن الرئيس عون ليس في وارد الضغط لعودة النازحين لأسباب سياسية ما لم تتحقق المصالحات التي تتم تباعاً بين النظام السوري والمجموعات السياسية التي شاركت في القتال ضده، بدليل أن الذين أُخرجوا من لبنان مؤخراً بعد تحرير الجرود الشرقية انقسموا الى قسمين: فريق التحق بما تبقى من أراضٍ يسيطر عليها تنظيم <داعش>، وفريق دخل الى مناطق تحت إشراف النظام السوري بعد مصالحات تمت مع المسؤولين المحليين في هذه المناطق. وإذا كان الرئيس عون ومعه الحكومة، أكدا مراراً بأن لا قبول بتوطين النازحين السوريين أو غيرهم من اللاجئين الفلسطينيين، كما ألمح الى ذلك الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> في خطابه أمام <الجمعية العامة للأمم المتحدة>، فإن لبنان يستعد لتوجيه مراسلة موثقة الى الامم المتحدة ودول القرار يؤكد فيها انه غير ملزم بتطبيق <اتفاقية جنيف> الخاصة باللاجئين لأنها تتعارض في بعض نصوصها مع الدستور اللبناني ومقدمته الميثاقية، وهو غير موقع عليها، إضافة الى أن لبنان ليس <بلد لجوء> ولا يمكنه منح اللاجئين حقوقهم الطبيعية كافة، ولاسيما البند الذي ينص على أنه <لا يجوز للدولة الموقعة على الاتفاقية أن تطرد لاجئاً أو ترده بأي صورة من الصور الى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته فيها مهددتين بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه الى فئة اجتماعية معينة أو بسبب ارائه السياسية>. وفي هذا السياق، يؤكد المصدر الرسمي أن لبنان لم يلجأ ولا مرة الى ممارسة حق الطرد أو الإبعاد، إلا إذا ارتكب اللاجئ أو النازح جرائم أو تورط في اعتداءات تستهدف أمن الدولة والاستقرار العام. والدليل على ذلك أن الفلسطينيين الذين مضى على وجودهم <المؤقت> في لبنان أكثر من 69 عاماً لم يتعرضوا لأي تدبير إبعادي الى ديارهم الأصلية لأن لا إمكانية لعودتهم من جهة، إضافة الى أن سلامتهم قد تكون بخطر إن هم عادوا الى أراضٍ تحتلها اسرائيل من جهة ثانية، أو حتى الى الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، ما لم يرغب العائدون هم بذلك.

وشدد المصدر على أن الاستراتيجية التي يعتمدها رئيس الجمهورية في طرحه لموضوع النازحين تقوم على التمييز بين <النازح> و<اللاجئ> لاسيما وأن ظروف النازحين السوريين تختلف عن ظروف اللاجئين الفلسطينيين، كما تختلف أسباب نزوح أو لجوء السوريين عن تلك التي تسببت بلجوء الفلسطينيين.

 

أرقام مقلقة!

إلا أن الوجه الآخر للأسباب التي دفعت الرئيس عون الى المطالبة بحل سريع لوضع النازحين السوريين، فقد عرضه رئيس الجمهورية أمام مجلس الوزراء في الجلسة التي انعقدت في قصر بعبدا، وذلك من خلال تقريرين موثقين: الأول يتناول النزلاء السوريين في السجون اللبنانية والجرائم التي ارتكبوها، والثاني يعرض لأبرز تداعيات وجود النازحين على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والمهنية في البلاد.

وتظهر الأرقام الواردة في التقرير الأول ان عدد السوريين الذين كانوا في السجون اللبنانية بلغ في العام 2011 ما مجموعه 446 سجيناً بجرائم مختلفة تراوح بين السرقة والتزوير والدخول خلسة ونقل أسلحة وترويج مخدرات. ومع بداية الأحداث في سوريا، صار العدد يرتفع فوصل في العام 2012 الى 895 سجيناً سورياً  بينهم 325 ينتمون إلى منظمات ارهابية او خلايا نائمة، وبلغ العدد في العام 2013 نحو 1159 سجيناً في جرائم مماثلة بينهم 56 سجيناً ارتكبوا جرائم القتل المتعمّد. أما في العام 2014 فارتفع العدد بشكل قياسي إذ بلغ 2046 سجيناً بينهم من ينتمي الى تنظيمات ارهابية، ثم تراجع العدد في العام 2015 الى 1471 بعد الإفراج عن عدد من السجناء لانتهاء مدة محكوميتهم أو ترحيلهم الى دول أخرى، ليعود فيرتفع الى 1778 سجيناً في العام 2016 بينهم 316 سجيناً ينتمون الى منظمات إرهابية. ويشير التقريـــــر الى أن عــــدد السجناء السوريين بلغ حتى 31 آب/ أغسطس الماضي 1004 سجناء، والعدد الى ارتفاع…

السوريون 40 بالمئة من مجموع اللبنانيين!

أما التقرير الثاني فأورد سلسلة أرقام أبرزها أن عدد النازحين السوريين أصبح 40 بالمئة من عديد الشعب اللبناني من دون احتساب الولادات، وان أزمة البطالة في لبنان ارتفعت من 11 بالمئة الى 30 بالمئة بينها نسبة 35 بالمئة في صفوف الشباب نتيجة استيلاء نازحين سوريين على فرص العمل التي كانت متوافرة للبنانيين، خصوصاً أن عدد العاملين السوريين الذين تفوق أعمارهم الـ15 سنة أي الذين هم في سن العمل بلغ 930 ألف سوري أي ما نسبته 62 بالمئة من النازحين، بينهم 350 ألف عامل في قطاع البناء والبنى التحتية، و404 آلاف في قطاع الزراعة. ويلفت التقرير الى أن ثمة نازحين سوريين يعملون في مهن يحظر القانون اللبناني عمل غير اللبنانيين فيها إلا بموجب إجازات عمل، مثل الأطباء والمهندسين والمساحين وغيرهم… ويورد التقرير أيضاً أن مجموعات من السوريين فتحوا مطاعم ومقاهي، منها في البقاع فقط 380 مطعماً لسوريين. وقد بلغت التكلفة المالية لتداعيات الازمة السورية على الخدمات العامة من إنفاق صحي وتعليمي وما شابه 650 مليون دولار، في حين بلغت فاتورة الكهرباء للنازحين السوريين نحو 100 مليون دولار، فيما يشتري لبنان شهرياً من سوريا كهرباء بقيمة 35 مليون دولار، ويستهلك السوريون حوالى 600 ميغاوات من الطاقة الكهربائية المنتجة.

ويتحدث التقرير عن الانعكاسات على الوضع الاقتصادي ككل، فيشير الى تراجع القطاع العقاري والبناء بنحو 30 بالمئة، وكذلك تراجع السياحة البرية التي كانت تؤمن نحو 500 ألف سائح فانخفض العدد الى الصفر، كما ارتفع عجز المالية العامة من 5,7 بالمئة من الناتج المحلي الى أكثر من 8 بالمئة، وتحول ميزان المدفوعات من فائض بقيمة 3,3 مليارات دولار الى عجز يقارب الـ5,1 مليارات دولار، ويحتاج لبنان سنوياً الى 35 فرصة عمل لا يتوافر منها سوى 12 ألفاً في أحسن الأحوال ينافس السوريون اللبنانيين على معظمها… ويشير التقرير الى انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو 45 بالمئة، كما تراجع النمو من 9 بالمئة الى صفر، وارتفعت نسبة اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر الى 32 بالمئة أي مليون و280 ألف لبناني ويوجد 60 بالمئة من هؤلاء في المناطق ذات الكثافة الاسلامية مثل منطقة عكار والبقاع الشمالي.

وأشارت مصادر مطلعة الى أن مضمون التقريرين سيصل الى ممثلي الدول الكبرى والمسؤولين في السفارات العربية والأجنبية والبعثات الدولية في لبنان، لتفهّم حقيقة الأسباب التي تدفع الرئيس عون الى التمسك بإعادة مجموعات من السوريين – ولو على دفعات – الى بلادهم بعد زوال أسباب نزوحهم!