21 April,2018

عــوالـــــم مـخـتـلفـــــة تــتـقـاسـمـهــــــا الــريــشــــة يميزهــــــا الابـــــداع، وهـمـهـــــــا الاول الانـســـــــان!

بقلم عبير انطون

3

ثلاث فنانات لبنانيات، رسامات من أعمار وخلفيات وتجارب متنوعة، القاسم المشترك بينهن، بشهادة الكثيرين من أهل المجال، ضربة ريشة مميزة. في عالم كل منهن دخلنا، فكان لـ<الأفكار> لقاء مع كل من الفنانات التشكيليات دايزي أبي جابر، تغريد درغوث وعفاف زريق، وكان غوص في البدايات والسيرة والاعماق والتطلعات…

 

دايزي ابي جابر: الفن للجميع!

درست في <الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة> – ( الألبا ) حيث نلت شهادتي، تقول دايزي، ومن بعدها سافرت الى باريس وانتسبت الى <كلية الفنون الجميلة> فنلت شهادتي منها واكتسبت خبرة أكاديمية وفنية من خلال دورات وورش عمل عديدة، كما أتقنت في باريس فن الليتوغرافيا، وهو فن الطبع على الحجر وتقنية تمليسه للرسم عليه، وتعمقت في فالنسيا في ايطاليا  بتقنية فنية صعبة نراها في الكثير من المناطق والكنائس الايطالية وتعود الى العصور الوسطى.

وأضافت:

 – لما عدت الى لبنان درّست تاريخ الفنون لمدة سبع سنوات في <الألبا> التي تخرجت منها. تزوجت وتغير نمط حياتي، وصودف أن تزامن ذلك مع فكرة <الجامعة للجميع> التي أطلقتها الجامعة اليسوعية ومن بينها محترف الرسم، وهو ليس لطالبي الاختصاص إنما لهواة الرسم والفنون وهم من ميادين عمل ومجالات مختلفة. اكتشفت ان العمل معهم ممتع لانهم لا يعملون بالضغط الذي يرزح تحته طلاب الفنون، فهم لا يخشون من التجريب ولديهم جرأة كبيرة، والرسم بالنسبة لهم متنفس وعلاج حيث ان مختلف الاعمار تجدونها في هذا الصف، وهو لمرة واحدة في الأسبوع. المنتسبون يرسمون من دون قيود أو بهدف الاحتراف وينمّون في بعض منهم عن مواهب كبيرة حتى انهم يثيرون تعجبي بحيث انهم لا يفتشون عن انماط تشبه اخرى سابقة لتقليدها فتأتي رسوماتهم خلاقة و<اوريجينال>.

ــ ألم تفكري بالبقاء خارج لبنان في إحدى العواصم الفنية التي درست فيها؟

– بلى، تجيب أبي جابر إلا أن ظروفاً عائلية اضطرتني للعودة علما انني لم انقطع يوما عن الخارج وعرضت في غاليريهات وصالونات مع رسامين معروفين بينها Salon de Comparaison، و<صالون <ماك 2000>، وعرضت في مارسيليا وفي باريس، كما دعينا زوجي جورج مرعب الرسام وانا إلى اكثر من معرض في الخارج بينها معرض في عمان، أما هنا في لبنان فكانت لي معارض في غاليريهات عدة بينها <ألوان>، ومارك هاشم و<روشان> و<أجيال> كما في <معرض آرت فير> بإدارة <لور دوتفيل>.

 ــ وماذا عن تسويق اللوحات وبيعها؟

هنا تعترف دايزي قائلة:

– نحن من جيلٍ نعرف أن نعمل لكن لا نعرف أن نسوق للوحاتنا.

ونسألها: لقد بات التسويق مادةً تدرس في الجامعات الفنية، هل هذا ضروري برأيك؟

– بالتأكيد تجيب الفنانة التشكيلية، والدليل أننا نجد صعوبةً أكثر من غيرنا لاننا لم نعتد عليه.

ــ لم تحص دايزي يوماً كم لوحة رسمت؟

– <ولا مرة عديت… ..ما بعرف>. أرسم حين أشعر بأنني أريد ذلك وبشكلٍ <Instinctif> <غريزي>.

SAM_4295ــ هل هذا يعني أنك لا ترسمين بناءً إلى طلب؟

– بلى تجيب، قد اهادن في المقاييس، واعمل وفق الموضوع المطلوب مني بخطه العريض، شرط حريتي التامة في تجسيده، ووفقا لرؤيتي.

وحول أسعار اللوحات وهل ارتفاع ثمنها مبرر تؤكد دايزي أن أسعار هذه في لبنان عشوائية ولا تحكمها مقاييس معينة وتتداخل فيها عناصر عدة. من ناحيتها فان أسعار لوحاتها قد يبلغ متوسطها أربعة آلاف دولار للوحة <متر بمتر> وتختلف بحسب الحجم وغيرها من العوامل. اما السوق اللبنانية فهي صغيرة وليست قوية كفاية، وبعض السيدات مثلا قد يفضلن شراء حقيبة على شراء لوحة.

نقد وعلاقات

وننتقل مع ابي جابر للحديث عن النقد الفني وعن الاختلاف مثلا بين ناقدٍ أوروبي وناقد لبناني فتجيب:

– لقد عملت في مجال النقد الفني وتغطية المعارض الفنية إذ كنت مسؤولة عن الصفحة الثقافية في احدى المجلات المعروفة وأعرف كيف تجري الأمور، والتي تدخل من ضمنها وبشكلٍ كبير العلاقات العامة، ما يشعر الناقد الفني بأنه يفقد من صدقيته، ولو كان نقده بناءً ولصالح الفنان ذاته. كذلك يمكن للنقد أن يأخذ حجماً أكبر مما يقصده الفنان نفسه، وهنا عودة من جديد الى <بيكاسو>: فالجميع يعرف عن الحقبة الزرقاء <Periode Bleue> التي تميز بها، وقد سال الكثير من الحبر ووضعت الكتب والمؤلفات حول هذه الحقبة وطغيان اللون الأزرق ومعانيه في حين أن <بيكاسو> حينذاك كان لديه <ستوك> من اللون الأزرق واراد الانتهاء منه.

ــ ماذا عن المواهب الجديدة ومن يمكنك أن تسمي بينها بهدف التشجيع؟

– منذ مدة وأنا لا أتابع لأن هناك تضخماً كبيراً في عدد الصور التي تصلنا من كل حدب وصوب، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى بت أتساءل: هل هناك ابداع فعلاً وهل هناك تحف فنية فيها الجديد اللافت؟ لم يعد هناك ما يجذب النظر إلا في ما ندر.

وعن الفنانين الذين تأثرت بهم عالمياً ولبنانياً تشير أبي جابر إلى <باستيان> في فن الرسم و<جون ميرو> الإسباني في فن النحت، كما تشير الى <فيرمير> و<جورج دولاتور>. اما لبنانيا فتميز الرسام صليبا الدويهي في حقبته <النيويوركية> بشكلٍ خاص فضلاً عن إيفات أشقر وبول غاراغوسيان أستاذها وإيلي كنعان. أما من رسامي جيلها فتسمي شارل خوري، يوسف عون، أيمن بعلبكي في بعض لوحاته وبشكل أكيد اعمال زوجها جورج مرعب.

– وننتقل الى المعارض: هل تفضلينها فردية أم جماعية؟

– <Ca Ne Me Derange Pas>  ترد دايزي قاصدةً بذلك المعارض الجماعية التي تفتح الآفاق على الكثير من العلاقات والتفاعل ما بين الرسامين مع اهمية المعارض الفردية طبعا.

وبالعودة إلى تاريخ الفنون الذي درسته في جامعة <الألبا> نسأل الأستاذة:

4– هل من بين عظماء هذا التاريخ أسماء لبنانية تدرَس؟

– لا مدارس لبنانية في الرسم تقول دايزي ولا يمكننا العودة تاريخياً إلى زمن بعيد، لكن بالطبع تدخل أسماء كقيصر الجميل مثلا وهناك عدد من المشرقيين كانوا رائدين في الخط العربي.

وننتقل مع الرسامة التشكيلية في رحلةٍ افتراضية إلى باريس ومتحف اللوفر تحديداً طالبين منها اختيار لوحة تعتبرها الأجمل بالنسبة لها، فتشير إلى جميع لوحات <جورج دولاتور> و<فيرمير> اللذين يأخذانها إلى عالمٍ آخر… <بوقفوا القلب> تقول.

دايزي الأم لأولاد يمتلكون دقة الملاحظة وعنصر الإبداع والخلق تؤكد ان الرسم في دمهم وهم دقيقو الملاحظة لكنها توصيهم دائماً: <عملوا كل شي إلا الرسم واتخذوه هوايةً فقط>.

المعرض الاخير لأبي جابر كان عن <التوتيم> وقد استلهمت فيه افكارا جسدتها بشكل جميل فاعتبرت البنايات الشاهقة والاشخاص ذوي الوشوم على اجسادهم و<الايموجي> على الهواتف جميعها تدخل في هذه الخانة. اما حاليا، فهي تعمل على لوحات من وحي أجواء المطاعم وسبق أن زينت لوحاتها مطعم <Chorus> غير مبتعدة بذلك كثيراً عن مشروعها للتخرج حيث عملت على أجواء المقاهي برسم تجريدي جميل.

 

تغريد درغوث… السبعة!

 

 بعد دايزي أبي جابر كانت المحطة التالية لقطارنا الفني مع الرسامة تغريد درغوث.

للوصول الى محترفها في آخر شارع مار مخايل العريق، درج طويل في بناية يلفها اللون الزهري ويلتف في داخلها درج حلزوني لا ينتهي. تفتح تغريد الباب الخشبي ومعها ندخل الى عالمها. اللوحات هنا وهنالك وتكفي لاكثر من معرض. استرعت انتباهنا لوحة كبيرة مرسوم في قلبها قطعة من اللحمة تنزف لونا أحمر.

سألناها بداية:

ــ موضوع اللحمة كيف خطر ببالك لتجسيده في أكثر من لوحة؟

– الموضوع ليس جديداً ولا هو ابتكار حديث. سبق وعمل عليه أكثر من فنان بينهم <رامبرانت هرمنسزون> بشكل فني رائع. فكرت بموضوع جديد للوحاتي واردت ان يكون مرتبطا بما يجري في المنطقة وموقفنا حياله. عادة اتحايل على الموضوع، بإعطاء شكل عنيف لموضوع بتنا معتادين عليه يوميا ولا نستوعب مدى توحشه. ما اقوم به من خلال لوحتي هو ان اضيء على امر بات لدينا عادياً في حين لا يفترض به ان يكون كذلك. في السياق عينه كانت لوحاتي عن عمليات التجميل التي تنهك سيداتنا ويعشن تحت ضغطها، وفي السياق ذاته أيضا كانت رسوماتي عن العاملات في المنازل، اذ، وكتحصيل حاصل، نعامل الخادمة الموجودة في المنزل كخادمة في حين انها بديل عن الأم، وهذا برأيي امر مقزز فنتقبل الفكرة ونعيشها من دون نقد او تقييم.

وتعود تغريد للوحتها بعد تأمل قائلة:

– أضيىء على العنف الموجود في المنطقة من خلال اللحمة. لا اعرف عدد اللوحات الذي سيكون. اعمل لحين شعوري بالامتلاء من الموضوع وبأنني أشبعته رسما، وانتهي حالما أشعر بان اللوحة باتت ترضيني شخصيا من دون ان المس فيها اي مكان ضعيف او ركيك. الجانب الفني يجب ان يكون ممسوكا بشكل جيد جدا ليكون جاهزا. وبقدر ما التقط موضوعي وريشتي بسرعة تراني انجز، واذا لم اكن راضية اتوقف، آخذ نفساً واعمل على موضوع آخر. ضغط الوقت لا وجود له في قاموسي علما انني انزل الى محترفي وارسم يوميا.

5 ونسأل ذات العينين الخضراوين:

ــ هل تأخذين بالاعتبار ما قد يجذب <الغاليريهات> وروادها للعرض وما قد لا يجذبهم ام لا يعنيك ذلك؟ فالتعبير لك بالنهاية؟

– انا اقوم بعملي، هذا ما بدأت به. لكن من حسن حظي انني اتعامل مع صالح بركات وهو صاحب غاليري يفهم فني ويقدره. ولا مرة قال لي هذا ينفع وهذا لا، وكأن بيننا اتفاق ضمني بان ما اراه مناسبا فإنه سيعرض. طبعا قد يسألني مثلا: هذه اللحمة في اللوحة كيف ستسوق؟ من يمكن ان يشتريها ويضعها في منزله؟ لكنه في الوقت عينه يثق بان ما اقدمه عمل ذكي وفيه جمالية فنية مشغولة بشكل دقيق ومحترف بغض النظر ان احبت الناس ان تدخله بيتها ام لا. يغامر معي في ذلك وهذا مفيد لي جدا، فلا احمل هم ذلك.

ــ وماذا عن أشجار الزيتون المزروعة لوحاتها في ارجاء <الغاليري>، وما الذي قصدته بها؟

– شجرة الزيتون آخر مشروع اعمل عليه. الفكرة الاساسية انطلقت من شجر الزيتون التي يقطعها المستعمرون الاسرائيليون. اردت الدلالة على التدمير الممنهج للشجرة باوقات <السلم> بين مزدوجين. فحين لا تكون هناك انتفاضة او معارك بين الجانبين، تلجأ القوات الاسرائيلية الى قطع الشجر والاستيلاء على الاراضي بطريقة ممنهجة، وهذا جزء من العنف الذي يمارس. انه كموضوع اللحمة الذي تحدثنا عنه. وهذا الموضوع يمكن ان يدل ولو بعد ثلاثين عاما ان اهل هذه الارض كانوا موجودين ويحق لهم ان يبقوا في هذا المكان. اقول ذلك بلوحتي، وانا مباشرة في مواضيعي بحيث لا <يتحزر> من يراها عما تتحدث لكن فيها ضربة ريشتي وحساسيتها، الواني ورؤيتي.

ــ ماذا عن بيروت التي تعيشين في قلبها وفي شارع فيه الكثير من الفن والتراث؟ هل تعتبر وجهة فنية من حيث الرسم واقتناء اللوحات؟

– بيروت ناشطة جداً، تؤكد تغريد وهي الى ازدياد، وتبرهن عن ذلك كمية الفنانين والغاليريهات والمعارض والمؤسسات والمتاحف الفنية وجميعها الى تزايد، وهي ليست فورة مزيفة، ولا عوامل خلفها من النفط والبترول او المال انما اهتمام الناس المتزايد بهذا المجال. منهم من يرون فيه استثمارا فلا يشترون العمل الفني لحبهم له فقط، لكنهم بذلك انما يفتحون المجال لآخرين. وتسمي تغريد بين اخرى <معرض بيروت آرت فير> الذي يساهم في هذه الفورة، وقد علمت انه اذ استقطب في موسمه السابع لهذا العام حوالى الخمسين الف زائر.

17 عاماً

وعن تطوير نفسها بعد 17 عاما مع الريشة واللون تقول تغريد:

– عيني تعمل بشكل دائم، حساسيتي فيها عالية. كما أختبر نفسي واطورها، فضلا عن قراءاتي وابحاثي الفكرية والشعرية والتاريخية، كذلك هناك فنانون اتابع عملهم ويؤدي التفاعل والتبادل والاختمار الى تشكيل البصمة الخاصة.

ــ ماذا عن بصمتك الخاصة؟

 – لا يمكن ان احددها بنفسي. لا استطيع ان ارسم واقول ما يميزني فالعب الدورين معا. هناك بالتأكيد خط أسير به. اعتـبر اننـــي اســـــير ببــــــطء لكننـــــي سأصــــــل واشعـــــــر بالافضل الآتي دائما.

ــ كيف تخرجين من جو الالوان والصور واللوحات؟

– لا اخرج من جوي. اغمض عيني فترتسم أمامي اللوحة التي اعمل عليها. اضطررت فترة للتوقف بسبب ديسك في رقبتي وكانت اسوأ سنة في حياتي. كنت استمر احيانا لساعات ست في الرسم من دون ان ارتاح أو اقوم بالرياضة. غيرت نمط حياتي. امشي صباحا واقوم باليوغا مساءً وارتاح لوقت قليل. لا اتعب! قد انسحب لبعض الوقت حتى اعود وادخل بحماسة أكبر، وقد يستمر هذا الانسحاب لثلاثة ايام على الأكثر واحيانا اسافر لأسبوع.

ــ هل سبق ورسمت نفسك وانت صبية جميلة؟

– لا.

IMG_6915ــ تحدثت عن فورة فنية في بيروت، من تتابعين؟

– الجميع. لا استطيع ان احدد. في كل فنان جانب يجذبني والتجارب مختلفة الا ان شغفي يحملني على متابعة ما هو في مجال الرسم اكثر من غيره.

ــ اراك سعيدة بهذا المحترف، ما الذي تشعرينه فيه؟

– دخلته منذ سنة وعدة أشهر عندما انتقلت للعيش هنا عند منطقة مار مخايل. انا من صيدا وأعيش في بيروت منذ ايام الجامعة في العام 1997. اغرمت بهذا الفضاء الجميل الخاص بي وحدي. قبلا كنت اتشارك مع فنانين آخرين، والذبذبات الايجابية في هذه المنطقة تطفو على الجو…  كمية الشجر، وجيراني الأرمن الطيبون والمبنى.

ــ ونسأل تغريد التي عرضت في الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا ودبي وبيروت وغيرها، فضلا عن مجموعتها الدائمة في غاليري صالح بركات. ايهما تفضل المعارض الفردية او الجماعية؟

– <الصولو> يجعلني اظهر كل مفرداتي لانه احيانا لا يمكن لعمل واحد ان يعطي فكرة عن المسار كله الذي عمل عليه الفنان. وحين يكون المعرض جماعيا افضل ان لا اشترك فيه بطريقة عشوائية انما بناء على <ثيمة> مشتركة او مع فنانين يتكاملون…

صدفة!

لم تكن تغريد الحائزة «جائزة المدينة الجامعية العالمية – باريس> تعرف بأنها ستسلك فن الرسم طريقاً:

– لما توجهت الى الجامعة اللبنانية على اساس الانتساب الى تخصص هندسة الديكور تحمست لانني وجدت ايضا تخصص الرسم والتصوير. وصودف ان كانت صبية الى جانبي في السنة الثانية في الرسم فشجعتني على دخوله معللة ان المتقدمين بطلباتهم الى اختصاص الديكور بالمئات وسيتم اختيار عدد محدود منهم، في حين يتقدم الى الرسم حوالى الاربعين شخصا يختارون منهم 30 والفرصة هنا اكبر، فأعطتني الدفع لذلك. حزت شهادتي ومن ثم درست فنون الفضاء في <المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية> في باريس وتخرجت منها في العام 2003.

ــ ونسألها هل من <تراند> في الرسم؟

– ليس <تراند> بل حركة فنية كالانطباعي… او التجريدي او التشكيلي، لكن كل شيء قد جرب ومن الصعب ان نجد الجديد الرائد والمختلف عما سبق، علما ان هدف اي فنان بالنهاية ان يحقق اختلافاً.

وعن جملة مشجعة سمعتها من احد الرسامين او النقاد وبقيت عالقة في ذهنها تستعيد تغريد ما قاله لها استاذها مروان كساب باتشي في ورشة العمل في الاردن. – اقترب مني وقال لي: <بدي ياكي سبعة وانت تعملين>! فرحت بها واعتبرتها دفعا لي واشارة الى انني قمت بالخيار الصحيح.

ــ لننه بتلك اللوحات هناك قبل مجموعة الدبابات هنا. هل هي أسلحة دمار شامل؟ مم استوحيتها وما كان الدافع لرسمها؟

– أثناء قراءتي عن البرنامج النووي الغربي إبان الحرب العالمية الثانية، وخاصة البرنامج المرتبط ببريطانيا، لفتت انتباهي تسمية القنابل النووية المختلفة بمجموعة <قوس قزح>، وقد استغربت كثيرا لحظة اكتشافي أن القنابل القاتلة كانت تطلق عليها أسماء لطيفة من قبيل <الأرنب الأزرق>، <الوردة الحمراء>، <العصفور الأخضر>، و<الشمس الصفراء>، بينما هي <قوس قزح> من موت ودمار شامل!

 عفاف زريق: الريشة خلاصي!

مسك الختام كان مع الفنانة الرائعة عفاف زريق. في بيتها، وهو محترفها الذي توضبه وتحتضن فيه لوحاتها، كتبها الثلاثة، وذكريات ومشاعر جمة، تبدأ بالحديث عن المشوار الى الرسم:

– تخرجت من الجامعة الاميركية في بيروت، تقول زريق، وتابعت دراستي في <جامعة هارفرد> فتخرجت منها في العام 1972، ولما عدت الى بيروت عملت في مدرسة البنات الاهلية كمساعدة لمديرتها، ومن ثم انتقلت الى تعليم تاريخ الفن في جامعة الـ<بي يو سي> (سابقا) ومن بعدها كنت مديرة النشاطات الطلابية في هذه الجامعة. في العام 1983 توجهت الى اميركا كفترة راحة و<أخذ للنفس> بعد العام 1982 القاسي جداً على لبنان مع الاحتلال الاسرائيلي لبيروت على ان امكث لمدة شهرين واعود بعدهما، فبقيت فيها لثلاثين عاماً.

وتابعت قائلة:

 – في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2006 كانت اللعبة معاكسة حيث قصدت بيروت على ان يكون ذلك لاشهر معدودة وبقيت فيها ولا أزال.

ــ كيف تصفين مرحلة واشنطن وعيشك فيها؟

– في واشنطن كانت فترة الاختمار والنضج الحقيقيين. الغربة انضجتني خاصة وانني قصدتها من دون اي خطط مسبقة. لم يكن لدي ما اعتمد عليه سوى رأسي، عقلي وحده. عملت في غاليري اسمها <ALEPH>، ومن ثم لحق بي اهلي الى اميركا فكان علي مواكبتهما والاعتناء بهما فمكثت في البيت، كما ان مرض اختي اثر علي جدا فما عدت قادرة على العمل بالمعنى التقليدي للكلمة وما كان امامي سوى الرسم الذي طالما احببته، فكنت استيقظ عند الواحدة فجرا ارسم لاعرض لاحقا. وبعد وفاة اختي وعودة اهلي بنيت علاقات مع جامعات أميركية عدة فدرست في <جامعة جورج تاون> في واشنطن وجامعات اخرى. وحين اضحت امي لوحدها عدت الى لبنان. اتصلت بالجامعة الاميركية وانا خريجتهم، فكان ان درست فيها TD-01<الكورس> الأول والثاني… واستمررت.

ــ ماذا عن عملك مع تلامذة الـ<آرت تيرابي> أو <العلاج بالفن> في أميركا؟

 – هذا الجانب انا مهتمة به جدا لان كل عملي الفني اساسه الحالات الوجدانية، المشاعر والاحاسيس في عمق الاعماق، ومعها فقط بت اعرف ما كان يقصده استاذنا في الادب العربي لما كان يحدثنا عن <الوجدان المختلج> لدى ابن الرومي. تلك العبارة الثقيلة بت اليوم افهمها وكل عملي يقع تحت رايتها. كل حياتي متصلة بالمشاعر. في واشنطن التقيت مرة بمديرة اختصاص <العلاج بالفن> وسألتها حول امكانية تدريس الفن الى تلامذة هذا الاختصاص تحديدا حتى يعبّروا عن مشاعرهم الذاتية وهو اساسي لهم قبل علاج الآخرين، وما كان من المديرة الا ان اتصلت بي بعد عام عارضة علي المباشرة في ما سبق واقترحته عليها، ومساعدتهم في الوصول الى مشاعرهم الداخلية العميقة ومواجهتها، وبذلك يكونون معالجين ورسامين في الوقت عينه، فهم كمعالجين لا يستطيعون ادخال مشاعرهم في العلاج الذي يقدمونه لمن يحتاجه.

 

الوجوه الصينية!

 وعن حياتها التي اختزنت الكثير من التجارب ونقلتها عبر لوحات لها واذا ما كانت هذه اللوحات تعكس مراحل من حياتها، تجيبنا الفنانة المرهفة:

– ليس بهذه المباشرة. هناك اسئلة تدور في رأسي منذ اعوام ولم اجد لها أجوبة الا في الاربعينات من عمري ولم استطع التعبير عنها الا في ما بعد. المشاعر التي يتكون منها الانسان وتصقله معقدة ومتشابكة وتتعلق بالظروف الداخلية والخارجية التي تنعكس عليه… اللوحة لا نعرف كيف تولد ومتى. لا اجبر نفسي على شيء. جل ما أقوم به هو انني احضر نفسي لارسم. حياتي كلها الرسم. هو اساس فيها. كل ما أفعله هو للوحة… كل حديث، كل بحث مسخر لـ<اللوحة اللي بدا تطلع>. أحيانا أجلس وحدي. اسمع الموسيقى او الشعر او اكتب. الكتابة مثل الرسم يلزمها تحضير وكأنه نوع من التأمل. التأمل الذاتي. اختلي لوحدي بيني وبين عالمي والهي وادخل الى اعماقي. عندئذٍ تأتي لحظة الخلق. كل ما اقرره هو المادة التي سأرسم بها، فاقول مثلاً: سأرسم بالحبر الصيني… هذا كل ما استطيع ان اقرره والبقية تأتي لوحدها بعد الاختمار.

ــ ماذا عن <طريق الرسم>؟ الرسم الذي سلكته… هل هو مسار عملت عليه وهدف وضعته منذ الصغر؟

بابتسامة جذابة تعود زريق سنوات طويلة الى الوراء وتقول:

– لي قصة ساخبركم اياها وانا احترم امي وتأثيرها علي. لما كنت طفلة ما كنت افكر سوى باللعب. لا القراءة ولا الكتابة كانتا تهمانني. كنت اريد ان اركض واعبث في البرية والرمل واكتشف الطبيعة وموادها. مرضت ذات يوم، وحتى تلزمني امي بالمكوث في الفراش أحضرت لي مادة البلاستيسين، ومضت اربع ساعات لم تسمع لي امي فيها صوتا. قمت بصنع وجوه <صينية> من دون ان اعرف سبب هذا الاختيار حتى اليوم، فوضعتها امي على الرف قبالتي واحتفظت بها. ولم ينقض اسبوعان حتى ادخلتني <مدرسة سامي صليبي للفنون الجميلة> مقابل <كركون حبيش> في شارع السادات، وباتت كلما تراني العب تقول لي: ادخلي وارسمي!

الرسم ليس التعبير الوحيد لعفاف زريق. الكتابة متنفس جميل لها ايضا، وقد اصدرت ثلاثة مؤلفات حتى اليوم، ونسألها:

ــ اي اللحظات الأجمل بالنسبة لك: الرسم او الكتابة وكلاهما عمل ابداعي؟

– لن اقول انهما يتوازيان بالنسبة لي. بالأصل انا لست مدربة ولا حتى خضعت لدورات في فن الكتابة على خلاف الرسم الذي املك حرفته وتقنياته ودرست الكثير في مجاله. الكتابة لدي عفوية اكثر من الرسم. تلمع في رأسي فكرة، بيت شعر، كلمة، فأبني عليها. عفويتي في الرسم مدروسة اكثر منهــــــا في الادب، علمـــــا انــــه في <المدرســــــة الاهلية> حيث درست حظيت بافضل الاساتذة من الشاعر جوزيف نجيم الذي اسسني في الأدب العربي إلى الأستاذة هدى سلامة بارودي في الادب الانكليزي وقد أثرا بي طوال حياتي.

 ــ ونسأل زريق: عشت لفترة طويلة في واشنطن عندما عدت الى بيروت، كيف وجدت الفن فيها؟

– وجدته مهماً. الفنانون يغامرون، يخاطرون وهم تجريبيون بشكل كبير ويختزنون الكثير من المشاعر التي عاشها اللبنانيون. كما في كل مكان هناك تجارب ارفع مستوى من اخرى لكنه بشكل عام جيد وبعض المواهب تحمل صقلاً حقيقياً.

تثني زريق جداً على الجيل الشاب من اللبنانيين، وتسمي المهندس المعماري رامي صعب الموجود في اللقاء معنا مثالا حيا… رامي وشركاؤه في الشركة عمر وسيرينا وغيرهما رائعون كفنانين – مهندسين… لقد كان رامي تلميذي في احد صفوف الرسم وبات استاذي الآن لما يتمتع به من عمق وذكاء واندفاع.

 

أضواء مراوغة

رامي، كان المشارك لعفاف وصور نويل نصر في معرض <اضواء> في <بيت بيروت> حيث اشتركت لوحات عفاف وصور نويل وهندسة رامي في تقديم معرض فني رفيع ورائد في نوعه، وتترك عفاف الشرح لرامي:

 – الفكرة ولدت من هنا، من هذا المكان. كنا نتحدث عن لوحات عفاف التي انضوت تحت عنوان المعرض <لايت شيفتينغ>، فجمعنا الى اللوحات التي تضم مستويات عدة ضربات ريشة عفاف التي التقطتها عدسة نويل ما بين اللون والقماشة وجسدها باعمال فنية، فيما كانت المساحة الفعلية للوحات من اختصاصي.

ــ واسأل زريق: هل للفنان جيل محدد وهو في لوحاته <مستقبلي> بشكل دائم وكلما زاد نضجا ازداد شبابا وريعانا؟

–  مع الجيل الجديد اشعر بانني ابنة عشر سنوات. هذا الجيل من دون شك هو جيل اذكى، لكن التجارب الحياتية تجعلنا احيانا نشعر بثقل العمر. لقد ولدت في العام 1948 وعشت الكثير من الحقبات والاضطرابات والثورات، وكنت مع الحركة الطلابية ايام الستينات نرفع الوية <فييتنام> وتحرير فلسطين وننادي بالشعارات. لقد ولدت مع نكبة فلسطين، هي في ايار (مايو) وانا في شهر (سبتمبر)، وكنا نعتقد ان العالم ملك يدينا وانهارت احلامنا…

   ونختم مع الرسامة التشكيلية لنسألها:

ــ اية لوحة لك تتوقفين عندها مطولاً ولأي سبب؟

– كتبت مؤخراً كتاباً اشرت في خلاله الى عشرين لوحة اتوقف عندها مطولاً. ولكن ان طلب الي اختيار واحدة فقط فانني سأختار واحدة. تحضرها الينا عفاف وتقول: هذه! كنت خائبة الامل وأجوائي سوداوية فجاءت شفافة وناعمة في الوانها وهي شكلت مع اخواتها في المجموعة بالنسبة لي كل الفرق، علما انها ليست الافضل بين مجموعاتي. لقد تهربت من احتراف الفـــــن وما نجحت. كنت محبطـــــة جـــــدا ولم يكن باستطاعتي أن اقوم باي عمل آخــــر. الأمـــــر الوحيد لاخلص نفسي كان ان امسك بالريشة واجرب. وكانت الريشة خلاصي!

هناك اسماء كثيرة تذكر عفاف تميزها في الرسم: الرسامة التي احب عملها جدا هي سلوى روضة شقير وهي ذات مستوى عال فضلاً عن ايفيت اشقر وغيرهما، اما الجيل الجديد فهي تعترف بتقصيرها تجاه متابعتهم.