19 April,2019

عــنــــــزة ولــــــو طــــــــــارت

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208بلد مطموم بالنفايات وحكّامه يعترفون بفشلهم في إيجاد حلّ لهذه الكارثة الوطنية، لن يهدأ له بال إلا بتشريع الأموال، وهذا ضروري، وباسترداد الجنسية والاتفاق على قانون انتخاب جديد الأكثر من ضروريين.

وأصبح لدولتنا العليّة صفتان بارزتان: لا حدود لحقوقها ولا تحديد لواجباتها، وهي تجتاح حقوق المواطن الى حدّ لا يبقى له فيها إلا ما عليه تجاهها، أي الواجبات، وهي تهمل واجباتها نحوه الى حدّ يشعر معه وكأنه هو المسؤول الوحيد عن نفسه.

وهكذا، يقع اللبناني في حيرة عندما يُسأل عن حقوقه وواجباته.

عن أي تشريع واسترداد جنسية وقانون انتخاب يتحدّثون؟

عن أي أموال وأي جنسية وأي انتخابات؟

هل هي الثروات الطائلة المنتظرة من النفايات أم الجنسية لرافضي الاقتراع أو تقطيع الدوائر بمقصات طائفية؟

إن الكارثة الكبرى هي الحكّام، أو بعضهم طبعاً الذين تحكّموا بالبلاد طوال عقود وتسبّبوا بشكلٍ أو بآخر بتهجير نصف سكان لبنان الى أقاصي المعمورة، هم أنفسهم أو من ورثوا التركة، من يبحثون عن حلول للنزاع اللبناني!

مَنْ مِن المقيمين لا يريد استرجاع الجنسية لأحبّة طال غيابهم وصاروا مغتربين؟ ولكن هل يعرف الحكّام أو بعضهم طبعاً أن معظم مَن خسر جنسيته لم يفعل ذلك بداعي الإهمال، بل بإرادته؟ وهل يدري الحكّام أو بعضهم طبعاً وهم الذين يمضون معظم أوقاتهم في الخارج للاستجمام، أن المغتربين الذين يعيشون في أميركا اللاتينية مثلاً لا يهمهم أمر لبنان ولا اللغة العربية ولم يلمسوا على مدى قرن أي اهتمام بهم من أي مسؤول لبناني؟

إن الحكّام أو بعضهم طبعاً، يتسبّبون اليوم بتجدّد الكارثة ولا يدرون ربما بأن كل اختيار غير مدروس يقدمون عليه أو يقبلون به ستكون له نتائج بحجم لبنان كله، وأن ما تطالب به القيادات المسيحية ولاسيما المارونية حق، ولكن طرحه في هذا الوقت وفي ساحة فارغة من كل شيء ومن مناعة أو حماية أو ضمانة قد يوفرها رئيس للجمهورية لم يعد موجوداً حتى إشعار آخر، أمر صعب والأصعب منه التفكير فيه، فطلب استرداد الجنسية للبنانيين سرعان ما قوبل بطلب منحها لغير اللبنانيين…

هكذا تُعاد نغمات الأسطوانة اللبنانية المتعدّدة الصوت واللحن والاداء، وهكذا يعيد التاريخ نفسه. ويدرك لبنان واللبنانيون ومعهم الحكّام أو بعضهم طبعاً مخاطر الخروج من الحجم اللبناني الى الحجم غير اللبناني للمسألة برمتها.

عنزة ولو طارت في الحروب العبثية، عنزة ولو طارت في الاتفاقات غير المدروسة، عنزة ولو طارت في تثبيت كلام غير عقلاني، عنزة ولو طارت في الأموال وكيفية صرفها، في استرداد الجنسية ومنحها، في صنع قانون للتصويت، عفواً للانتخاب، في القبول بمكبات للنفايات لا بطمرها، عنزة ولو طارت فقط في بلاد الأرز حيث <الناس من ورق>، و<تران بيجي بلا خط> – رحم الله الاخوين الرحباني، حيث الحراك المدني موقت <وأبو ساعتو>، والكهرباء بلا تيار، والتيار بلا موج والموج بلا يود، والزغل يفوش في كل مكان.

هنا يبدو المنطق صغيراً بل قليل الأهمية، بل معدوم الفائدة لأنه يحاول أن يثبّت وجوده وسط اللامعقول.

ومن هذا الوسط اللامعقول ستتلاحق التطورات، لأن كل شيء سيكون بعد الآن جديداً من الجميع وعلى الجميع.

عن أي جديد نتحدث؟

عن بدايات من كل الجوانب تشمل الكبار والصغار، الأساسي والجزئي، ولا يمكن من الآن تحديد خطوطها العريضة، غير أن ما يحدث هو الذي يشير الى هذه الخطوط ولو ظهرت إشارته كأنها عاجزة!

إنهم يلعبون بالدستور والقوانين، بالأموال والكيان والوجود.

إنهم يراهنون على ذكائهم والكارثة أنه يصعب اتهامهم حتى الآن بأي ضرب ذكاء.

إنهــــم يرهنـــــون مستقبـــل أولادنـــــــا وأولادهـــــــــم علـــــى الســــــواء.

إنهم يعيدون التاريخ الى الوراء مع ما حمله ويحمله من مآسٍ وويلات وتهجير وهجرة داخلية وخارجية…

إنهم يحلمون بشيكات جديدة تُصرف من نفاياتنا وتعبنا وتحويلات أبنائنا ومن أثرياء جدد قد يظهرون من هذه الدولة الغنية أو تلك.

إنهم ينظرون الى بلدهم يتفكّك ويتحلّل مع نفاياته ويبحثون مع مساعديهم وسكرتيراتهم في أماكن زينة عيدي الميلاد ورأس السنة، ويعلو صوتهم أمام الكاميرات مستنكرين وشاجبين ما يجري ومستخدمين عبارات: <مش معقول> كيف؟، <يجب وضع حدّ لهذا الاهتراء> متى؟، <نحن لن نقبل ولن نسكت> برافو!، <نحن أول من نبّهنا وحذرنا> عشتم، <نحن لن يهدأ لنا بال حتى نخلص الى حلّ>، <لو سمعوا منا لما وصلنا الى هذه الحال> جيد!

الناس أيها السادة، شبعت كلاماً ومراجل وفساداً، ولن تستسلم، وستبقى مصرّة على السعي الى إبدال هذه الصورة مهما تأخر الزمن، ومهما تفاقمت الصورة وتمادى الحكّام أو البعض منهم طبعاً، في إعطائها للعالم.

إن لبنان لا بدّ سينهض من كبوته بمزيد من الوعي، وبتصويب الممارسة الديموقراطية والحريات التي حوّلتها الشاشات الى فوضى وحرّفت مضمونها…