19 December,2018

عـــون يربـط موافقتــه على نشر قانــون السلسلـة بإنجــاز التصـويت علـى الموازنــة لتحديــد الإيــرادات والنفقــات!

ميشال-عون-و-علي-الخليل----Aمع عودة الرئيس سعد الحريري من زيارته الرسمية للولايات المتحدة الأميركية، وتوقيعه على مرسوم نشر قانون سلسلة الرتب والرواتب وتوابعه، وإحالة الملف الى رئاسة الجمهورية ليقترن بتوقيع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كي يُنشر ويصبح نافذاً، ومع استمرار الجدال الذي بدأ ولمّا ينتهي بعد حول انعدام التوازن بين الواردات والنفقات، وارتفاع صيحات الهيئات الاقتصادية والمصارف ونواب الكتائب وغيرهم، يقف الرئيس عون أمام اتخاذ الخيار الذي يحسم مصير السلسلة، وتوابعها، وإن كان صدى صوته أمام مجلس الوزراء قبل أسبوعين ما يزال يتردد حول رغبته في إقرار مجلس النواب الموازنة لتحديد موارد الدولة ونفقاتها قبل السلسلة، مكتفياً بالتحذير من تداعياتها على المالية العامة، وداعياً الى اتخاذ إجراءات عدة ومنها تطبيق قانون مكافحة التهرّب الضريبي ووقف دفع الأموال للجمعيات الوهمية وغيرها. وإذا كان الرئيس عون قد اكتفى بتسجيل هذه الملاحظات، فإن ثمة من تساءل عما إذا كان سيعبّر عن عدم رضاه على إقرار السلسلة قبل الموازنة، برد قانون السلسلة بعدما وصل الى قصر بعبدا بهدف نشره وإصداره.

السلسلة والموازنة

 

يقول مطلعون على موقف الرئيس عون أنه لم يصل بعد إلى قرار في ما خص توقيع القانون أو رده، وإن كان يخضع قانون السلسلة لدرس متأنٍ في دوائر قصر بعبدا، لاسيما في الشق المتعلق بالرسوم والضرائب التي أقرّها مجلس النواب، لكن الأكيد أنه <ممتعض> من تجاوز رغبته في أن تحدد الموازنة الجديدة الواقع المالي للدولة، لاسيما وأنها ستكون المرة الأولى التي تصدر فيها موازنة منذ العام 2005، أي من 12 سنة! وينقل المطلعون عن الرئيس عون قوله ان تصحيحاً شاملاً يجب أن يحصل في الأداء المالي للدولة لوضع حد ولو تدريجياً للهدر، وترشيد الانفاق، واعتماد حسابات مالية شفافة، والاستمرار في مكافحة الفساد لإعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها، وإقرار خطة اقتصادية تعطي الأولوية لقطاعات الإنتاج للانتهاء من الاقتصاد الريعي، وغيرها من المصاريف غير الضرورية التي تتكبدها الدولة.

ويروي أحد الوزراء أن كلام الرئيس عون في اجتماع مجلس الوزراء ترك صداه لدى الوزراء، لاسيما وزير المال علي حسن خليل الذي اعتبر أن إقرار السلسلة عمل إصلاحي حقيقي لكنه غير كافٍ، وان الإجراءات الضريبية التي أقرّت تؤمن توازناً للواقع القائم الى حد كبير، إلا أنها لا تصلح العجز الذي يتراكم في الموازنة والذي يستلزم نقاشاً اقتصادياً مالياً نقدياً متكاملاً كي يتطور الاقتصاد وتتراجع نسبة الدين أمام تقدم الناتج المحلي. وأشار الوزير خليل الى أن الإنفاق غير مجدٍ، بدليل أن الدولة تنفق 8 بالمئة إنفاقاً استثمارياً على الإدارات والوزارات في صلب الموازنة، و92 بالمئة من الإنفاق هو إنفاق جار لا يحرّك الاقتصاد، ويشكّل الثلث اي أكثر من 7500 مليار ليرة للرواتب، إضافة الى 8000 مليار لخدمة الدين العام، و3 آلاف مليار لدعم المؤسسات ومنها مؤسسة كهرباء لبنان.

وقد حرّكت مداخلة وزير المال عدداً من الوزراء، لكن إمكانية التغيير في موازنة 2017 غير ممكنة لأنها باتت قاب قوسين أو أدنى من الإقرار في مجلس النواب، ما يجعل إمكانية التغيير واردة في مشروع موازنة 2018 الموجود حالياً قيد النقاش بين وزارة المالية والوزارات الأخرى ويفترض أن تنجز قبل 10 آب/ أغسطس المقبل لرفعها الى مجلس الوزراء قبل نهاية الشهر المقبل. وفي معلومات <الأفكار> أن مجلس الوزراء استمع الى شكوى وزير المال لجهة مطالبة الوزراء بزيادات على مشاريع موازناتهم معظمها غير مبرر ولا يلتقي مع سياسة الدولة وتوجهات العهد لعصر النفقات غير المجدية وزيادة النفقات الاستثمارية.

 

لقاء اقتصادي في بعبدا

وفيما يخرج مجلس الوزراء بقرار واضح حيال ضرورة ضبط النفقات غير المجدية، أشارت مصادر وزارية متابعة الى أن رحلة قانون سلسلة الرتب والرواتب لن تنتهي بسرعة في قصر بعبدا كما يتوقع البعض، لأن الرئيس عون الذي أعطى الأولوية لإقرار الموازنة سينتظر ما ستؤول إليه مداولات مجلس النواب في شأن الموازنة ليبني على الشيء مقتضاه، خصوصاً أن رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب ابراهيم كنعان أعلن أن اللجنة ستنتهي في دراسة الموازنة خلال الأسبوعين المقبلين لتعرض بعد ذلك على الهيئة العامة لمجلس النواب التي تعهد الرئيس بري بدعوتها الى الانعقاد فور انتهاء لجنة المال من عملها، وذلك لدرس الموازنة وإقرارها. وهذا الأمر أكد عليه أيضاً الرئيس الحريري في مجلس الوزراء. وبكلام آخر، فإن ثمة من يعتقد أن من حق الرئيس عون الربط بين إصدار سلسلة الرتب والرواتب وإقرار الموازنة، لاسيما وأن أكثر من وزير ونائب تحدثوا عن إمكانية تضمين الموازنة موارد يمكن أن تساعد في سد الحاجات المالية للسلسلة التي ولدت ولادة قيصرية، خصوصاً بعد ارتفاع تكلفتها الى 1772 مليار ليرة مع إقرار الزيادات المطلوبة للمتقاعدين والدرجات الإضافية للمعلمين، وان ضخ مثل هذا المبلغ في الاقتصاد اللبناني سوف يرفع حتماً الأسعار نتيجة عامل التضخم، ما سيقلص من القدرة الشرائية للمواطن التي قد تصل الى 50 بالمئة في بعض الحالات، مثل أقساط المدارس الكاثوليكية التي قال أمينها العام انها سترتفع بنسبة 27 بالمئة في حال أقرت السلسلة من دون مفعول رجعي، و50 بالمئة إذا أقرّت مع مفعول رجعي.

دعوة الرئيس عون الى الوزراء كانت لزيادة مداخيل الدولة وترشيد الإنفاق علّ ذلك يساعد في الحد من تداعيات السلسلة، علماً أن تحسيناً ضرائبياً سوف يطرأ من خلال تعديل الضرائب على التحسين العقاري والشركات المالية الكبرى والضرائب المتعلقة بالمصارف. إلا أن الخطوة التي يعتزم رئيس الجمهورية القيام بها، هي الدعوة الى لقاء اقتصادي موسع في قصر بعبدا يجمع بين المكونات الاقتصادية البارزة، وذلك بهدف وضع أسس لاستراتيجية اقتصادية جديدة يركز الرئيس عون على وضعها لمواجهة ما ينتظر الوضع الاقتصادي من آثار سلبية بعد إقرار السلسلة.

 

<رسائل مشفرة>

وإذا كانت مواقف الرئيس عون من تزامن إصدار السلسلة مع إقرار الموازنة، قد تركت ارتياحاً لدى بعض الأوساط السياسية، إلا أن صداها لدى أوساط أخرى، لاسيما بعض المقربين من رئيس مجلس النواب نبيه بري، لم يكن كذلك، خصوصاً أن <رسائل مشفرة> وصلت الى بعبدا عن أن كلام رئيس الجمهورية ليس ملزماً لمجلس النواب الذي هو <سيد نفسه>، وقد تُرجم هذا التوجه من خلال تعطيل النصاب في جلستين متتاليتين دعا إليهما رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب ابراهيم كنعان لمتابعة درس الموازنة قبل إحالتها على الهيئة العامة لمجلس النواب. وقد ترك تعطيل الجلستين تساؤلات عما إذا كان هذا الخيار هو الذي سيعتمد في مقاربة ملف الموازنة، الأمر الذي دفع قريبين من الرئيس عون الى التأكيد على أن مثل هذا <التهويل> بضاعة كاسدة لدى رئيس الجمهورية الذي لم يقبل يوماً التهويل عليه ومحاولة <ابتزازه>، وتكفي العودة الى مواقف سابقة للرئيس عون للتأكد من هذه الوقائع. وما يعزز موقف رئيس الجمهورية ما كان قد أعلنه النائب كنعان عن إمكان تحقيق وفر بألف مليار ليرة، مع تذكيره بأن الرئيس عون كان أول من عارض الضرائب بمطالبته بالموازنة قبل السلسلة و<نحن قادرون على الوفر واستبدال الضرائب لإعطاء الحقوق>. ويلاحظ القريبون من الرئيس عون أن إمكانية عدم السير بالقانون قبل تلمس إمكانات الوفر القابلة للتحقق في مشروع الموازنة، واردة جداً، لاسيما وأنه يتسلح بموقف جديد صدر عن مؤسسة التصنيف الدولية <موديز> التي اعتبرت أن مصادقة مجلس النواب على الموازنة سوف تشكّل عاملاً إيجابياً للبنان من شأنه أن يحسن الشفافية في المالية العامة ويسمح بإجراء المزيد من الإصلاحات، مما يسهم في تسهيل الحصول على التمويل الدولي من المانحين، خصوصاً أن التجاذبات السياسية أدّت – حسب <موديز> – الى إضعاف فاعلية السياسات المقترحة تحت وطأة التباين الدائم القائم حول الإصلاحات المالية والضريبية. ولفتت المؤسسة الدولية الى أن التأخير المستمر في الإصلاحات الضريبية أدى الى تآكل إيرادات الحكومة التي انخفضت الى 19,5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العام 2016 مقارنة مع 22,8 بالمئة في العام 2011.

3 خيارات أمام الرئيس

 

ويرى القريبون من الرئيس عون أنه من غير الجائز الاستهانة بما أورده تقرير مؤسسة <موديز> التي تصنف لبنان ضمن ترتيب <- B>، لاسيما وأنها توقعت في حال إقرار الموازنة أن ينخفض العجز المالي الى 8,9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2017 و8,7 بالمئة في 2018، مقارنة مع 9,5 بالمئة في 2016. لكن ذلك لن يحول دون بقاء مستويات العجز مرتفعة حتى بالمقارنة مع الدول ذات التصنيف عينه. وعليه فإن عبء الدين الحكومي سيزيد بنسبة 5,5 نقطة مئوية أخرى خلال الفترة 2016 – 2018 لتصل الى 137,9 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي. وما يزيد في تمسك الرئيس عون لإقرار الموازنة قبل وضع السلسلة موضع التنفيذ، ما أشار إليه تقرير <موديز> من أن إقرار الموازنة يجعل من السهل على لبنان الإفادة من تمويل المانحين، بعدما وافق البنك الدولي مؤخراً على تقديم قروض ومنح جديدة لمشروعين منفصلين للطرق يبلغ مجموعها أكثر من 400 مليون دولار، لكن هذا التمويل مشروط بإقرار الموازنة.

في أي حال، ترى مصادر متابعة أن مهلة الشهر المعطاة لرئيس الجمهورية كي يوافق أو يرد مشروع قانون السلسلة، ستشهد سلسلة خطوات ذات طابع اقتصادي من شأنها أن تبلور الموقف الذي ينوي الرئيس اتخاذه، وإن كانت المعطيات ترجح عدم توقيعه قانون السلسلة قبل إقرار الموازنة، فيما يرى آخرون أن خيار رد القانون يبقى وارداً إذا ما ظهر أن ثمة <عراقيل متعمدة> لإقرار الموازنة بهدف <كسر الرئيس>، كما يتحدث البعض، وإذذاك فإن الرئيس عون سوف يستعمل حقه في رد القانون، كما فعل حتى الآن بثلاثة قوانين كان قد أقرها مجلس النواب في 25 كانون الثاني/ يناير الماضي وهي: القانون الرامي الى تعديل القانون الرقم 441 تاريخ 29/ 7/2002 المتعلق بأصول التعيين في وظيفة أستاذ تعليم ثانوي في المدارس الرسمية، والثاني القانون الرامي الى تنظيم مهنة تقويم النطق، أما الثالث فهو القانون الرامي الى تنظيم مزاولة المهن البصرية.