24 September,2018

عـــــون وجـعـجــــع مــــع انـتـخــــــاب رئـيــــس قــــــوي للـجـمـهوريـــــة يـطـمـئـــــن الـجـمـيـــــع!

 

aoun-geagea الزيارة المفاجئة لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للرابية للقاء رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون يوم الثلاثاء الماضي شكلت الحدث بامتياز في توقيتها ومضمونها وكانت فرصة للتلاقي المسيحي ــ المسيحي وجمـع قطبين مارونيين بعد سنوات من الجفاء والقطيعة وحرب الإلغاء، مع مرور أكثر من عام على الشغور الرئاسي وتواصل التعطيل المجلسي والمناكفة الحكومية، حيث وقّع الطرفان <اعلان النيات> الذي كان حصيلة مفاوضات على مدار أشهر بين أمين سر تكتل التغيير والاصلاح النائب ابراهيم كنعان، والمسؤول الاعلامي القواتي ملحم رياشي، وهو يدعو الى انتخاب رئيس قوي ومقبول في بيئته وقادر على طمأنة البيئات الأخرى.

   ودعا الإعلان الى التزام نهج الحوار والخطاب السياسي البنّاء وتأكيد الايمان بلبنان.

   كما أكد الاعلان على ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة ودعم الجيش وتعزيز القوى الأمنية الشرعية بهدف بسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية كافة، مؤكداً الحرص على ضبط الأوضاع على الحدود بين لبنان وسوريا وعدم استعمال لبنان منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين واحترام قرارات الشرعية الدولية كافة وحل مسألة النزوح السوري المتعاظمة وإقرار قانون جديد للانتخاب يراعي المناصفة الفعلية وصحة التمثيل بما يحفظ قواعد العيش المشترك ويشكّل المدخل الأساسي لإعادة التوازن الى مؤسسات الدولة والالتزام بوثيقة الوفاق الوطني لجهة اعتماد اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، ناهيك عن التمسك بالمبادئ الكيانية المؤسسة للوطن اللبناني والتي هي سبب وجوده وجوهر رسالته في التسامح والتنوّع والتعايش الفريد، لكن لم يعرف ما إذا كان الرئيس القوي واحداً منهمــا أم لا…وخـــــلال مؤتمرهمـــــــا الصحــــــافي المشترك، أكد عون وجعجع ان العمل الحقيقي يبدأ الآن وانهما مصممان على العمل معاً لتنفيذ مذكرة <إعلان النيات>، وأوضـــح جعجــــع انــــه مسرور لوجوده في الرابية واللقاء مع عون، وقال:

– أنا مسرور لأنني موجود في الرابية، وكنت أقول لعون: يا ليت الاجتماع حصل منذ سنوات عدة.. أنا هنا موجود ليس لأي سبب من الأسباب المطروحة، بل ان السبب الرئيسي هو التقاء القوتين السياسيتين القوات والتيار الوطني الحر، وهما قوتان سياسيتان في حال التقتا يمكن ان يكون لهما تأثير إيجابي على لبنان.

أضاف جعجع:

– اجتماعنا اليوم هو بداية حوار لأن الأشهر الماضية كانت تمهيداً وتحضيراً لأجواء هذا اللقاء، ووصلنا اليوم الى نقطة الصفر وعَملنا سيبدأ منذ اليوم وسنبذل جهدنا كي لا تفشل هذه المحاولة، وأي موضوع ممكن أن نختلف عليه سنضعه جانباً ونكمل بالمواضيع الأخرى. وقال: اتفقنا على ضرورة وضع قانون انتخابي جديد وقانون استعادة الجنسية على رأس أعمال أي جلسة تشريعية، ونحن لا نعارض المبادرة التي طرحها العماد عون عن استطلاع الرأي بشرط ان تكون تحت سقف الدستور.

من جانبه، قال عون إن زيارة <الحكيم> كانت مفاجئة، ونحن نوافق على النيات التي أُعلنت ومصممون على تنفيذها، وان اللقاء اليوم كان إيجابياً، وهو هدية للمسيحيين القلقين على الوضع في لبنان، كاشفاً ان الوضع المسيحي ارتاح وسترون قريباً هذا الارتياح في الفترة المقبلة، مؤكداً ان <القرار في يدنا لا في يد أي جهة أخرى، ولا إرادة لنا بالمس بالآخرين>.

ولم يأتِ لقاء الرابية من فراغ، بل واكبه بيان <إعلان النيات> الذي صدر بعد نقاشات ولقاءات بين معراب والرابية كادت تصل الى حدود الفشل والاحباط، لكنها استطاعت تجاوز كل العراقيل ووصلت الى خواتيمها السعيدة على أمل أن يساهم اللقاء في كسر الجمود الحاصل على صعيد الفراغ الرئاسي ويؤمن التوافق المسيحي على مرشح للرئاسة كمدخل للإجماع اللبناني لكي تدور عجلة الدولة بشكل طبيعي ويتوقف التعطيل المجلسي والحكومي الحاصل في حال تم انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

وكان المفاوضان كنعان ورياشي قد زارا بكركي والتقيا البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وأطلعاه على مسار المفاوضات بين عون وجعجع، والتقيا هناك السفير البابوي <غابريال كاتشيا> الذي أثنى على المفاوضات، واصفاً ما يحصل بأنه تنسيق جيد، الى ان كان مساء الثلاثاء عندما وصل وفد أمني تابع لجعجع الى الرابية aoun-geagea-1لاستطلاع المكان تحضيراً لمجيء جعجع خلال مهلة لا تتعدى عشرة أيام، بعدما أنجز كنعان ورياشي مهمة التواصل وإعداد ورقة النيات، لكن ما حصل ان موكب جعجع وصل فجأة، فلم يصدق أحد حتى بدأ الاستنفار لاستقباله، لدرجة ان عون لم يتوانَ عن القول لجعجع: <كنت أتوقع مفاجأة، ولكن ليس الى هذا الحد…>.

وعلى كل حال، فالمفاوضات بين القوات والتيار الوطني  توجت بلقاء القمة بين القطبين المارونيين اللذين شبههما البعض بأنهما نقيضان لا يلتقيان ولا يصنعان رئيساً، لا بل يرى هذا البعض ان ترشيح جعجع للرئاسة بتأييد من قوى 14 آذار كان الهدف منه قطع الطريق على العماد عون الذي نسج تحالفاً مع حزب الله وانفتح على تيار <المستقبل> وهو الأكثر شعبية ويترأس أكبر كتلة نيابية مسيحية، ويملك أوراقاً مهمة تخوّله الوصول الى سدة الرئاسة، بعكس جعجع الذي يعيقه ماضيه واتهامه باغتيال شخصيات لبنانية مهمة ويفتقد التواصل مع المكون الشيعي، لكن مع ذلك، فاللقاء فرصة لتوحيد الموقف  المسيحي رئاسياً ويمكن التفاهم بين الرجلين على المرشح الذي يملك الأفضلية للوصول الى قصر بعبدا، إذا صدقت النيات، وبالتالي فالوثيقة الموقّعة بينهما هي اختبار لهما في هذا المجال. واللقاء في مجمله سواء أنتج مرشحاً للرئاسة يكون أحدهما أم لا أراح الشارع المسيحي وأغلق تراكمات السنوات الماضية من حرب الإلغاء في الثمانينات، بحيث ان جعجع سبق أن قطع الطريق الرئاسي على عون عام 1989 يوم وقف مع مؤيدي اتفاق الطائف وخالف عون الذي كان يمسك بالحكومة العسكرية ويقيم في قصر بعبدا وينتظر ان يكون الرئيس المقبل خلفاً للرئيس أمين الجميل.

واليوم تتكرر الفرصة أمام عون طالما ان الرجلين اتفقا على الرئيس القوي وهما ضمناً يعتبران انهما الأكثر حضوراً وتمثيلاً في الشارع المسيحي، ولذلك كانت مبادرة عون بأن يختار النواب إما هو وإما جعجع دون مرشح ثالث وهو يذعن آنذاك لإرادة النواب، لكن هذه المبادرة اصطدمت برفض باقي الحلفاء بمن فيهم الرئيس أمين الجميل الذي اعتبرها حرب إلغاء مركبة، رافضاً حصر الترشيح بين عون وجعجع، فاللقاء أنهى حرب الإلغاء وذيولها العالقة في النفوس والتي جرت في بداية العام 1990 بين وحدات الجيش اللبناني بقيادة عون وبين القوات اللبنانية وطالت كل مناطق الوجود المسيحي وقتل خلالها المئات وأصيب الآلاف، لكن المواجهة بينهما انتهت باجتياح الجيش السوري لقصر بعبدا والمناطق المسيحية ونفي عون الى فرنسا ودخول جعجع الى السجن بعد حادثة تفجير كنيسة الذوق عام 1994 الى ان خرج بعفو نيابي عام 2005 إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانضوى تحت لواء 14 آذار التي كان عون جزءاً منها ولكنه خرج من صفوفها بعد خروج السوريين من لبنان في نيسان/ ابريل من العام 2005 وعقد تفاهماً مع حزب الله عام 2006.

فاليوم هناك فرصة لإعادة إحياء التوافق الماروني طالما ان القيادات الإسلامية تعتبر ان مشكلة الرئاسة هي أزمة مارونية – مارونية في الأساس ومتى اتفق المسيحيون على مرشح واحد، فالفريق الإسلامي سيبارك هذه الخطوة ويسير بالإجماع المسيحي. فهل يحصل ذلك بعد تفاهم عون وجعجع، علماً ان الأول سبق وزار الثاني يوم كان معتقلاً في سجن وزارة الدفاع، وطالب بالعفو عنه، معلناً التضامن معه وقال آنذاك: إذا كانت هناك ملفات أخرى تستوجب الإعفاء عن محكومين أو سجناء، فيجب ألا تربط بملفه لأن هذا يعقد الأمور ويبقيه في السجن، معتبراً ان استمراره في السجن أصبح ظلماً، ومؤكداً ان القضاء الاستنسابي والظلم اللذين تعرض لهما لا يعوضان إلا بإقفال الملف وعودته الى الحياة الطبيعية؟!

الأيام كفيلة بتظهير الصورة الكاملة رغم ان الاستحقاق الرئاسي بات أسير الملفات الإقليمية ولم يعد صناعة لبنانية، لكن كل شيء وارد في زمن التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة ويتأثر بها لبنان.