25 May,2019

عروس الوسط الفني ندى أبو فرحات: «الـسـت بـديـعــــة» هــي الاصـعـــب، ولا أدوار مــسـانــــدة بعــد الـيــــوم فــي الـتـلـفـزيـــــون!  

بقلم عبير انطون

1

ندى ابو فرحات لها اسرارها البديعة على المسرح.. في عملها الاخير <أسرار الست بديعة> من كتابة واخراج المسرحي جيرار افيديسيان، استحضرت بيروت وعاشتها قلباً وجسداً. سكنت المدينة المرأة وعاشت فيها حتى الانصهار صباً وشيخوخةً ومرضاً وخوفاً من المصير الذي قد يحل في غضون ساعات فاصلة، ما بين سنة ولت واخرى نبتهج كـ<البلهاء> لقدومها.. ستحين الساعة ويحضر ملاك الموت بلباسه الابيض ليخطف بديعة، هكذا تنبأت عالمة الفلك <ماغي> التي جعلتها تعيش ليلة لا تُنسى من الرغبة المتأرجحة ما بين الموت والحياة..

 

بكاء في الكواليس!

 

 لطالما شكّلت بيروت قبل الحرب مخزوناً لذاكرة اللبنانيين والعرب الذين يجدون في <ست الدنيا> الملاذ والمشتهى. النساء في تلك المرحلة يصوّرن دائماً بالجميلات والأنيقات، يلبسن أفخر الملابس ويرتدن افضل الأماكن. اماكن فيها الغناء والطرب، وفيها العبث والملذات، وفيها الجواسيس والكواليس والمؤامرات.. تلك الحقبة، جسدها الثنائي <غسطين> – بديعة على افضل ما يمكن. <غسطين>، صورة حلوة في شبابه على شاشة كبيرة في خلفية المسرح، وجسد بلا حراك، بالبذة وربطة العنق، محقون بابر التحنيط في الجانب الايسر منه.. اما بديعة، زوجته فهي عجوز شمطاء متصابية تحتال على نفسها وعلى الزمن، تحمل سيجارتها تنفخ فيها هموماً لتتصاعد مع دخانها روائح الرجال الذين عرفتهم، والتهم التي أُلصقت بها، ويتداخل معها ايضا هواء الحرية الذي نفحه فيها زوجها <غسطين>، فـ<غسطين> لم يغار او يعاتبها يوماً للرجال الذين عرفتهم باختلاف اشكالهم وانواعهم لشدة ايمانه كما قال لها يوماً بأن <ما حدا بيملك حدا> مهما كان الرابط…

بعد عرض المسرحية مباشرة، دخلت ندى الى الكواليس، اختلت بنفسها وفرطت مجهشة بالبكاء.. الجمهور صفق لها طويلاً في تحية الختام. سألتها <الافكار> عن السبب فأجابت بعد ان ارتاحت: <انها من المرات النادرة التي يحدث معي ذلك. فقبل ان انطلق على المسرح لأداء شخصية <الست بديعة> التي تعاني الخوف من الشيخوخة والوحدة تمر في مخيلتي صور لاشخاص مقربين، ولشدة ما أشعر بهم <اخرج من العرض فارطة>. أشحن نفسي بهذه المشاعر التي اترجمها في الشخصية فتملأني حتى النهاية.

ــ هل <الست بديعة> هي اصعب أدوارك حتى الآن؟

– نعم هي الاصعب من حيث الحالات الكثيرة المتقلبة والمتناقضة التي تمر بها الشخصية. فهي حيناً صبية في الثامنة عشرة وحيناً آخر عجوز تشرف على النهاية وتعيشها. ترقص مرة في استعادة مشاهد من شبابها، وتتعثر في ابسط خطوة تقوم بها. هذا الانتقال من الكوميديا الى التراجيديا، من عمر الى آخر، من صوت شابة الى صوت عجوز ينهك الممثل الذي عليه ان يشعر هو نفسه بكل كلمة يتلفظ بها حتى يتلقى الجمهور صدقه في الأداء. انا أعيش شخصية <بديعة> ولا أمثلها. لا تنسوا انني امثل بمفردي وعلي ان امسك العرض على مدى ساعة ونصف الساعة من دون اية <زحطة>.

ــ هل الأداء المنفرد اصعب من الأداء ضمن فريق من الممثلين كما في مسرحيتك السابقة للمخرجة لينا خوري <مجنون يحكي> حيث شارك في العرض اساتذة مثل زياد الرحباني وغبريال يمين، ام ان الأداء المنفرد يكون حراً أكثر؟

– العمل في كلتي الحالتين صعب. المهم الدور وطريقة ادائه، الا ان الصعوبة في الأداء المنفرد تكمن في ان التركيز كله ينصب علي وحدي. المسؤولية كلها ملقاة على كاهلي.. العمل مع ممثلين آخرين يندرج ضمن لعبة <البينغ بونغ> إلا ان هذه تتحوّل في العمل المنفرد الى لعبة مع الجمهور في الصالة، في التفاعل المباشر فأشعر بان تبادلاً للطاقة وللأحاسيس والانفعالات يتم بيننا.

 

<غسطين.. ستايل>!

 

 ــ ما هذا الـ<غسطين> الجميل> وهو يلعب دور زوجك وحبيبك <الذي خطفك الى بيروت فصنعك وأعطاك اسرار الحياة>؟ لمن تعود الصورة الفوتوغرافية الجميلة لـ<غسطين>؟

– إنها خيار المخرج جيرار افيديسيان.. لا تعود الصورة الى شخصية معروفة وهو يشبه الممثل الجميل <غاري كوبر>.. من هذا <الستايل>..

ــ هو ايضاً <ستايل> مختلف من الرجال من حيث نمط التفكير، اذ لم يكن <غسطين> زوجك يغار عليك او يعاتبك حتى في <عيشتك> بالطول وبالعرض مع رجال آخرين ويقول: <ما حدا بيملك حدا>.. الآن وانت عروس تزوجت مدنياً منذ اسابيع من الكاتب والمخرج ايلي كمال، هل توافقين <غسطين> في ما يقوله؟

– بكل تأكيد <ما حدا بيملك حدا> حتى في الزواج او مع الاولاد او العائلة. هذا هو جمال الحياة برأيي الا نكون ملك الآخر او العكس، فلكل انسان وجوده وحريته ومن أنا لأمتلكه؟ هو ملك الكون كله.. هكذا افكر بـ<ايلي> وأعتقد انه يبادلني الرأي.

ــ زوجك المخرج، ما كانت نظرته لـ<الست بديعة>؟

– بعين المخرج نصحني بجعل <بديعة تتفكفك>، تتلحلح، فلا تكون قاسية جداً وتذهب بالكاريكاتور حتى النهاية.. هي ذاكرة المدينة، هويتها التي يدخلها الفرح والطرافة والحزن واليأس والتحدّي والوهم وطلب الموت والخوف منه. لقد شذّبت جداً شخصية <بديعة> التي كانت قاسية مع انطلاق المسرحية، جعلتها اقرب من الجمهور، تنطق ببعض الكلمات المبتذلة وتتحدث مع الساهرين، تخبرهم بالتغيير الذي طرأ على كل شيء حتى في اذواق الرجال، فهؤلاء باتوا يفضلون المشهورات.. المزيفات برأيها..

ــ لو كان هو المخرج بدل جيرار افيديسيان، هل كانت <الست بديعة> لتتغير جذرياً؟

– لكانت تغيرت الطريقة لان لكل مخرج رؤية وأسلوباً، لكن <بديعة> لما كانت لتتبدل كثيراً. شخصياً كنت أتمنى لو كان لي دعم او سند اكبر على المسرح من ناحية الموسيقى او الاضاءة او التنقل، الا ان جيرار أرادها شخصية <حاف> وهنا كان التحدّي الأكبر.

 

شكراً جيرار

 

ــ نشعر ونحن نشاهدك بأنك ترين كل شخص منا وتحدثينه، تجعلينه شاهداً على بيروت و<بديعة>.. عندما تكونين على المسرح هل ترين الاشخاص؟

– لا، وذلك لأسباب عدّة، اولا الاضاءة مركزة على وجهي وثانياً تركيزي على عالمي حيث أكون <غاطسة> الى اعماق الست <بديعة>، وحين تجدونني اتكلم مع شخص من الجمهور الحاضر اكون حينئذٍ رأيته فعلاً فأجعله من عالمي، عالم العرض الذي اقدّمه، وأتعاطى معه من دون خجل او حياء..

ــ في المسرحية <تطلسين> وجهك بالبودرة والكحل الاسود مراراً وتكراراً في محاولات <الست بديعة> لاسترجاع القها، للتصالح مع مرآتها التي لا تعكس حقيقتها برأيها. عيناك دمعتا وأصبحتا حمراوين على المسرح.. هل يهون كل شيء في سبيل الدور والشخصية؟ الا تخشين من هذه المواد عند كل عرض على بشرتك وعلى وجهك؟

– لدي فريق ينتبه لهذه الامور، يخشى عليّ أكثر مني وانا اشكر هذا الفريق الرائع الذي يسرع كالبرق في الكواليس الى إزالة الماكياج وتنظيف الوجه، من بوب مكرزل الى فرح نابلسي، وطبعاً جيرار افيدسيان العين الساهرة دوماً.. في احد العروض تعطل <الميكروفون> واكملت من دونه ولشدة خوف جيرار على صوتي ارسل لي صبية في منتصف العرض لتبدله، فجعلتها من قلب المسرحية وسألت المخرج: <مين باعتلي يا جيرار؟> فاجابني: <خايف عليكي وعلى صوتك>..

كميل.. وزلفا!

ــ تستعيد أسرار الست <بديعة> زمن بيروت الجميل، وتبرز صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وتتناولون في المسرحية عهده وتتحدّثون عن الست زلفا. هل حفزتك حشريتك على الرجوع الى تلك الحقبة ورموزها؟

– بكل تأكيد.. لم اكن ولدت طبعاً، الا انني رحت اسأل الاهل والمعارف وأقرأ الكتب والوثائق التي تعود الى تلك المرحلة. كما ان التمارين على المسرحية وأداءها جعلاني ادخل في تفاصيل مرحلتها الذهبية. اضف الى ذلك ان جيرار المخرج المثقف يجعلك تتشربين الشخصية مع محيطها ومرحلتها من خلال الاحاديث والنقاشات العفوية والعميقة في آن، له نظرته الخاصة جداً عن بيروت المليئة بالحنين والذكريات فيفتح جوارير الذاكرة، يتنشق عطر هذه الزهرة الحرة المغرية التي اسمها بيروت والتي لم تبرح يوماً خياله من شارع الحمرا الى <السان جورج> و<الزيتونة> وعمر الزعني وسهرات ام كلثوم.. نقل ما يختزنه الى <بديعة> الشخصية الأسطورية الابدية كبيروت التي اذا ما اعتقدنا انها تموت فإنها تعود للحياة من جديد.. المسرحية تنتهي من حيث تبدأ، في دوامة لا تعرف نهاية. وقد جعلني المخرج احلم ببيروت بكافة مراحلها الذهبية… جعلني اشتهي تلك المدينة الحرة الجميلة.

ــ تحدثتم عن رئيس للجمهورية كان مثلياً وتم ضبطه مع سائقه..

– صحيح وهي قصة حقيقية لاسم واقعي.. عودوا الى التاريخ وتعرفونه..

 

التلفزيون.. بشرط!

 

ــ لماذا لا ينسحب بريق ندى ابو فرحات في المسرح على التلفزيون؟. لا نرى اللمعة عينها على الشاشة الصغيرة؟

– لانني لا أملك في التلفزيون مساحة التعبير كما في المسرح، كذلك فان الادوار التي تُعرض علي بغالبيتها ادوار ثانوية لا علاقة لها بالفن الذي أنشده.

ــ ولم تقبلين بهذه الادوار؟

– ومن قال انني اقبل بها؟ ما ترونني به على الشاشة الصغيرة أجده لذيذاً وأقتنع به، لكن عندما يطول الغياب اعرفوا انني غير راضية عن اي دور تمّ اقتراحه علي..

ــ رفع السقف الى هذا الحد في المسرح، هل يجعلك ترفعين معه المتطلبات والشروط في التلفزيون؟

– لم اعد اقبل بدور مساند. اقولها علنا.. <خلص، ما بقى الي نفس> واذا لم أجد الدور الذي <يستحقني> على الشاشة الصغيرة، فلن اقبل به.

ــ بالعودة الى <اسرار الست بديعة> التي انبأتها عالمة الفلك <ماغي> بان اجلها بات قريباً ليلة رأس السنة، إشارة الى الاعلامية ماغي فرح التي تضع في كل عام كتاباً عن الفلك والابراج، هل حضرت العرض وما كان تعليقها؟

– نعم شاهدته وليلة وجودها معنا في المسرح خفّفت <عيار> الكلام، وفي التحية توجّهت اليها قائلة لها إنني اختزلت من كلام <بديعة> جداً بسبب وجودها.. أحبّت العرض وتكلّمت مع جيرار وأبدت تأثرها بالدور.

ــ كيف هي علاقتك شخصياً مع الفلك والابراج؟

– على مسافة آلاف السنوات الضوئية.. علاقتي بها صفر..

2ــ ما هو برجك؟

– العذراء.

 ــ هل من تمديد لـ<الست بديعة>؟ وهل يمكن ان يُعرض العمل خارج لبنان؟

– سأبوح لكم بما جرى معي. كنت ابحث عن مسرح في باريس فوقعت اعتداءات فرنسا والهجوم على مسرح <الباتاكلان>، وعندما فكّرت ببلجيكا وبدأت بالتواصل مع مسارح فيها وقعت الاعتداءات الارهابية الاسبوع الماضي.. حتى الآن ما هو أكيد أنني سأكون بجولة بناء على طلب الجالية اللبنانية والعربية في كل من استراليا وافريقيا..

ــ وبعيداً عن المسرح، ماذا تحضّرين؟

– أحضّر لثلاثة افلام. الاول <يلا عقبالكم شباب> مع الكاتبة نبال عرقجي من اخراج شادي حنا بعد نجاح الفيلم الاول <يلا عقبالكم>، والثاني مع المخرج ميشال كمون في دور جميل، والثالث لم أبتّ بأمره بعد.. ان كمّ الادوار الذي يُعرض علي في المسرح والسينما يجعلني على يقين اكثر بان الطريق الذي اسلكه صحيح.

ــ ومع زوجك ايلي، هل سنراك في اعمال تحت ادارته كمخرج؟

– اوه.. مشاريع عدة تنتظرنا في التلفزيون والسينما والمسرح، بعضه يتمّ العمل عليه حالياً وبعضه الآخر رهن المستقبل.. فالخيال لا يتوقف!