20 September,2018

عبير نعمة... صديقة الشاعر المتنبي: جعلت رسالتي الغنائية هي الحوار بين الشعوب!

بقلم عبير انطون

يوم غنت في <مهرجانات بعلبك الدولية> لهذا الموسم في عرض منفرد على مدى ساعة ونصف الساعة بمشاركة نحو 13 عازفاً لبنانياً ومن أرمينيا ومن إيران اطلقت عبير نعمة العنان للآهات المتعطشة الى فن اصيل، أعادنا حتى الى ايام أبو الطيب المتنبي وزمانه، فاستحقت في تلك الليلة درعاً تكريمياً ملكياً أرسل خصيصاً لها من غرب إسبانيا بإسم منطقة <غاليسيا> التاريخيّة وتسلمته بين احضان القلعة الرومانية. جابت عواصم العالم كله، فزرعت بصوتها اغنيات وصلت الى الاعماق، ليس عند الجمهور العربي وحده بل الاجنبي الذي بات ينتظرها في باريس، وقبلها في احدى كاتدرائيات <بودابست> في المجر، ومن ثم المغرب وكندا ومطلع الشهر المقبل في بلجيكا ومصر. تؤدي بخمس وعشرين لغة مختلفة، الا ان لغتها الاحب تبقى الموسيقى التي تحملها من خلال برنامجها الوثائقي الموسيقي عبر قناة <الميادين> بعنوان <Ethnopholia ــ موسيقى الشعوب> الى اماكن بعيدة من الهند وأذربيجان الى غيرها من البلدان، تنبش ما فيها من كنوز دفينة تدهشها كما تدهشنا وتعرفنا بها.

مع عبير كان حوار <الافكار> بدءاً من حفلتها الاخيرة في <اليونيسكو> وسألناها اولاً:

ــ انت اليوم سفيرة جمعية <رودز فور لايف> كيف تعرفت بأهلها وحملت قضيتهم؟

– بني الأمر على صداقة مع السيدة زينة قاسم رئيسة الجمعية والمجلس المساعد لها وطلبوا مني ان اكون سفيرة الجمعية و<صندوق طلال قاسم للعناية بذوي الاصابات البليغة> الامر الذي شرفني، خاصة وانني اضع صوتي بتصرف كل عمل خيري او انساني.

ــ اطلقت في حفلتك هذه بعنوان <آفاق> على مسرح <اليونيسكو> أغنية خاصة بالسلامة والحياة.

 – الاغنية من كلمات الدكتور روني الفا والالحان للمايسترو المبدع لبنان بعلبكي الذي رافقني في قيادة الاوركسترا السمفونية، وقد تمحورت الأغنية حول الضمير والوعي الاجتماعي الذي هو جزء من التوعية العامة.فالسلامة لا تنحصر فقط في امور القيادة والموضوع ابعد من الطرقات، فالسلامة سلسلة متكاملة.

ــ حبذا لو يرفع الصوت عالياً عن حال الطرقات فلا يحمّل المواطن دائما المسؤولية، ذلك ان الحفر المنتشرة بعشوائية او الزفت <المبري> أو الاشغال غير المشار اليها بأية لافتة تتسبب بوقوع حوادث مميتة.

– صحيح. الطرقات بحالة مزرية. لكن جمعية <رودز فور لايف> برئاسة زينة قاسم، لا تعنى بالانقاذ في حوادث الطرقات فقط بل بمختلف الحوادث التي قد يتعرض لها احدنا. ولكل حادث من الحوادث الخطرة ساعة يطلق عليها <الساعة الذهبية>، يمكن للمصاب في خلالها ان ينقذ او ان يسلم الروح في 80 بالمئة من الحالات للأسف، والانقاذ السريع اذا ما تم بالسرعة والجهوزية المطلوبتين، فانه بالغ الاهمية. هذه مهمة <رودز فور لايف> التي تساهم في التوعية والتدريب على الانقاذ حتى تصبح طرقاتنا طرقات للحياة، وتتنوع التدريبات مع الجيش والصليب الاحمر والجامعات والطواقم الطبية حتى تكون جميعها حاضرة بأقصى سرعة وفعالية. فجمعية <رودز فور لايف> تقوم بتدريب الجسم الطبي من خلال ثلاثة برامج إنقاذيّة عالميّة مُتخصّصة في الإصابات البليغة وهي مُطبقة في أكثر من 52 دولة في العالم: البرنامج الأوّل لأطبّاء الطوارىء، والثاني لفرق الإسعاف، أمّا الثالث فهو للجسم التمريضي، والبرامج الثلاثة تعلّم منهجيّة للتدخّل بسرعة بهدف إنقاذ الأرواح.

للجمهور كله!

ــ بعيداً عن الحوادث ندخل معك عالم الفن الذي اخترته بشغف. يتكرر القول ان اعمال عبير نعمة نخبوية ولا تصل الى الجمهور العادي. لماذا برأيك؟

– من الطبيعي ان يعتقد الجمهور ذلك لانني لا أغني كثيراً في لبنان. لكن من يشارك في حفلاتي يلمس العكس تماماً. لقد غنيت في مهرجانات بيت الدين، وفي <مهرجانات بعلبك> لهذا الموسم ولم تكن المقاعد تتسع لجميع الحضور. ومن استمع الى الامسية عرف ان الغناء يلمسه ويعنيه. عشنا في بعلبك حالة ليس فيها شيء من النخبوية بل من التلاقي الروحي الجميل. وربما يعود أمر <النخبوية> ايضاً الى سبب آخر هو انني أغني بأكثر من لغة ولدي ابحاثي وبرنامجي التلفزيوني أفتش من خلالهما عن الاغنيات والموسيقى الراقية في مختلف بقاع العالم.

Photo-----aــ قصدت في <مهرجانات بعلبك> عملك <المتنبي مسافر أبداً>.. لم اخترت المتنبي واشعاره؟

 – سبق أن قدّمت هذا العمل في الإمارات وإنما بصيغة وشكل مختلفين بالتعاون مع هيئة الثقافة والسياحة والفنون التابعة لوزارة الثقافة فيها، وقد طوّرت الفكرة وقمت بإعدادها بالمشاركة مع الصديق وسام كيروز، لنأخذ رحلة المتنبي الجغرافية وبعض أشعاره في رحلة تحملنا إلى موسيقى الحضارات المختلفة.. العمل عبارة عن مقاطع قصيرة من أشعار هذا الشاعر الكبير بحسب البلد الذي زاره، فقد طاف العالم القديم من مسقط رأسه في بلاد ما بين النهرين إلى بلاد الشام ومصر، وصولاً إلى تخوم آسيا الصغرى وبلاد الروم، ولقد اديت أغنيات وأناشيد وفولكلوريات من وحي تلك البلدان بلغات تكمل بعضها البعض. وفي العمل رسالة تقصدتها في الزمن المجنون الذي نعيش فيه، اذ اردت عبره التأكيد على <الحوار بين الشعوب من خلال الموسيقى لتلامس حدود التلاقي الانساني>.

ــ ما اللغات التي اديت بها في رحاب معبد <باخوس> وادهشت الجمهور؟

– غنيت بسبع لغات منها الإيراني والكردي و<السرديني> والإسباني والأرمني… قدمت اغنية <في سفري> ويقول مطلعها: <في سفري وترحالي حلمي، وفي دروب الشمس يسري، دمي لممالك الشعر أجنحة، فأطير بها إلى الأمم>. وأديت أبياتاً للمتنبي، كما اخترت من التراث الشعبي العراقي <فوق النخل فوق، مدري لمع خده، مدري القمر فوق>، ومن شعر الحلاج <يا نسيم الريح> وموشح <لما بدا يتثنى>، وأتبعتها باللغة الإسبانية بأغنية < Pastora do Caurel> على أنغام البيانو. وفي الامسية ايضاً اخترت من <القدود الحلبية> <هالأسمر اللون هالأسمراني>، و<يا مايلة عالغصون> و<قدك المياس يا عمري> كما اديت <القدود> باللغة اليونانية، ولبنانياً أغنيات الرائع زكي ناصيف فضلاً عن اغنيتين من الحان مارسيل خليفة الاولى بعنوان <الهجرة> من كلمات وديع سعادة والثانية <غني قليلاً يا عصافير> وهي أغنيات من <ألبومي> الجديد، كذلك ختمت بأغنية <طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة، يلا بنا نملا ونحلب لبن الجاموسة> من ألحان سيد درويش والتي أعاد صياغة توزيعها الفنان مارسيل خليفة ايضاً، وضمن المجموعة التي قدمتها هناك أربع أغنيات من تلحيني منفردة أو بالاشتراك مع أخي جورج.

ــ متى تطرحين <اسطوانتك> الجديدة وهي من توقيع وانتاج الفنان مارسيل خليفة أيضاً؟

– مطلع العام الجديد. هو فعلياً <دوبل ألبوم> اذ يضم اكثر من عشرين اغنية ترافقني فيها <اوركسترات> من زوايا العالم الاربع من باريس الى بلجيكا وبراغ، وتحتوي على تنوع كبير في الانماط الغنائية والموسيقية بدءا من <التهويدة> الى الاغنية القصيرة و<الطقطوقة> والموشح والغناء العامي والشعبي والطربي والكلاسيكي بحيث ان كل مستمع للاسطوانة سيجد نفسه في نوع من انواع ما تتضمنه. كما اطلق قريباً أغنية <يا ترى> من كلمات لوكاس صقر ومن ألحاني وتوزيع جورج قسّيس، وقد دخلنا فيها الى الكثير من الجديد الموسيقي وفيها تستمعون مثلاً الى الغيتار الكهربائي بعيداً عن الموسيقى، التقليدية وسوف تفاجئ الجميع.

 

مارسيل يدهشني!

 ــ ليس سهلاً الفوز بعمل كامل من انتاج الفنان مارسيل خليفة، كيف توصلت الى ذلك؟

– دخل مارسيل خليفة حياتي ليس كفنان فقط، بل كصديق وانسان يحمل كنوزاً ابعد من الموسيقى. هو من الناس القلائل الذين تتعرفين بهم ويدهشونك يوميا بامور جديدة في شخصيتهم وانسانيتهم ومحبتهم وتواضعهم، وهو بالنهاية فنان عظيم ليس في العالم العربي وحده.

ــ في جولاتك في احضان العواصم المختلفة، اي جمهور يلاقيك، خاصة في الغرب؟

– في حفلتي مؤخراً في <مونتريال> في < PLACE DES ARTS> وهو من اهم مسارح <مونتريال> غصّت الصالة بالحضور الكندي الى جانب الجاليات العربية والسورية والعراقية، ولدي حفلة قريباً في بروكسل – بلجيكا في اول كانون الثاني/ يناير المقبل ترافقني فيها الاوركسترا البلجيكية، والجمهور البلجيكي يتذوق جيداً الموسيقى الشرقية والعربية… اتردد في كل عام الى مهرجانات تتكون بمعظمها من الجمهور Untitled-attachment-00040----aالاجنبي وأتفاجأ ان بينهم، كما الكثيرين من الغربيين، من يعرفون عن حضارتنا وتاريخنا وثرواتنا الانسانية اكثر مما نعرف نحن ربما.

 

اهلا بالرئيس!

 

ــ هل سنشهد عبر قناة <الميادين> جزءاً جديداً من برنامجك الوثائقي <موسيقى الشعوب>؟

– نعم، الا ان ارتباطاتي كثيرة حالياً ولا يزال هناك 7 حلقات مصورة لم تبث. فبعد ان تعرض هذه ويعاد بث الحلقات جميعها نكون قد بدأنا بتصوير الحلقات الجديدة. هذا برنامج لا نهاية له، اذ ان كل زاوية في العالم فيها موسيقى مبدعة من نوع مختلف.

 ــ مع وصول الجنرال عون الى سدة الرئاسة اطلق العديد من الفنانين اغنيات بالمناسبة. ما رأيك بهذه الاصدارات؟ وما الذي لفتك بينها؟

 – فنانون عديدون غنوا للرؤساء والزعماء، ولكل فنان طريقته الخاصة في التعبير، احترمها جميعها. الفنان الكبير ملحم بركات كان قد غنى سابقاً للرئيس إميل لحود بطريقة رائعة وغيره طبعاً. بالنتيجة، يشكل الرئيس لهؤلاء الفنانين رمزاً للوطن ويعبّرون عن محبتهم لبلدهم من خلاله. انا شخصيا اتوجه صوب الغناء للوطن، للمجتمع بكل فئاته، للعاملين فيه والكادحين. ولا تنسوا ان غمرة الاغنيات هذه اتت بعد طول انتظار فكان الغناء فرحة وبهجة عبّر عنهما الفنانون بلسان الجميع، وكان طبيعيا ان نسمع الكثير من الاغنيات في هذا الصدد، إذ أنها كانت بمنزلة ردة فعل على حالة الترقب والقلق التي كانت تلف البلد. شخصيا كفنانة لا اعبر عن رأيي الشخصي في السياسة واحتفظ به لنفسي لكنني احترم جدا الفنانين الذين يجاهرون برأيهم وبانتمائهم السياسي على الملأ.