17 November,2018

عالـــم اقـتـصـــادي جديــد يـفـتــح أبـوابـــه أمـــام لـبـــنان!

 

بقلم وليد عوض

Henry_de_Jouvenel------b

سلام على العام 1943.

وسلام قولاً من رب رحيم من عام 1948.

وبينهما يعيش اللبنانيون والعرب جحيم المآسي ومعارك التحرير ومآسي النازحين.

قبل العام 1943 لم يكن للمنطقة قضية في لبنان والأردن. كان هناك اتفاق <سايكس بيكو> الذي أعاد بناء جغرافية المنطقة، بحيث مهد لقيام دولة لبنان الكبير صيف 1943، مؤسساً على الدستور اللبناني الذي أنشأه نواب أول برلمان في ظل المندوب السامي الكونت <هنري دو جوفينيل>، وكان هناك عدد من النواب ذوي الرأي والرؤية مثل الصحافي ميشال شيحا منشئ جريدة <لوجور>، وزعيم عكار عبود عبد الرزاق، وكلاهما يوجد توقيعهما على أول دستور لبناني.

لم تكن الطائفية قد دقت أبواب التركيبة اللبنانية، ولا انتشر نص برئاسة الجمهورية للموارنة، والمناصب الباقية لسائر الطوائف، بل كان نواب الدستور اللبناني الأول ينتظرون <هنري دو جوفينيل> كناقل الارادة الفرنسية بدءاً من الجنرال <جورج كليمنصو>، وهي ان الرئيس الآتي هو مدير عام وزارة العدل شارل دباس. فقد كان هناك تصور عند أصحاب القرار الفرنسي في لبنان ان شارل دباس، الأرثوذكسي، والرجل الضليع في القانون، هو المؤهل لنقل مشروع دولة لبنان الكبير الى دولة متكاملة المؤسسات بدءاً من وزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، ومؤسسة الجيش الجامع الأفراد، وضباطه من بقايا جيش الشرق وكان على رأسه اللواء فؤاد شهاب والعميد عبد القادر شهاب وجميل لحود وجميل الحسامي، مع التركيز على وزارة الخارجية التي هي الوجه الأساس لنظام الانتداب الفرنسي.

ولم تولد دولة لبنان الكبير بدون عصبيات. فقد رفضها مفتي طرابلس والشمال عبد الحميد كرامي صاحب عبارة <طرابلس الشام>، وقد استعان شارل دباس بصداقاته السورية، بدءاً من رشدي الكيخيا، وسعد الله الجابري، وشكري القوتلي، وفارس الخوري، وجميل مردم بك، ولطفي الحفار، لإعادة عبد الحميد كرامي الى السرب الوطني، مع رفضه لأي منصب حكومي.

ولكن الأحداث رسمت وقائعها والتاريخ لا يعود الى الوراء. فما هل العام 1943 حتى كان المحامي بشارة خليل الخوري رئيساً للجمهورية، ورياض رضا الصلح رئيساً للوزراء، ثم آلت رئاسة الحكومة الى عبد الحميد كرامي، ونائب طرابلس الثاني رجل الأعمال سعدي المنلا. وفي هذه المرحلة بدأت المعاناة مع القضية الفلسطينية، بعد تفاقم الملامح التي شدت من عزم الميليشيات الصهيونية وبدء عمليات تخريبها في القدس ودير ياسين وكفرقاسم جبل الزيتون، وظهور ردة الفعل في لبنان ومصر وشرقي الأردن والعراق والمملكة السعودية واليمن السعيد.

<المالكية> تخاطبكم

 

كانت بداية المقاومة اللبنانية التي عبر عنها الجيش اللبناني بقيادة اللواء فؤاد شهاب ونخبة من الضباط البواسل، بمعركة <المالكية> التي شارك فيها جيش الانقاذ بقيادة المجاهد فوزي القاوقجي والأمير مجيد ارسلان وزير الدفاع وقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، والعميد جميل الحسامي، والعميد عبد القادر شهاب، وهذه المعركة كانت نجمة وضاءة في جبين الجيش اللبناني.

كانت معركة <المالكية> هي البداية وهي أول معركة مقاومة قادها الجيش والشعب. ثم توالت الأحداث، وظهرت مملكة الأردن برئاسة الملك عبد الله بن الحسين، وعرفت سماء العرب مولد دولتني: دولة لبنان الكبير والاستقلال، ودويلة الصهاينة عام 1948، بالميليشيات الثلاث: <الهاغانا>، و<شترن>، و<أرغون>، وهي الميليشيات التي اغتالت مندوب الأمم المتحدة الأسوجي الكونت <برنادوت>، وظهر اسم <اسحق شامير> كبطل لهذه الجريمة.

وهكذا كان اللبنانيون ولا يزالون أرجوحة بين قضيتين: قضية لبنان، وقضية فلسطين.

من أوراق قضية لبنان اسهامه عام 1945 في ولادة هيئة الأمم عبر مدينة <لوس أنجيلوس>. يومئذ ألف الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح ورئيس مجلس النواب صبري حمادة وفداً لتمثيل لبنان في ذلك المؤتمر، برئاسة وزير الداخلية وديع نعيم وعضوية رجلي القانون عبد الله اليافي وصبحي المحمصاني، ويوسف سالم وشارل مالك. وهذا الاسهام الدولي اكليل غار على رأس لبنان.

يومئــــذ جـــالس المنـــــدوب الأميركي في مفوضية الولايات المتحدة <ووزوورث> أعضاء الوفد وناولهم خمس قصبات صيد بحري، وقال: <قد تسقط الطائرة بكم في عرض المحيط الأطلسي ويكون عليكم أن تتقنوا صيد السمك حتى لا تموتوا من الجوع>!

وبقدر هذا الجنى الدولي الكبير في حياة لبنان، بقدر ما أفرزت له الأقدار عام 1948 نكبة اللاجئين الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم في لبنان الآن المليون والستمئة ألف نسمة. وهم ثقل عربي انساني لا يجوز التعامل معه بدون رؤية، خصوصاً وان مقابل هذا الفيض من البشر في المخيمات على طول الشاطئ اللبناني، كان هناك قوة مالية فلسطينية أنشأت الفنادق والمصارف مثل يوسف بيدس منشئ بنك <أنترا>، وسعيد خوري منشئ شركة المقاولين اللبنانيين، وأنيس البيبي منشئ بنك الاتحاد الوطني.

وبفضل هذه القوة المالية التي، كانت تضم رجال مال فلسطينيين مثل بدر الفاهوم، واميل مسلّم واليكسي أيوب ومحمود ماميش، استورد الرئيس كميل شمعون عبر النائب العميد ريمون اده قانون السرية المصرفية من سويسرا، وأنشأ عدداً من المصارف والفنادق والمؤسسات، أسهمت جميعاً في نهضة اقتصادية لبنانية، لا تزال ملامحها سارية حتى الآن..

الفساد والمتضررون

مصافحة-بين-ترامب----Aوالحريري-في-الرياض 

في هذا الجو الارتدادي جاء عصر الرئيس ميشال عون الذي اتخذ من مكافحة الفساد شعاراً، ومن نظافة الامتحانات في الدوائر الرسمية مساراً للتعيينات واختيار الرجل المناسب للمكان المناسب. وبطبيعة الحال هناك من هذه الاجراءات متضررون من الاصلاح، كوضع كل بلد. وكفى كدليل رئيس فنزويلا الأسبق <لولا دا سيلفا> رئيس فنزويلا السابق الذي اتهم بقبول رشوات أثناء امساكه بالسلطة، أي ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع. ومن لا يعتبر من دروس الماضي انقلب عليه الحاضر كالوحش المفترس.

هذا الميراث من الحقبة التاريخية جزء من اهتمام عهد الرئيس ميشال عون بما حوله من متطلبات واغراءات وتحديات. ومقابل ملازمته لقصر الرئاسة في بعبدا، يقوم الرئيس سعد الحريري نيابة عنه برحلتين: الأولى الى واشنطن حيث يلتقي الرئيس <دونالد ترامب> ووزير الخارجية <ريكس تليرسون>، والثانية الى موسكو حيث يلتقي الرئيس <فلاديمير بوتين>. مع الرئيس <ترامب> سيناقش الرئيس الحريري موضوع العقوبات المالية والاقتصادية التي يهدد بها الكونغرس الأميركي الحياة المصرفية في لبنان، أي ان لقاءات الحريري في واشنطن هي التي تضمن حالة الاستقرار والازدهار للوسط الاقتصادي اللبناني. وكما التزم <ترامب> العلاقة مع المملكة السعودية، سوف يلتزم كذلك العلاقة مع لبنان.واليد اللبنانية الموصولة باليد السعودية هي علامة المستقبل الآتي.

مع موسكو سيكون للرئيس الحريري دور آخر، يتعلق بالجارة سوريا. وكيفما كان الأفق بين النظام والمعارضة في سوريا، فدور لبنان أن يضمن السوق الواعدة في سوريا لإعادة إعمار البنى التحتية السورية، بدءاً من بلدة <تلكلخ> وباقي محافظة حمص. ولأن لبنان كان في اقتصاده بمنأى عن أي تجريح، ومستتب الدواعي الأمنية والاقتصادية، فهو الآن صاحب الدور المباشر في استجلاب شركات الإعمار. وعندنا مجلس الانماء والإعمار يملك القدرة على دخول ورشة البنى التحتية في سوريا، إذا تسلم الدعوة لدخول الورشة!

وهذه الجلسات والمؤتمرات التي يعقدها وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري حالة اعدادية للدخول في ورشة إعادة إعمار سوريا والعراق، بدءاً من مرفأ طرابلس، أفضل ساحل بحري لورشة إعادة إعمار سوريا.

علــــى خــــط آخــــــر أبــــدت بلــــــدان عربيــــــة مثـــــــل الأردن استعدادهـــــــا لرفـــــــع الجنسيــــــات الكينيــــــة والصينيـــــــة والهنديــــــة مــن قائمـــــــة الجنسيـــــــــات المقيــــــدة للحصـــــول علــــــى تـــــأشيرة دخــــــول الى الأردن، وهو اجراء ستكون له آثار ايجابية في مجال التعاون الاقتصادي والاستثماري بين الأردن والأسواق الآسيوية والافريقية.

ويقول العين مراد رئيس غرفة تجارة عمان ان هذا القرار خطوة أولى نحو الانفتاح على الأسواق الافريقية والآسيوية ويسهل اجراءات الحصول على التأشيرة لدخول الأردن.

واعتماد قرار الأردن بفتح أبواب البلاد أمام بعض الجنسيات كالجنسية الصينية والجنسية الهندية من شأنه تسريع الحركة الاقتصادية وتقوية العلاقات السياحية والاقتصادية مع تلك الدول وتقليص حجم البطالة. والصين هي أكبر شريك تجاري للأردن وان الاستثمارات الصينية بلغت 1,6 مليار دولار، وتحويل 600 مليون دولار في مشروع الصخر الزيتي.

وإذا ســـرى مسار جنسيات الموارد الاقتصادية الكبيرة فإن عالماً جديداً من الاستثمــــار ســـوف ينشـــأ في المنطقــــة سوقاً للاستثمار العربي وسياحة تفرش ظلالهــــا في لبنان، وهم المسؤولين الآن هذه الاضطرابات في الشارع طـلباً لاختصار الضرائب وفك الصعوبات المالية.