18 November,2018

طوني فرنجية كان سبّاقاً وتيمور جنبلاط تبعه بنجاح وسامي الجميّل يتجاوز ”الاعتراضات“ وينتخب رئيساً للكتائب  

امين-الجميل

  من الواضح ان الحياة السياسية اللبنانية دخلت في فصل جديد، هو فصل <التوريث السياسي المبكّر> في البيوتات السياسية اللبنانية العريقة التي تستعد لتسلم <الجيل الشاب> مسؤوليات سياسية وحزبية في ظرف غير سليم يمر به لبنان والمنطقة. صحيح ان أسباب كل زعيم سياسي يريد توريث ابنه على حياته، ليست واحدة، إلا ان الصحيح أيضاً ان هذه العملية قد تكون سهلة لدى زعيم أو أكثر، لكنها لن تكون سهلة لدى آخرين…

   ومع حلول شهر حزيران (يونيو) يفترض أن يكتمل مشهد <التوريث المبكر> لدى ثلاثة قادة سياسيين: الرئيس أمين الجميّل الذي يستعد لتسليم رئاسة حزب الكتائب الى نجله النائب سامي الجميّل، والنائب وليد جنبلاط الذي تجاوز مسألة الانتخابات النيابية الفرعية ليسلّم نجله تيمور جنبلاط الراية الحزبية في انتقال يريده هادئاً للزعامة الدرزية، والنائب سليمان فرنجية الذي كان أول المبادرين العمليين عندما أعلن منذ سنتين عن ترشيح ابنه طوني لخلافته في أحد المقاعد النيابية المارونية الثلاثة في دائرة زغرتا!

<هاجس> الانتقال الهادئ للزعامة

   وعلى رغم ان لكل من الزعماء الثلاثة الجميّل وجنبلاط وفرنجية، الأسباب التي أملت عليهم اتخاذ هذه الخطوة، إلا ان القاسم المشترك يبقى رغبة هؤلاء القادة في تأمين حلول أبنائهم في مواقعهم الجديدة <من دون مشاكل> وفي ظل رعايتهم المباشرة لقطع الطريق على أصوات حزبية معارضة يمكن أن تتصاعد من هنا وهناك، إضافة الى اقتناع هؤلاء بمبدأ <التوريث العائلي> لأنهم هم وصلوا أيضاً الى زعامة أحزابهم أو طوائفهم من خلال الوراثة أيضاً. غير ان ما يميز الرئيس الجميّل عن النائبين جنبلاط وفرنجية، انه وصل الى زعامة حزب الكتائب <بشكل طبيعي> بعد وفاة والده المؤسس المرحوم بيار الجميّل وبعدما كانت آلت رئاسة الحزب طوعاً أو كرهاً، الى ثلاثة رؤساء هم المرحوم جورج سعادة والدكتور ايلي كرامة والوزير السابق كريم بقرادوني… أما النائب وليد جنبلاط فارتدى عباءة الزعامة الدرزية بعد استشهاد والده كمال جنبلاط وهو الذي كان <مبعداً> بقرار من والده الشهيد عن الحياة السياسية والحزبية والزعامة الدرزية. في حين وصل النائب فرنجية الى زعامة <المردة> بعد سنوات من الانتظار بسبب صغر سنه عند استشهاد والده النائب والوزير طوني فرنجية في ما يُعرف بـ<مجزرة إهدن>، وقد أمّن جده الرئيس الراحل سليمان فرنجية وعمه روبير فرنجية المرحلة الانتقالية حتى بلغ السن الذي أصبح في إمكانه أن يتسلم زعامة زغرتا والشمال…

   ويقول متابعون ان <هاجس> الانتقال الهادئ للزعامة الحزبية سكن كل من الرئيس الجميّل (الذي اختبر مرارة استشهاد نجله النائب والوزير بيار الجميّل ولا يزال يعاني من ذلك حتى اليوم)، والنائب جنبلاط (الذي لم يشأ أن يكرر مع نجله تيمور تجربته مع والده الشهيد)، والنائب فرنجية (الذي حرص أن يتولى نجله القيادة وهو على قيد الحياة)، الأمر الذي دفع الثلاثة الى توفير كل الظروف التي تساعد على تسلم الأبناء إرث الآباء والأجداد، مع علمهم بأن وجودهم الى جانب أولادهم في مسيرتهم نحو الزعامة يساعدهم كثيراً في الاستفادة من الخبرات المتراكمة والعلاقات الواسعة وأسلوب التصرف للمحافظة على دور البيوتات العائلية والحزبية وتأثيرها في الحياة السياسية اللبنانية.

تيمور-جنبلاطتيمور زعيماً في المختارة…

   لقد بدا مشهد استقبال تيمور جنبلاط الوفود والفاعليات في دارة المختارة قبل أسبوعين خلال غياب والده في باريس، المؤشر الأول على <الانتقال الفعلي والتدريجي> لـ<الزعامة الدرزية> الى الابن البكر لجنبلاط والذي أحاطه <الحرس القديم> على نحو لافت، فكان الوزير أكرم شهيب والنواب مروان حمادة ونعمة طعمة وعلاء الدين ترو وفؤاد السعد حوله يتابعون تعاطي <البيك الصغير> مع الوفود القادمة، كما يرصدون ردود فعل الآتين الى المختارة في غياب صاحب الدار. ولم يكن تيمور وحده إذ أحاطته شقيقته داليا وشقيقه أصلان للتأكيد على <وحدة العائلة> وصوابية الخيار، ليكتمل المشهد مع انضمام الوزير وائل أبو فاعور والنائب ايلي عون، مع تسجيل غياب النائب غازي العريضي… وبديهي أن تصدر كلمات <الارتياح> لليوم الأول للزعيم الشاب في احتكاكه الأول مع القاعدة في غياب الوالد الذي كان يتابع من باريس ردود الفعل والملاحظات… وكل التفاصيل!

   وعلى رغم ان تيمور كان أعلن مراراً أمام رفاقه وأصدقائه انه لا يحب العمل السياسي في ظل النظام اللبناني الراهن، إلا ان الواقع فرض عليه أن يتقبل ما كان يعلن أنه لا يحبه وبدا مرتاحاً وهو يقول عن <الامتحان الأول> بأنه <كتير منيح>. أما ردة فعل الوفود والزوار فكانت أن تيمور <متواضع> و<مستمع جيد> ويستوضح ويستمهل لمزيد من الدرس… ويعد بمتابعة المطالب وينظر الى زواره بانتباه… حتى وهو يرتشف فنجان القهوة!

… وطوني فرنجية اعتاد الزعامة…

   أما في بنشعي فالمشهد مختلف إذ اعتاد الشاب طوني فرنجية منذ أن طرحه والده مرشحاً لخلافته في المقعد النيابي، على مجالسة أبناء المنطقة والاستماع الى مطالبهم وملاحقة طلباتهم والمشاركة في مناسباتهم السعيدة والحزينة على حد سواء، لاسيما وان الوالد يمضي وقتاً طويلاً خارج لبنان في رحلات صيد تقوده الى دول بعيدة جداً عن لبنان… وعن زغرتا. لكن الجديد في <حركة> الزعيم الزغرتاوي الشاب، هو تعزيز التواصل مع الاغتراب اللبناني عموماً والزغرتاوي خصوصاً، وهو ما لم يكن يفعله دائماً النائب فرنجية. من هنا بدت زيارة طوني الى فنزويلا، نتيجة لحراكه الداخلي لاسيما وان السفير اللبناني في فنزويلا الياس لبس الذي عُين من خارج الملاك بتزكية من النائب فرنجية واعتُبر من حصته، لم يفارقه لحظة وشارك في كل المناسبات التي أقيمت على شرفه، ومن بينها مأدبة غداء أقامها السفير السوري في فنزويلا غسان عباس شارك فيها سفراء عرباً وفاعليات فنزويلية وعربية الخ… ولأن النائب فرنجية يريد أن يطمئن الى أن نجله بين أيادٍ أمينة، رافقه طوني في جولته الفنزويلية الوزير السابق يوسف سعادة وجهاد سعادة وأنطونيو يمين، و<رفاق> الزعيم الشاب.

… وسامي الجميّل يخلف والده بهدوء!

   وحتى يكتمل مشهد <التوريث السياسي المبكر> فإن حزب الكتائب على موعد الشهر المقبل مع انتقال رئاسة الحزب من الرئيس أمين الجميّل الى نجله النائب سامي الجميّل، علماً ان التحضيرات لهذا الحدث بدأت منذ أشهر استكمالاً لتمدد النائب الجميّل في المكتب السياسي وفي المواقع الحزبية الأخرى، وتوليه إدارة شؤون الحزب مع فريق عمله قبل انتخابه رئيساً وبمعزل عن المكتب السياسي الكتائبي. وفيما لم تواجه عملية انتقال الزعامة في الحزب التقدمي الاشتراكي و<المردة> اعتراضات تذكر باستثناء بعض ردود الفعل التي ظلت محدودة (خصوصاً لدى الاشتراكيين)، فإن الصورة ليست نفسها لدى حزب الكتائب لأن عملية <التوريث> سبقتها وسترافقها ردود فعل اعتراضية من بعض أفراد <الحرس القديم> في الحزب، وكتائبيين يريدون للعبة الديموقراطية أن تأخذ مداها خصوصاً في حزب <عريق> مثل حزب الكتائب عانى في السابق من واقع <المصادرة> و<وضع اليد>…

   وتتحدث مصادر كتائبية توصف بـ<المعارضة> ان الرافضين للتوريث ينطلقون من قاعدة تقول إن حزب الكتائب ليس <بيتاً سياسياً> أو <عائلياً>، بل هو حزب انتقل من مرحلة <حزب العائلة> الى مرحلة <حزب المؤسسة>، وما يصح في البيت الجنبلاطي لا يصح في حزب الكتائب لأن التوريث الحزبي هو <مصادرة لنضالات ودماء الشهداء>.

   وتضيف المصادر نفسها ان <المعارضين> ليسوا محصورين في منطقة واحدة بل ان وجودهم يمتد <من الناقورة حتى العريضة> وهم يطالبون بانتخابات <ديموقراطية> يكون فيها أكثر من مرشح بحيث يفوز من ينال أصوات الأكثرية من المندوبين الحزبيين الذين يقترعون. ويذكّر هؤلاء بالمراحل التي مرّ بها الحزب خلال فترة الوصاية السورية، وكيف ان مجموعات كبيرة من الكتائبيين عملت على استعادة الحزب من <قبضة الوصاية السورية> بدعم من الوزير والنائب الشهيد بيار الجميّل ونجحت في حينه في الاستحصال على حكم قضائي بإبطال سائر الانتخابات التي تمت في 1989 وما بعدها واعلان عدم شرعية القيادة وبطلان التدابير التي اتخذتها في حينه.

الجميّل الابن: لن أصادر قرار الكتائبيين

   وفيما تحرص المصادر المعارضة على أن عملها سيبقى ضمن الأنظمة الحزبية المرعية الاجراء وفي إطار ديموقراطي، تقلل مصادر كتائبية مؤيدة للنائب الجميّل من أهمية الحركة الاعتراضية التي تقول عنها انها لا تزال <اعلامية>، وان مؤتمر الحزب سيشهد على وحدة الموقف الكتائبي وعلى تحمل جميع الكتائبيين مسؤوليتهم في المحافظة على حزبهم وتأمين الانتقال الهادئ على مستوى القيادة. وأكدت هذه المصادر ان النائب الجميّل المنفتح على كل التيارات داخل الحزب ليس في وارد احتكار العمل الحزبي أو <مصادرة> مواقف الكتائبيين واختزال الحزب بشخصه بل سيعمل مع معارضيه قبل مؤيديه ليكون أداء الحزب على مستوى المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان عموماً وحزب الكتائب خصوصاً. وتضيف المصادر نفسها ان مرحلة <الانتفاضات> داخل حزب الكتائب قد انتهت وطويت صفحتها الى غير رجعة، لأن التباين في وجهات النظر له وسائل لمعالجته ضمن الأنظمة الحزبية، وهو لن يصل الى <خلافات> و<انتفاضات> و<انفصال> لأن استيعاب المعترضين سيكون من أولى مهام النائب الجميّل قبل انتخابه رئيساً، وسيستمر في مرحلة ما بعد الانتخاب. ويطمئن <الموالون> للنائب الجميّل بأن حزب الكتائب بات أقوى من <الهزات> وان الرئيس المرتقب للحزب سيكون رئيساً لجميع الكتائبيين وليس لفريق منهم، وهو سيمارس مسؤولياته الحزبية معتمداً على مبدأ <الشورى> لاسيما وأنه رفض في السابق <مصادرة> الحزب لأي طرف ولن يمارس بالتالي ما رفضه مراراً!

   شهر حزيران (يونيو) سيكرّس انتقال الزعامات الشابة الى قيادة أحزاب لبنانية عريقة، وثمة من يقول إن الزمن هو زمن الجيل الشاب، فهل سيكون <الزعماء الجدد> صورة طبق الأصل عن أبنائهم أم سيكون في مقدورهم تحقيق التغيير المنشود ومقاربة هموم الشباب وأحلامهم وهواجسهم؟

   إن حزيران (يونيو) المقبل لناظره قريب!